65. سوران وهارين
“آنستي، سنغادر الآن.”
حان الوقت لي أنا أيضًا أن أغادر هذا المكان. فقد مرّ وقت لا بأس به منذ شروق الشمس، ولو تأخرتُ أكثر فستقلق عائلتي.
آه، أم لعلهم قلقوا بالفعل؟
“حقًا لا أدري بأي كلمات شكر أعبّر….”
كانت السيدة تنحني لي مرارًا وتكرارًا. وحتى عندما طلبتُ منها ألا تفعل، قالت إن قلبها الممتن لا يهدأ.
قبل أن يغادر، أخبرها سكالين بخططه القادمة.
من الآن فصاعدًا، لن يجرؤ أحد على التخلي عن طفل في هذا المكان، وحتى لو ازداد عدد الأطفال وصار الأمر صعبًا، فلن يضطروا إلى إخراج أحد.
بل إنه قال إنه سيوفّر قريبًا أشخاصًا يساعدون في رعاية الأطفال أيضًا.
‘معي لم يقل كل هذا….’
يبدو أنه كان يهتم بهذا المكان أكثر مما تصورت. خاصة إذا فكرتُ في أنه غادر قبل بزوغ الصباح…
في الحقيقة، أنا لم أفعل شيئًا يُذكر، وكل ما حدث كان معجزة صنعها سكالين وحده.
كنت أظنه يكره الأطفال… لكنه كان أمرًا مفاجئًا حقًا.
“لا، لا داعي لشكرِي.”
ابتسمتُ للسيدة ابتسامة خفيفة. رغم أنني رأيتها ليومٍ واحد فقط، إلا أنها كانت شخصًا ينسجم تمامًا مع هذا المكان.
والأهم أنني شعرتُ بالثقة بأن هذه السيدة، التي يتبعها هذا العدد الكبير من الأطفال، يمكن الاعتماد عليها مستقبلًا.
“إذًا سأغادر الآن، السيدة سيري. هل يمكنني أن أزوركم مرة أخرى؟”
“بالطبع. الأميرة مرحّب بها دائمًا.”
ابتسمت السيدة سيري ابتسامة هادئة. أعجبتني تلك الابتسامة اللطيفة كثيرًا.
“…تعالي لزيارتنا مرة أخرى، الأخت سيليا.”
في تلك اللحظة، ألقى بيتشي، الذي كان يقف بجانب السيدة، تحيته عليّ. بدا خجولًا من كلماته، إذ لم يجرؤ على مقابلتي بنظره.
يا إلهي، الآن فقط يتظاهر بالخجل.
وجدتُ بيتشي لطيفًا بلا سبب، فربتُّ على رأسه بقوة. عندها عاد بيتشي إلى طبيعته الحادة، محتجًا وهو يطلب مني التوقف.
وبينما كنت أضحك وأنا أنظر إليه، اقترب مني طفلان.
كانا إريك، بوجهٍ يبدو وكأنه عقد العزم على أمرٍ ما، وإيفلي التي كانت تقف إلى جانبه وتنظر إليّ بعينين لامعتين.
وكعادتهما، كانا يمسكان أيدي بعضهما بإحكام.
“شكرًا لكِ، أميرة. لأنك سمحتِ لنا، نحن الأخوين، بالبقاء معًا هنا.”
كان إريك هو الطفل الذي كان سيغادر هذا المكان أولًا إن دخل طفلٌ جديد. أي أنه لولا سكالين، لكان إريك الآن من بين من سيتم إخراجهم.
‘لستُ أنا من يستحق الشكر….’
نظرتُ إلى إريك. حتى وهو يتحدث، كان التوتر واضحًا عليه؛ طفل يحاول التماسك خلف مظهرٍ هادئ.
شعرتُ بالشفقة والإعجاب به معًا، فانحنيتُ قليلًا لأكون في مستوى نظره، ثم ربّتُّ على رأسه. كان الإحساس مختلفًا عن حين لمستُ رأس بيتشي.
“أنت شجاع. لكنك ما زلتَ صغيرًا بما يكفي. عندما تشعر برغبة في الدلال، لا بأس أن تتدلل.”
مفهوم؟
عند كلماتي، عضّ إريك على شفتيه بإحكام. تمنّيتُ أن تكون كلماتي قد ساعدته ولو قليلًا، ثم استدرتُ.
لقد حان حقًا وقت الابتعاد عن ملجأ لوا.
وهكذا، لوّحتُ لهم مودّعة للمرة الأخيرة.
وفي اللحظة التي هممتُ فيها بالصعود إلى العربة—
“أميرة! أميرة!”
كان أحدهم يركض نحوي من بعيد. كان الطفل ريل، الذي أبدى اهتمامًا كبيرًا بسكالين.
(احم ريل ولد تأكدت فذا الفصل، فخلونا نطوي صفحة الماضي هاهاهاها)
“…نعم؟”
كان يحمل شيئًا بيده. كان ذلك السيف الخشبي الذي صقله بيتشي.
لماذا هذا…؟
وبينما كنتُ أحدّق فيه بذهول، وصل ريل إلى أمامي وهو يلهث. التقط أنفاسه قليلًا، ثم رفع سيفه الخشبي أمامي بثبات.
“ما هذا…؟”
“أرجوكِ، سلّميه إلى الأخ هارين، لا! إلى السيد الشاب هارين!”
“….”
“سأصبح مثله، سيّد سيف وعندما أكبر، سأحمي جلالة الإمبراطور، وسمو الأمير، والجميع!”
قال ذلك بوجهٍ بالغ الجدية. يبدو أنه أراد أن يبلّغ هارين—لا، سكالين—بعزيمته على أن يصبح سيد سيف.
هززتُ رأسي موافقة على طلب ريل. عندها رفع يديه الاثنتين فرحًا، وكأنه في غاية السعادة.
آه… لكن…
لمن بالضبط يجب أن أنقل هذا؟
أطلقتُ تنهيدةً متعبة.
***
“سأذهب بنفسي حالًا وأعيدها.”
مرّ يوم كامل منذ ذهاب سيليا إلى الملجأ.
وبما أنها لم تكن تقضي الليل خارج المنزل أبدًا، فقد عمّت حالة طوارئ في دوقية بارانتيس.
“سيدي الشاب، أرجوك انتظر قليلًا بعد…!”
“إلى متى تريدونني أن أنتظر؟”
“….”
بردت عينا هارين فجأة. نظر إلى فروين الذي كان يمنعه بلا أي تعبير.
“مرّ يوم كامل ولم تعد أختي. وكذلك الفارس فراتشيل الذي ذهب معها.”
“…..”
“لذلك أقول إنني سأذهب لإحضارها بنفسي، فما المشكلة في ذلك؟”
ابتلع فروين ريقه. كانت كلماته المنفعلة منطقية إلى حدٍّ لا يترك مجالًا للرد.
وفوق ذلك، ومع غياب الدوق داميان، لم يكن هناك أحد في هذا المكان قادر على إيقاف هارين.
“آنا… ما الذي يحدث؟ ألم تقل الآنسة إنها ستعود أمس؟”
“…لا أعلم. أنا أيضًا لا أعرف لماذا لم تعد حتى الآن….”
سأل فروين آنا بصوت منخفض، لكنها لم تستطع إعطاء جواب واضح.
لكن المؤكد هو أنهم لا يستطيعون إرسال هارين إلى ملجأ لوا.
فسيليا هناك حاليًا مع سكالين.
ولو رأى هارين سكالين وسيليا معًا في ملجأ لوا، فقد ينقلب القصر رأسًا على عقب في ذلك اليوم.
وربما تنهار العلاقة مع العائلة الإمبراطورية أيضًا. لم يكن مسموحًا بحدوث ذلك.
“س، سيدي الشاب! ألا يمكنكم الانتظار حتى وقت الغداء على الأقل…؟”
“ألم تقل لي الليلة الماضية أن أنتظر حتى الفجرٍ؟”
“….”
“وقلت إنها في الصباح ستعود حتمًا.”
“….”
“والآن صار الغداء؟”
أطلق هارين ضحكة جوفاء. لم يكن في ضحكته أي أثر للمرح؛ كانت ضحكة عبث خالص.
أن لا تعود سيليا حتى الآن رغم ذهابها مع فرسان القصر،
وأن يحاول خدم العائلة إيقافه بجنون— كل ذلك كان غير مفهوم بالنسبة له.
استقرت عيناه الزرقاوان ببرود.
“جهّزوا حصانًا واحدًا. أسرع حصان لديكم.”
لم يرفع هارين صوته بعد ذلك. ولم يسأل أين هي.
كان يفكر فقط بأنه يجب أن يذهب بنفسه ليعيد أخته.
‘لم يكن ينبغي إرسالها مع الفرسان. كان عليّ أن أذهب معها.’
عضّ هارين على شفتيه بقوة، حتى إن لثته سرعان ما تلطخت بالدم.
اخترق الألم الحاد فمه، لكنه لم يظهر أي اضطراب، وكأنه لا يشعر بالألم أصلًا.
“…هل حدث شيء ما؟”
في تلك اللحظة، خرجت سوران إلى الردهة. كانت قد نامت مبكرًا الليلة الماضية، ولم تعلم شيئًا عمّا جرى طوال الليل.
لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا: هارين كان غاضبًا جدًا.
“آه، الآنسة سوران….”
استدارت آنا لترى سوران قادمة نحوهم. كانت ساقاها قد شُفيتا تمامًا.
وبفضل الطبيب الذي أحضرته سيليا، أصبحت الآن تمشي بثبات كما في السابق.
“الآنسة سيليا… لم تعد بعد.”
“الآنسة سيليا؟ ألم تذهب أمس إلى الملجأ؟”
أومأت آنا ردًا على سؤال سوران.
“نعم، لكنها لم تعد رغم مرور يوم كامل….”
تنفست آنا بعمق.
في الحقيقة، لم تكن آنا مطمئنة هي الأخرى. توقعت عودة سيليا الليلة الماضية، لكن عدم عودتها حتى الصباح كان مقلقًا بطبيعة الحال.
ومع ذلك، كانت تخشى أن إرسال هارين قد يؤدي إلى عواقب لا يمكن تداركها لاحقًا.
“لكن… هل هذا أمر مقلق إلى هذا الحد؟”
في تلك اللحظة، تحدثت سوران. كان سؤالها بريئًا.
لكن على عكس نيتها، التفت جميع من في الردهة إليها. ورغم ارتباكها من الأنظار المفاجئة، واصلت قول ما تريد.
“الآنسة سيليا ليست طفلة، أليس كذلك؟ ربما مرّت بمكانٍ ما وستعود.”
توقفت نظراتها للحظة عند هارين.
“ثم… إذا كنتم تتصرفون هكذا، فستكون الآنسة في موقف محرج.”
عندها، تحرّك هارين الذي كان صامتًا حتى الآن بخطوات ثابتة نحو سوران.
نظر إليها من علٍ بنظرة باردة. ارتجفت للحظة أمام عينيه الزرقاوين اللتين بدتا وكأنهما تمزّقانها، لكنها لم تُظهر ذلك.
“قد يبدو لكِ، أيتها الآنسة، أن هذا الأمر تافه.”
“….”
“فأنتِ تكرهين عائلتك، وتعيشين متطفلة في الدوقية.”
ارتسمت سخرية على شفتي هارين. كان في ابتسامته استهزاء بها، وقليل من الانزعاج.
“فمن، برأيك، قد يقلق عليكِ أصلًا؟”
التعليقات لهذا الفصل " 65"