63. تحت ضوء القمر في سماء تلك الليلة
لا أدري كيف وصلنا إلى ملجأ لوا. لعل الأدق أن أقول إنني حين عُدتُ لوعيي وجدت أننا قد وصلنا بالفعل.
بعد ذلك، لم يتبادل سكالين وأنا ولا كلمة واحدة. كنا نمضي قدمًا ببطء فحسب، وكأن ذلك هو الشيء الوحيد الذي نستطيع فعله.
“أميرة! لقد قلقنا كثيرًا. الحمد لله على سلامتكِ، حقًا.”
ما إن وصلنا إلى ملجأ لوا حتى خرجت السيدة سيري مسرعة حافية القدمين.
أمسكت بكلتا يديّ وأخذت ترفع الشكر إلى الإله مرارًا. كنت ممتنة لها، لكنني شعرت بالذنب أيضًا لسببٍ ما.
“أنا آسفة يا سيدتي. لا بد أنكم خفتم كثيرًا، أليس كذلك؟ كان يجب أن أذهب ومعي فارس واحد على الأقل….”
“لا، لا. بل أنا من يجب أن يعتذر. كان من المفترض أن أعتني بالطفل بنفسي… وقد طلبت من أميرة طلبًا يفوق طاقتها.”
عانقتُها بإحكام وهي تطلق زفرة ارتياح. كنت أعلم أنها قلقة، لكن رؤية وجهها الشاحب بعد بضع ساعات فقط جعلت قلبي غير مطمئن.
سكالين، والسير فراتشيل، والسيدة سيري… جميعهم كانوا قلقين عليّ إلى هذا الحد.
من الآن فصاعدًا، مهما حصل، يجب أن أخرج دائمًا برفقة فارس.
وبينما كنت أراجع تصرفي بندم، وجّهت السيدة نظرها إلى سكالين الذي جاء معي.
انحنت له باحترام، فبادلها التحية سريعا، ثم اتجه فورًا نحو فرسانه.
“…الأميرة حقًا شخص مبارك.”
“نعم؟”
بينما كنت أراقبه بصمت وهو يبتعد، اقتربت مني السيدة سيري بابتسامة هادئة.
“حين قيل إنكِ خرجتِ للبحث عن بيتشي ولم تعودي، لم تتخيلي كم ارتعب السيد الشاب.”
“سكال… أقصد، هارين؟”
“نعم… لقد اندفع إلى الخارج فورًا، وكانت سرعته مخيفة لدرجة أن الجميع هنا أصيبوا بالذهول….”
“….”
“تألم قلبي لذلك. شعرت بالأسف دون سبب….”
ابتسمتْ ابتسامة خجولة، ثم مسحت برفق على يديّ الممسكتين بيديها.
“لكن… حين رأيت ذلك المشهد، شعرت بسعادة كبيرة. بدا واضحًا أن أميرة محاطة بمحبة عائلتها.”
“….”
“وربما من هنا يأتي ذلك الحب اللامحدود الذي تمنحينه لأطفالنا. في داخلي، شعرت ببعض الغبطة أيضًا.”
لم يكن كلامها مجرد مجاملة لإرضائي. كان ذلك واضحًا من نظرتها الصادقة.
إحساس بأنني فعلًا أميرة محبوبة، محمية من قِبل أحد ما.
‘لكن… المشكلة أن سبب هذه النظرة هو سكالين.’
نظرتُ إليه من بعيد وهو يتحدث مع الفرسان.
كان يناقش أمرًا ما بجدية، لكنه كلما التقت عيناه بعينيّ رفع أحد طرفي فمه بابتسامة.
بدا الأمر طبيعيًا جدًا، كأنه نظام تلقائي.
وفجأة، راودني فضول.
هل تلك الابتسامة المألوفة لي مألوفة للآخرين أيضًا؟
فضول متعجرف قليلًا.
ولأحصل على جواب، اقتربت من الفارس الذي كان يتحدث معه طويلًا.
“السير أديل، هل يمكنني التحدث معك لحظة؟”
توقف فجأة عن الحركة عند سؤالي، وبدا عليه بعض الارتباك من ظهوري المفاجئ.
رؤيته هكذا جعلتني أشعر بالأسف بلا داعٍ.
“نعم، أميرة. ما الأمر؟”
كنت أراه كلما التقيت بسكالين، لكن نادرًا ما تحدثت معه هكذا.
وإن كان من المقرّبين، فلم أكن أتبادل الكلام إلا مع السيد ألكساند.
تساءلت إن كان من الصواب أن أسأله هذا، لكن شعورًا داخليًا أخبرني أنني يجب أن أعرف.
“…هل الأمير سكالين.”
“نعم، أميرة.”
“هل يبتسم كثيرًا عندما يتحدث معك؟”
“….”
أمام جديتي، تعامل هو أيضًا بجدية. لكن ذلك لم يدم طويلًا.
ما إن أنهيت سؤالي حتى بدا وكأنه تلقى ضربة مفاجئة، وقد شُلت ملامحه.
“عذرًا، أميرة… هل سمعتكِ جيدًا؟”
“آه، أعني… هل يبتسم سمو الأمير كثيرًا أثناء حديثه معك؟ أو مع أي شخص آخر….”
قبل أن أنهي سؤالي تمامًا، انقبض وجه أديل بشدة.
بدا وكأنه يتساءل لماذا يُسأل مثل هذا السؤال.
“…لا.”
“….”
“ربما سيكون أسهل أن تسألي: متى آخر مرة ابتسم فيها سموه.”
لأني حينها سأستطيع الإجابة بدقة أكبر.
كان أديل حاسمًا. تعبيره جاد، وفيه شيء من الذهول أيضًا.
وكأنه يقول: هل عليّ فعلًا أن أشرح هذا؟
لم أستطع قول أي شيء أمام صدقه.
إذًا….
“سموّك.”
“لماذا تنادينني؟”
“…لا شيء، فقط ناديتك.”
“سخيفة.”
حتى على مثل هذا الكلام التافه، كان سكالين يبتسم ابتسامة خفيفة.
نظرتُ إلى ظهره وهو يغادر بعد أن ابتسم لي مرة واحدة.
لسبب ما، شعرت بانقباض في صدري.
هذا الإحساس الغريب الذي شعرت به منذ فترة بدأ يتحول إلى يقين.
سكالين، هكذا سأبدأ بالتوهم.
سأظن أنك تحبني أنا، لا سوران.
مرارًا وتكرارًا.
***
“هل ستغادر الآن؟”
كنتُ أمشي حاليًا مع سكالين في حديقة ملجأ لوا.
وإن سُمّيت حديقة، فهي في الحقيقة لا تتعدّى السير في الغابة الواقعة أمام الملجأ.
“نعم، طرأ أمر ما، ويجب أن أذهب سريعًا.”
نظرتُ إلى السماء خلف سكالين. كان الوقت لم يبلغ الفجر حتّى، ويبدو أن بزوغ النهار ما زال يحتاج إلى قليل من الوقت.
“لكنه الليل، سموك. أليس من الأكثر أمانًا أن تنطلقوا بعد أن يطلع النهار؟”
فمهما كان الأمر، فهذا مكان تحيط به الغابة.
رمقته بنظرة مليئة بالقلق. فقد ضللنا الطريق قبل قليل في الغابة، لذلك لم أستطع أن أقول له بسهولة: اذهب بسلام.
“يجب أن أذهب الآن لأمسك بالخيط الذي سيقودنا إليهم.”
“إليهم…؟”
اتبعتُ طرف نظره. قبل قليل، كان الرجلان اللذان حاولا التخلّي عن الطفل مقيّدَين معًا بحبال مربوطة إلى خيول فرسان القصر الإمبراطوري.
كانا مطأطئي الرؤوس، عاجزين حتى عن إبداء أي مقاومة.
“هل… لم يحدث شيء خاطئ، أليس كذلك؟ لهؤلاء الأشخاص؟”
“مستحيل. كلّ مافعلتُه هو إخافتهم قليلًا.”
تسلّلت إليّ قشعريرة خفيفة عند سماع كلماته.
ترى أي نوع من الترهيب ذاك الذي جعلهم على هذه الحال؟
لا أعرف السبب، لكن المؤكد أنهم لا يبدون أناسًا صالحين.
“وأيضًا، عليّ أن أصل سريعًا حتى أتمكن من تحويل هذا المكان إلى ملكية خاصة بي.”
“…ملكية خاصة؟”
لم أستطع تخيّل إلى أي مدى كان قد خطط للأمور خلال هذا الوقت القصير من اليوم.
“نعم. ملجأ لوا هذا سيصبح دار رعاية تخضع لحماية القصر الإمبراطوري.”
“….”
“وأطفال هذا المكان، بمن فيهم بيتشي، سيتلقّون تعليمًا لائقًا، ومن تُكتشف موهبته سيدخل لاحقًا إلى فرقة فرساني.”
قدّم خطة أكثر تفصيلًا مما توقعت. كنت قد سمعت منه سابقًا كلامًا عامًا عن هذا الموضوع، لكن أن يُنفَّذ فعلًا، وبمثل هذه السرعة، كان أمرًا مدهشًا.
“إذًا، هل استدعيتَني فقط لتخبرني بهذا؟”
نظر إليّ سكالين. كان في عينيه خمول غريب، وبدا عليه الإرهاق بوضوح.
ولا عجب في ذلك، فقد ظل يتحرك بلا توقف منذ الصباح وحتى الآن…
شعرتُ بالذنب من جديد دون سبب.
“لا.”
هزّ رأسه نافيًا. ذلك الرجل الذي كنت أراه دائمًا مراوغًا، بدا فجأة لطيفًا على نحو غير متوقع.
…حقًا، كيف انتهى بي الأمر إلى هذا؟
“إذًا لماذا استدعيتني؟”
أردت أن أعرف السبب سريعًا وأعود إلى الداخل. فإن بقيت هنا أكثر، سأُسحب مرة أخرى في أوهامي.
لكن هل لاحظ قصدي؟
فجأة اقترب مني، ثم أسند رأسه على كتفي بطَرقٍ خفيف.
“فقط… أردت أن أراكِ قبل أن أرحل.”
“….”
لم يتحرك لبرهة. كأن ذلك الخمول الذي رأيته في عينيه كان حقيقيًا، فلم يُبدِ أي حركة على الإطلاق.
وأنا أسمح له بالاتكاء عليّ، فتحتُ فمي بحذر.
لأقول الكلمات التي ظللت أرددها في نفسي طوال أيام.
“…سمو الأمير.”
“….”
لم يُجب. ومع ذلك، لم أتوقف. فنحن وحدنا في هذا المكان الهادئ، وشعرت أن هذه فرصتي الوحيدة.
“أنا آسفة.”
شعرتُ بجسده الذي كان متكئًا عليّ ينتفض قليلًا.
داعبت خصلات شعره عنقي، لكنني تجاهلت ذلك وتابعت بهدوء.
“أنا… آسفة لأنني في ذلك الوقت أرسلتُ سوران دون أن أقول شيئًا.”
كم مرّ من الوقت؟
لم يأتِ منه أي رد. لكن الجسد المتكئ على كتفي بدأ يبتعد ببطء… ببطء شديد.
ابتعد سكالين تمامًا، ونظر إليّ.
كنت أشعر بنظره، لكنني لم أستطع أن أرفع عينيّ نحوه.
من شدة الذنب والندم.
الاعتذار… ليس أمرًا سهلًا أبدًا.
وبينما كنت أنتظر جوابه الذي لا يأتي، شعرتُ بشيء كبير يُوضَع طَق— فوق رأسي.
كانت يد سكالين الكبيرة.
منذ لحظات كان يتدلل عليّ، وها هو الآن يعاملني كطفلة.
“لا بأس.”
“….”
كان جوابه بسيطًا إلى حدٍّ مذهل.
لم يُضِف كلمة واحدة أخرى.
مجرد قوله لا بأس، جعل الحمل المتراكم في صدري يزول دفعة واحدة، كأنه غُسِل عن قلبي.
“إذًا، هل تسمحين لي أن أقول شيئًا أنا أيضًا؟”
كادت الدموع أن تفيض من عيني. انهمرت مشاعري فجأة.
أطرقتُ رأسي وأومأتُ ببطء. ولا تزال يده فوق رأسي.
“أريد أن أكون رفيق حياتكِ.”
“….”
رنّ صوت سكالين في هذا المكان الساكن.
كان صوته الناعم ينساب مع نسيم الليل ويداعب أذني.
فزعتُ من كلماته المفاجئة، ونظرت إليه. لكنه لم يتجنب نظري.
“هل علاقاتنا مازالت من طرفٍ واحد؟”
تحت ضوء القمر في سماء تلك الليلة، تقدّم سكالين لخطبتـي.
التعليقات لهذا الفصل " 63"