60. القلق
فقط بعد أن صرختُ بصوت عالٍ تمكنت من التأكد من هويته.
“بيتشيي …؟”
“…لماذا ما زلتِ هنا؟”
كان صوتَ بيتشي بلا شك. بدت عليه الدهشة من ظهوري.
لكن عندما سمعت صوته المملوء بالاستفهام، شعرت بشيء يتصاعد بداخلي.
“وأنت! كيف يمكنك الركض هكذا؟ هل تعلم كم كنتُ قلقة عليك؟”
صرخت في وجه بيتشي بغضب.
من المضحك أن لقاء هذا الطفل منحني شعورًا بالاطمئنان وسط قلقي.
أن تلتقي شخصًا تعرفه في هذا المكان المظلم يعطي شعورًا أكبر بالراحة مما توقعت.
“لقد ركضت لأجدك…”
“….”
“كل هذا الطريق…”
كنت أوبخه بشدة، لكنه لم يقل شيئًا.
كان هذا سلوكًا لا يصدر عادة عن بيتشي الذي يضجر من كل شيء.
“لماذا لا تقول شيئًا؟”
عادةً كان سيرد ويجادل، لكنه كان غريبًا في صمته، وكان يسمع فقط صوت تنفسه المتقطع.
“بيتشي، أنت بخير، أليس كذلك…؟”
“…أنا آسف.”
في تلك اللحظة، عندما حاولت الإمساك بيديه، همس بصوت خافتٍ جدًا، بالكاد يُسمع إلا عند الاقتراب، وكأنه يكافح لإخراج كل حرف من فمه.
‘هناك شيء غريب…’
شعرت بالقلق، فأمسكت بيتشي من كتفيه. وفي تلك اللحظة…
“بيتشي…؟ بيتشي!”
سقط بيتشي على حضني كما لو كان ينهار.
***
‘في الحقيقة… هناك أماكن محددة يترك فيها الناس الأطفال. يوجد في الغابة طرق متفرعة كأنها متاهة. مؤخرًا، يبدو أن هناك شائعات عن ذلك المكان، لذا…’
‘أين ذلك المكان؟’
‘…ربما بالقرب من النقطة التي أعاق فيها الأطفال عربة السيد الشاب.’
كان سكالين، الذي كان يمتطي الحصان، يفكر في كلام السيدة سيري بعناية.
بالرغم من أنه مر من هذا المكان في النهار، إلا أنه من الصعب معرفة الاتجاه وسط الظلام باستخدام ضوء مصابيح صغيرة فقط.
‘اللعنة…’
قبض سكالين على لجام الحصان بشدة. كان يشعر وكأن جلده يتقرح من شدة القبض، لكنه لم يهتمّ بذلك.
كان شعوره بالقلق المستمر أكثر إزعاجًا من أي جرح في يده.
“سموك، الظلام دامس، الأمر خطير. من الأفضل التحرك ببطء تحسبًا لأي شيء…”
قال أديل، الذي كان يتبع سكالين وهو يركض.
كان يتبع سكالين للبحث عن سيليا وبيتشي، لكنه اعتقد أن البحث في الغابة المظلمة الآن سيكون صعبًا للغاية.
فكل ما لديهم من ضوء هو مصابيح صغيرة للطوارئ وفانوس أعطته السيدة لهم.
إذا استمروا هكذا، فقد يضلون الطريق هم أنفسهم.
“افعلوا كما تقتضي الحاجة.”
“نعم؟”
ترك سكالين ردًا قصيرًا ثم انطلق يركض مرة أخرى.
كان الظلام في الغابة أعظم من المتوقع، لذا لم يكن كلام أديل خاطئًا.
في الواقع، إذا فكر المرء في سلامة الآخرين، فإن البحث بعد الفجر سيكون أسهل.
لكن هذا كان تفكيرًا ممكنًا فقط عندما يكون العقل حاضرًا.
الآن، بعد اختفاء سيليا، لم يكن لدى سكالين أي عقلانية. كل ما في ذهنه هو البحث عنها فحسب، غريزيًا.
“أنا أيضًا لا أفكر في السير ببطء.”
في تلك اللحظة اقترب فراتشيل من جانب أديل.
على وجهه، الذي كان دائمًا يبتسم بلطف، لم يكن هناك أي أثر للابتسامة.
لم يكن فراتشيل المرح الآن، بل فراتشيل، قائد فرسان عائلة بارانتيس.
“السير فراتشيل.”
“إن حماية الأميرة مسؤولياتي. تأخري عن ذلك سيكون إهمالًا وظيفيًا. السير ببطء ليس من صلاحيتي.”
بعد هذه الكلمات، تبع فراتشيل سكالين الذي انطلق للأمام.
لم يكن فراتشيل ينوي العودة إلى الملجأ قبل أن يعثر عليها. أقسم أنه سيقلب هذا الجبل كله رأسًا على عقب حتى يجدها.
“إذا قلتَ ذلك، فلا يسعني إلا أن ألحق بكما.”
تنفّس أديل زفيرًا خفيفًا وهو ينظر إلى الاثنين اللذين اندفعا راكضين متجاوزين إياه.
خطر له فجأة: هل سبق أن تصرّف سكالين، الذي خدمه لعشر سنوات، بهذه الاندفاعية من قبل؟
ذلك الرجل الذي يقدّم الكفاءة والمصلحة دائمًا، ها هو الآن يفتّش الجبل بلا أي خطة. كان مشهدًا نادرًا بحق.
‘قالوا إنها الأميرة الوحيدة في الإمبراطورية، ألهذا السبب…؟’
قرر أديل أنه عندما يعود إلى القصر الإمبراطوري، سيسأل ألكسند عن الآنسة سيليا. فهو الشخص الذي لا يجهل شيئًا عن سكالين.
عندها—
“سموك…؟”
سكالين وفراتشيل، اللذان ظنّ أنهما ابتعدا كثيرًا، كانا متوقفين في مكانهما على غير المتوقع. كانا ينظران كلاهما إلى نقطة واحدة.
“لماذا توقفتم؟”
“……”
“مالذي تنظرون إليه بالضبط…؟”
تبع أديل اتجاه نظراتهما، وكأنه يقول: ماذا يمكن أن يُرى في هذا الظلام؟
لكن ما إن فعل، حتى أُطبق فمه المليء بالضيق والتساؤل في لحظة واحدة.
“أولئك الأشخاص…”
إذ لاح له بشكل خافت أشخاص ينزلون من عربة.
***
“أرجو أن يكون على ما يرام….”
نظرتُ بقلق إلى بيتشي المستلقي على حجري.
منذ أن سقط مغشيًا عليه قبل قليل، لم يستعد وعيه بعد.
لحسن الحظ، كان يتنفس بهدوء، مما يوحي بأنه فقد وعيه مؤقتًا فقط.
‘ما الذي حدث حتى يُغمى عليه…؟’
من أنفاسه المتقطعة وجسده المنهك، بدا واضحًا أنه مرّ بشيء ما.
هو ما يزال طفلًا صغيرًا… التفكير في ذلك جعل صدري يضيق.
“لو أنني أستطيع الوصول إلى الملجأ الآن…”
قبل قليل حاولتُ العودة حاملةً بيتشي لكنني عجزت.
كان أثقل قليلًا مما أحتمل، وإيجاد الطريق لم يكن سهلًا.
وفوق ذلك، لأن المكان جبلي، لم يكن بالإمكان تجاهل جذوع الأشجار والحجارة التي تعيق الخطوات.
‘هل لا خيار أمامي سوى الانتظار هنا حتى يأتي أحد لإنقاذنا…؟’
جلستُ مستندة إلى شجرة وأطلقتُ زفيرًا عميقًا. لم يكن أمامي إلا الاعتراف بأني تسببتُ في إزعاج الجميع. لا بد أنهم جميعًا قلقون عليّ الآن.
خرجتُ للبحث عن طفل ولم أعد لساعات، فمن الطبيعي أن يخرجوا للبحث عني.
خطر على بالي وجه سكالين. وبما أنه معروف لدى السيدة باسم هارين، فلا بد أنه خرج للبحث عني دون خيار آخر.
‘لا بد أنه صار يكرهني أكثر. هل يراني الآن فتاة متهورة بلا أي تدبير…؟’
حتى أنني لم أعتذر له كما يجب، وها أنا أسبب له هذا العناء.
لو كان لا يزال يكنّ لي بعض الفضول، فلا بد أنه تلاشى تمامًا بسبب هذه الحادثة.
“……”
لكن لماذا؟
في اللحظة التي تيقنتُ فيها من ذلك، ارتسمت ابتسامة مرّة على شفتي.
كنتُ أتمنى أن يتخلى عن فضوله تجاهي، لكن ليس بهذه الطريقة.
حتى لو لم نعد نلتقي كثيرًا كما في السابق، لم أكن أريد أن أكون مكروهة لديه…
لكن تصرّفاتي الآن لا تدعو إلا للضحك الساخر.
“سماء الليل مشرقة إلى هذا الحد…”
رفعتُ بصري إلى السماء.
النجوم المتلألئة كانت قاسية، تضيء وحدها دون أن تمنح الأرض شيئًا من نورها.
لو أن هذا الضوء الباهر ينسكب إلى الأسفل أيضًا…
ربما لو سمعني أحد لوبّخني على هذا الكلام، لكنني كنتُ صادقة في رجائي. كنتُ أريد العودة بشدة.
وبينما كنتُ أحدّق في السماء بلا حراك—
“…لا يمكن أن تكون تلك…”
من بين عدد لا يُحصى من النجوم، استوقفت نظري نجمة واحدة على وجه الخصوص.
نجمة تتوسط الجميع، تتباهى بضوئها.
قوة لمعانها كانت شديدة لدرجة أنها أنارت ما حولها أيضًا.
“…إستريا؟”
تدفّقت إلى ذهني فجأة كلمات السيد فروين التي قالها لي ولهارين في طفولتنا.
‘تلك النجمة تقوم بدور دليل الليل.’
‘دليل؟’
‘نعم. كلما اشتدّ الظلام، ازداد بريقها. ومنذ القدم، اعتمد عليها كثيرون لإيجاد طريقهم.’
‘وما علاقة اللمعان بإيجاد الطريق؟’
‘لأن تلك النجمة، لسبب غريب، تبقى دائمًا في جهة الشمال. ومن خلالها يحدد الناس الاتجاه.’
حينها مرّ الأمر عليّ مرور الكرام، ظننتها مجرد اسم نجم القطب في هذا العالم….
“شكرًا لك، يا سيد فروين. بفضلك أشعر أنني أستطيع فعل شيء ما.”
أنزلتُ بيتشي برفق من على حجري ومدّدته على الأرض.
إن استطعتُ إيجاد الطريق اعتمادًا على تلك النجمة، فسيكون ذلك حظًا حقيقيًا.
قفزتُ إلى قدمي ومددتُ يدي مباشرة.
قد لا تكون تلك النجمة هي إستريا التي قصدها فروين، لكنني لا أستطيع البقاء مكتوفة الأيدي.
“إذًا… جهة تلك النجمة هي الشمال. ألم آتِ من هذا الاتجاه قبل قليل؟”
أشرتُ بإصبعي، نقطةً بعد نقطة، أتحقق من الاتجاه.
كان عليّ تقليل طول المسار قدر الإمكان لأنني سأحمل بيتشي معي.
وبعد أن تأكدتُ إلى حدّ ما من الاتجاه، تولّد لدي يقين بأنني أستطيع الوصول إلى ملجأ لوا.
“إذًا… أذهب من هنا، أليس كذلك؟”
مددتُ ذراعي مشيرةً إلى الاتجاه الذي توصلتُ إليه.
وفي تلك اللحظة، بينما كنتُ مركزة على النجمة ولم ألتفت لما حولي—
أمسك أحدهم فجأة بإصبعي الممدود.
“……!”
يُقال إن الإنسان إذا فزع بشدة، لا يستطيع حتى الصراخ.
وهذا ما حدث. تجمدتُ في مكاني دون أن يصدر مني أي صوت.
“…وجدتكِ.”
وصلني صوت مألوف من أمامي.
كان صوته أعمق من المعتاد، لكنني عرفتُ فورًا من يكون.
“…سكا… لين؟”
من فرط الارتباك نطقتُ باسمه دون وعي. وشعرتُ بيده التي تمسك بإصبعي ترتجف قليلًا.
“آه، لا… سموّك…؟”
حينها فقط أدركتُ أنني أخطأت، وحاولتُ سحب يدي بسرعة.
وفي تلك اللحظة—
“كنتُ قلقًا عليك.”
شدّني سكالين نحوه فجأة، وضمني إلى صدره بقوة.
التعليقات لهذا الفصل " 60"