58. بيتشي (1)
“ذلك الطفل…….”
اتبعت نظرتها، فرأيت طفلين مألوفين.
كانا إريك وإيفلي، اللذان جاءا معي، بشعريهما البني المحمر.
“اسمه إريك. والفتاة بجانبه هي أخته.”
“……حقاً، هل جاء الاثنان معاً إذن؟”
سألت وأنا أقطب حاجبيّ، فأومأت السيدة برأسها بالنفي.
“لا، للأسف، والدا هذين الطفلين تركوا إريك هنا أولاً، وبعد عام تركوا إيفلي أيضاً.”
“……لا يمكن.”
“إريك، الذي كان هادئاً ومهذباً عادة، خرج في منتصف الليل بعد سماعه بكاء طفلة. ذلك الصغير لم ينسَ صوت أخته وتمكن من تمييزه.”
حدقت السيدة في الأطفال بعينين حزينة. كما قالت، بدا إريك، الذي رأيته لفترة وجيزة، هادئاً ومتماسكاً بشكل لا يتناسب مع عمره.
أما إيفلي، فكانت تظهر طفلةً بريئةً، وكأنها وُلدت وترعرعت هنا، مما يدل على مدى اهتمام إريك بها ورعايته لها.
“إريك يعرف وضعه جيداً، لذلك يفعل الآن ما يستطيع.”
“…….”
“حتى لو رحل، فهو يعلّم إيفلي كل شيء خطوة بخطوة لتتمكن من العيش جيداً. أليس ذلك رائعاً؟”
ابتسمت السيدة، لكن الحزن كان واضحاً على وجهها أيضاً.
“إنه أمر… قاسٍ للغاية.”
كيف يمكنني مساعدتهم…؟
لم أكن شخصاً يمكنه التأثير في الإمبراطورية مثل والدي. كل ما يمكنني فعله هو دعم هذا الملجأ مالياً ليعمل بشكل جيد. ولا شيء غير ذلك.
“إريك لن يذهب.”
في تلك اللحظة، دخل بيتشي محادثتنا، وقد بدا غاضباً قليلاً.
“……بيتشي، أنا اتحدث مع الأميرة.”
تفاجأت السيدة بظهور بيتشي فجأة، وأشارت إليه بصرامة، لكنه لم يعر كلامها اهتماماً.
“لقد قالوا أنهم لن يتركوا أي طفل هنا. فلماذا تقولون إنكم سترسلونه؟”
“……ها، بيتشي، هذا ليس بيدنا. إذا حدث ذلك…”
“لن يحدث ذلك أبداً!”
صرخ بيتشي بغضب، فعمّ الصمت المكان فجأة.
نظر إليه جميع الأطفال، وقف إريك خلفه، وقد ارتفعت عيناه نحو المشهد.
بالتحديد، كانوا يراقبون بيتشي وهو يصرخ بغضب.
“بيتشي….”
ناداه إريك بهدوء.
“تباً…”
كسر صوته الصمت، وارتج المكان. تراجع بيتشي قليلاً عند سماع صوت إريك، ثم تلفظ بشتيمة صغيرة.
بدت عيناه كما لو أن الدموع ستسقط في أي لحظة.
لم أستطع منع نفسي من مد يدي نحوه، لكن بيتشي خرج من المكان بالكامل.
“بيتشي! ستغرب الشمس قريباً، إلى أين تذهب؟!”
قفزت السيدة من مكانها، على وشك اللحاق به، لكنني أمسكت بذراعها لأوقفها.
“أميرة……”
“السيدة يجب أن تقدّم العشاء للأطفال هنا.”
“…….”
“سأقوم بتهدأته وإحضاره.”
“لكن……”
لم تكمل كلامها. ربما لم تستطع أن تطلب مني التعامل مع هذا النوع من المشكلات.
“لا تقلقي، سيدة سيري.”
“……أميرة.”
“أنا بارعة جداً في تهدئة الأطفال.”
غمزت بعيني نحوها لأخفف توترها.
“……إذن أرجوكِ. ربما لم يذهب بعيداً.”
ابتسمت السيدة قليلاً، كأنها شعرت بجهودي.
“حسناً، سأذهب.”
***
“إذا بقي هكذا فلن يجده أحد.”
ذهبت للبحث عن بيتشي وحدي.
عرض عليّ الفرسان المساعدة، لكن رفضت جميعهم.
ربما ليشعر بيتشي براحة أكثر.
بعد لحظات، وجدته جالساً خلف شجرة.
كان مختلفاً عن مظهره المشاغب في النهار، فقد لف جسده كالكرة.
“…كنتَ هنا إذن.”
سمعت صوت حركته، لكنه لم يغضب من قدومي، فقط لم ينظر إليّ.
“يجب أن نعود. الليل يقترب.”
“…….”
“أنت لا تُريد أن تقلق السيدة، أليس كذلك؟”
جلست بجانب بيتشي.
عندما جلستُ، استدار بيتشي الذي كان يدير رأسه فجأة ونظر إليّ على عجل.
كان يبدو مرتبكًا جدًا.
“……أنتِ ترتدين فستانًا.”
“هاه؟”
“لماذا تجلسين؟ سيتسخ ثوبكِ.”
لم يكن الظلام قد حلّ تمامًا بعد، لذلك وصلني ارتباك بيتشي بوضوح.
كان ينظر إليّ بدهشة، وكأن الأمر يتعلق بثوبه هو.
“وأنت؟ ثوبك سيتسخ أيضًا.”
“أنا….”
خفض بيتشي رأسه ونظر إلى ثيابه.
ثياب بالية قد بهت لونها تحت الشمس.
مسح بأصابعه آثار التمزق هنا وهناك، ثم استدار فجأة برأسه.
“…هذه ثياب لا بأس إن اتّسخت.”
“إذًا ثيابي أيضًا لا بأس إن اتّسخت.”
“ماذا؟”
نظر إليّ بيتشي من جديد، وهذه المرة كان وجهه أكثر ذهولًا من قبل.
“ثيابي أصلًا بالية ومتسخة! أما ثوبكِ فهو….”
راح يتفحصني وأنا جالسة، كأنه يبحث عن موضعٍ ممزق.
ثم التقت عيناه بعينيّ.
“من النظرة الأولى واضح أنه ثوب باهظ.”
وبينما كان يتفحص بعناية، توقفت نظراته عند موضعٍ ما.
سرعان ما انعكس في عينيه المكعب الأخضر المثبّت على فستاني.
“……مثل هذا الثوب يجب الحفاظ عليه. ثياب كهذه لا نرتديها نحن حتى لو عشنا عمرًا كاملًا.”
“هل كنتَ تريد ارتداء فستان؟”
“ليس هذا ما أعنيه!”
إنه فستان بثمن يكفينا للأكل والعيش سنة كاملة!
صرخ بيتشي بيأس.
قبل لحظة فقط لم أشعر أنه طفل، لكن صراخه هذا جعله يبدو فجأة في سنه الحقيقي.
“ما نعدّه ثمينًا يختلف من شخص لآخر.”
“…….”
“وهذا لا يمكن قياسه بالقيمة المادية.”
قطّب جبينه وكأنه لا يفهم ما أعنيه.
“إريك شخص ثمين بالنسبة لك، أليس كذلك؟”
“…….”
“ولهذا تريد حمايته مهما كان الثمن.”
أغلق بيتشي فمه. لم يجب، لكنني عرفت أن ذلك يعني الموافقة.
رأيتُه جديرًا بالشفقة وبالفخر في آنٍ واحد، فرفعت يدي وربتُّ على رأسه.
“……ما هذا؟”
“لأنك رائع.”
عندما ربّتُّ على خصلات شعره المنتصبة، بدا وجهه أكثر ترتيبًا.
ألا يقال إن مظهر الرجل يتغير بتسريحة شعره؟
مع ترتيب شعره الأحمر، بدا وكأن وسامته قد برزت فجأة.
“يا الهي، وسيم فعلًا. من الآن فصاعدًا سر هكذا.”
وبينما كنت أربت على رأسه بعناية، نهض بيتشي فجأة من مكانه.
هاه؟
من أسفل، بدا وجه بيتشي محمرًا، ربما بسبب لون الغروب.
وجهه وشعره وعيناه، كلها صارت باللون نفسه.
“……هذا غريب فعلًا.”
“هم؟”
“أنتِ نبيلة، أليس كذلك؟”
كان بيتشي ينظر إليّ من الأعلى.
كان أطول قليلًا من سنه، لذلك اضطررت إلى رفع رأسي وأنا جالسة.
“أليس كذلك…؟”
إذًا كان يعرف.
ظننتُ أنه لا يعلم لأنه كان يخاطبني بلهجة غير رسمية طوال الوقت.
ملتُ رأسي أنظر إليه.
“لماذا لا تغضبين مني؟”
“…ماذا؟”
“لماذا تعاملينني بلطف؟ أنا أتكلم معك بلا احترام.”
واصل بيتشي طرح الأسئلة، وكأن كل تصرفاتي غير مفهومة بالنسبة له.
وبينما كنت محتارة بما يجب أن أجيبه، انحنى بيتشي فجأة برأسه.
“…النبلاء كلهم أشرار أصلًا.”
“.….”
“يهتمون فقط بعائلاتهم، وإذا حدث خلل واحد يفكرون فورًا في التخلي عنهم.”
عضّ بيتشي على أسنانه بقوة.
حتى إن صوت احتكاكها وصل إلى مسامعي.
“جماعة قاسية… يرمون الطفل الذي يزعجهم، يركبون العربة ويختفون دون أثر.”
“…….”
“عندما أكبر، سأقضي عليهم جميعًا.”
في تلك اللحظة، استقرت البرودة في عيني بيتشي الحمراوين.
كان ذلك غضبه تجاه النبلاء الذين رآهم طوال حياته. بدا وكأنه يحمّل النبلاء الذين تركوه هنا مسؤولية كل مآسي حياته.
“لذلك، لا تحسني معاملتي.”
كان مؤلمًا أن أدرك أن لطفِي أربك هذا الطفل.
شعرت بالعجز أمام غضب لم أعرفه يومًا، وغمرني الأسى.
“…بيتشي.”
رفعت يدي نحو جسده المرتجف، وفي تلك اللحظة—
“واآآآه!”
دوّى صوت بكاء مجهول من داخل الغابة.
لم يكن صوت أطفال ملجأ لوا، بل جاء من الجهة المقابلة.
“…ليس فجرًا الآن.”
وفي تلك اللحظة، ركض بيتشي الذي كان أمامي بلا تردد نحو مصدر الصوت.
“بيتشي!”
لم يمهلني حتى فرصة لإمساكه.
التعليقات لهذا الفصل " 58"