57. ملجأ لوا (2)
“إذن…. سأجلب الطفل.”
خرجت السيدة للبحث عن الطفل، ولم يبقَ في المكان سوانا، فبدأ الأطفال المتبقّون يتهامسون.
فذِكر سكالين لـ ‘سيد السيف’ كان لا بد أن يُحدث ضجّة كبيرة في هذا الملجأ.
“الأخ! الأخ! هل أنتَ فعلًا سيد سيف؟”
“ريل! كيف تنادينه بالأخ؟ إنه السيد الشاب! لا يجوز مخاطبته هكذا.”
“أخي، هل هو سيد السيف؟ هل هو شيء عظيم؟ هل يُؤكل؟”
“لا، إنه أمر عظيم للغاية….”
“إذن! هو شخص يستطيع هزيمة الوحوش! أيها الأخ! أنت تستطيع هزيمة الوحوش، أليس كذلك؟”
“هُوه! مذهل! يهزم الوحوش!”
وبينما تتناقل أفواه الأطفال الكلام مرة تلو الأخرى، صار هو فجأة شخصًا يهزم الوحوش.
تمامًا كما في طفولتنا، عندما أصبحت خطوبتي مع سكالين أمرًا محسومًا بسبب الشائعات.
‘لهذا يجب الحذر في الكلام أمام الأطفال….’
وفي غمضة عين، صار هارين خاصتنا يهزم حتى الوحوش….
“بمَ تفكّر؟”
اقتربتُ من سكالين وسألته بصوت خافت. كان منخفضًا إلى حدّ أن أحدًا لم يسمعه.
“عمّ تتحدثين؟”
“ما قصة السيف الخشبي فجأة…. ولماذا ذكرتَ سيد السيف فجأة؟”
في تلك اللحظة، مدّ سكالين نحوي السيف الذي كان يمسكه بيده.
كان السيف الخشبي الذي كان ينظر إليه قبل قليل.
“لماذا هذا….”
“ألا يبدو متقن الصنع؟”
“ماذا؟”
تفحّصتُ السيف الخشبي الذي أخذه منه بتمعّن.
ما هذا؟ حين رأيته من بعيد بدا وكأنه صُنع بعشوائية….
لكن عند النظر إليه عن قرب، بدا نظيف الصنع حتى بعينيّ أنا التي لا تعرف كثيرًا عن السيوف.
خصوصًا نصل السيف، كان أملس إلى درجة تشعرك بنعومته.
وبما أنه مصنوع من الخشب، لم يكن حادًا لدرجة أن يجرح اليد،
لكن شكله يوحي بأنه قد يَقطع بالفعل.
“لا أرى هنا أدوات يمكنها تنعيمه بهذا القدر بسهولة.”
“….”
“لا بد أنه شذّبه مئات، بل آلاف المرات، حتى لو كان مجرد تقليد.”
مرّر سكالين نظره على السيوف الخشبية الملقاة على الأرض.
كل السيوف المتبقية كانت شفراتها مصقولة بعناية.
كان شعور جهد طفلٍ واضحًا في السيف.
“وأنا جئتُ أبحث عن مثل هذا النوع من المواهب.”
في تلك اللحظة، عادت السيدة واقتربت منا مجددًا، وهي تلهث وتلتقط أنفاسها.
يبدو أن كِبر الغابة جعل العثور على طفل واحد أمرًا متعبًا.
“سيدي الشاب، أحضرتُ الطفل الذي صنع السيف الخشبي.”
استدارت السيدة إلى الخلف، وهناك ظهر وجه مألوف.
‘بيتشي.….’
شعرٌ أحمر، وعينان حمراوان مثل سكالين. كان هو صاحب هذا السيف الخشبي.
حوّل سكالين نظره نحوي، ثم عاد لينظر إلى بيتشي.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، كأنه راضٍ.
“من أجل جعل الموهبة لي، لا بد من حدثٍ صغير.”
***
“هل سيكون الأمر بخير….”
بعد أن انتهيتُ من الطعام، جلستُ إلى الطاولة أحدّق خارج النافذة.
أمامـي كان كوب الشاي الأسود الذي أعدّته لي السيدة.
كان وقتَ شايٍ نادر، وكنت أرغب في الاستمتاع به بهدوء،
لكن بصري ظلّ يتجه إلى الخارج باستمرار.
“سأضيف لكِ مزيدًا من الماء الساخن.”
جلست السيدة أمامي بعد أن أنهت ترتيب المطبخ.
كانت شابة نسبيًا، لكن يديها كانتا خشنتين على غير ما يليق بعمرها.
“شكرًا لكِ، سيدتي.”
ابتسمتُ لها بهدوء.
ما إن ارتشفتُ الشاي حتى امتلأ فمي بطعم أخفّ من قبل.
“هل تقلقين من أن يتصرّف بيتشي بوقاحة مع السيد الشاب؟”
“ماذا؟”
نظرت السيدة إلى الخارج معي.
هناك كان سكالين وبيتشي يتحدثان، وكلٌّ منهما يمسك سيفًا خشبيًا.
“صحيح أن بيتشي قد يكون قليل التهذيب عادةً، لكنه سريع الاعتراف بالآخرين.”
“….”
“لن يتصرف بتهوّر أمام شخص يتفوّق عليه مهارةً.”
كانت تطمئنني بصوتٍ لطيف.
ومن نبرة صوتها، كان واضحًا كم تعتزّ ببيتشي.
لكن هذا خطأ، سيدتي. أنا…
في الحقيقة، ما يقلقني أكثر من بيتشي هناك، هو سكالين الواقف إلى جانبه، وهو يحدّق به بنظرة مليئة بالاهتمام….
“أفهم. يبدو أن السيدة سيري شخص مذهل فعلًا. فحتى معرفة خمسين طفلًا واحدًا واحدًا والاعتناء بهم بعناية ليس بالأمر السهل.”
في الواقع، لم يكن هذا المكان دارَ أيتام، بل مجرد ملجأ.
أي أنه لم يكن فيه أي نظام متكامل من الأساس.
لم يكن سوى بيتٍ أُقيم لأن الأطفال المتروكين كانوا بحاجة إلى مكان يمكثون فيه مؤقتًا.
في الظروف الطبيعية، لم يكن من المفترض أن يبقى الأطفال هنا طويلًا، بل أن يُحالوا جميعًا إلى دور أيتام أخرى…
لكن ربما لأن المكان في عمق الغابة، لم يهتم أحد بالأمر.
مكان مُقصى تمامًا عن المجتمع.
ولو لم تكن السيدة سيري هنا، فربما كان مصير الأطفال الموجودين قد حُسم منذ زمن.
“…لا. ليس الأمر كذلك تمامًا.”
تنهدتْ تنهيدة خفيفة وهي تنظر إلى الأطفال الذين يركضون في الخارج.
ومن تعابير وجهها، بدا واضحًا أن هناك ما يشغل بالها.
“هل هناك أمرٌ ما، سيدتي؟ إن كان بإمكاني المساعدة، فتفضّلي بالقول.”
“لا، يا آنسة. أنتِ بالفعل تقدّمين لنا مساعدة كبيرة. فلو لم تكوني هنا، لكان الأطفال قد.….”
أطبقت السيدة فمها.
لكنني كنت أفهم جيدًا ما كانت تنوي قوله.
في العمل الأصلي، حين زارت سوران هذا المكان، كان الأطفال يتضورون جوعًا ويتلهفون للحب.
كانت السيدة موجودة في الرواية أيضًا، لكنها لم تكن تجلس بهدوء تحتسي الشاي كما تفعل الآن.
كل ما كانت تفعله هو العمل نهارًا لتكسب المال، ثم العودة ليلًا بطعامٍ شحيح لتطعم الأطفال.
“أعرف ما تقصدينه. لكن تعابير وجهكِ ليست بخير.”
أمسكتُ بيدها.
بدت السيدة متفاجئة للحظة، ثم ارتسمت على شفتيها ابتسامة مريرة.
“أنتِ غريبة فعلًا، يا آنسة.”
“أنا؟”
“لم أرَ في حياتي عددًا كبيرًا من النبلاء، لكن من رأيتهم كانوا جميعًا منشغلين بملء جيوبهم.”
“….”
“لكن أن أرى نبيلة رفيعة المقام مثلكِ تُظهر هذا القدر من اللطف تجاهنا… فهذا أمر لا يسعني إلا أن أندهش له.”
ترقرقت الدموع في عينيها.
كأن مجرد مدّي يدي لها بدا لها نعمةً عظيمة.
غطّت يدي الموضوعة فوق يدها بيدها الأخرى، ثم ابتسمت لي ابتسامة مشرقة.
“أنا لستُ نبيلةً لطيفة.”
“لكن….”
“إنه مجرد طمعٍ مني.”
نظرتُ حولي.
كان الأطفال الصغار، الذين لا يعرفون من الدنيا شيئًا، يضحكون ببراءة.
لم أقدّم سوى قدرٍ بسيط من المساعدة، ومع ذلك، كان الأطفال يعيشون حياة مختلفة تمامًا عمّا صُوّر في الرواية.
“أريدهم أن يستمروا في العيش وهم يضحكون هكذا.”
ابتسمتُ للسيدة ابتسامة خجولة.
ربما بدت كابتسامة ابنة نبيلة لا تعرف شيئًا عن قسوة العالم.
لكن يبدو أن ذلك أثّر فيها.
اتسعت عيناها قليلًا، ثم أطلقت ضحكة هادئة.
“كلماتكِ تجعل قلبي أخفّ كثيرًا. إذًا، سأبوح لكِ بما يقلقني.”
“كنتُ أنتظر سماع ذلك.”
بعدها، استمعتُ إلى همومها.
قالت إن حياتهم اليومية لم تعد مشكلة بفضل دعمي، وإنها ممتنة لأنها باتت قادرة على تقديم طعامٍ مغذٍ للأطفال.
لكن الحياة لم تكن تُقاس بالطعام وحده.
“ماذا؟ عليكم إرسال الأطفال؟”
ما قالته كان أمرًا لم يخطر لي على بال.
هذا المكان، كونه مجرد ملجأ لا دار أيتام، لم يكن معترفًا به رسميًا من الإمبراطورية.
كنت أتوقع ذلك، فقد احتجتُ للبحث كثيرًا حتى أعثر عليه.…
لكن المشكلة كانت فيما بعد.
“نعم…. الحد الأقصى هو 50 طفلًا. لأن هذا المكان مجرد ملجأ.”
“لكن إن لم يكن معترفًا به رسميًا، أليس من المفترض ألا يكون هناك عدد محدد؟ إنه مكان لرعاية الأطفال المتروكين…”
هزّت السيدة رأسها ردًا على دهشتي.
كان القلق بادياً على وجهها بوضوح، وكأنها عانت طويلًا بسبب هذا الأمر.
“لا…. حتى إن لم يكن معترفًا به رسميًا، يجب تقديم بلاغ.”
“إذًا، لو تُرك طفل آخر هنا…”
“نعم، سيتوجب علينا إرسال أول طفل وصل إلى مكانٍ آخر.”
خفضت السيدة رأسها.
مهما حاولت، إن تُرك طفل جديد هنا، فلم يكن أمامها سوى إرسال أحد الأطفال الذين ربّتهم بيديها.
هي التي تُخلص للأطفال أكثر من أي أحد…
وتُجبر على جَرح طفلٍ آخر بيدها.…
أليس هذا قاسيًا للغاية؟
“إذًا لهذا السبب….”
تفسّر أخيرًا سبب خروج الأطفال إلى ذلك المكان البعيد لمنعنا.
لم يرغبوا في إرسال أي واحد من أصدقائهم الأعزّاء. لذلك حاولوا منع أي شخص يدخل الغابة، بأي طريقة.
…هذا حقًا غير عادل.
“نعم… الأطفال يدركون الوضع جيدًا. فلا أحد يعلم متى سيُترك طفل آخر هنا…”
تنهدت السيدة.
لكنها لم تكن قادرة على تجاهل طفلٍ تُرك في الغابة.
“هل… سبق أن أرسلتم طفلًا من قبل؟”
“لا، لم يحدث. لم يكن العدد كبيرًا إلى هذا الحد من قبل…. لكن في الآونة الأخيرة، كثر من يتركون أطفالهم…”
يا لهم من بشر سيئين.
من السيء هجر حتّى حيوان أليف، فكيف يتركون أبناءهم؟
“إذًا، هل الطفل الذي يجب إرساله أولًا هو….”
عند سؤالي، انتفضت السيدة قليلًا، ثم اتجه بصرها نحو مكانٍ واحد.
“ذلك الطفل. أول طفل جاء إلى ملجأنا.”
التعليقات لهذا الفصل " 57"