أمرٌ طبيعي، أليس كذلك. نزلتُ من العربة وألقيتُ نظرة حولي.
وبمجرد أن فعلت، فهمت لماذا كان من الصعب عليّ العثور على هذا المكان. فالموقع الذي لا يمكن الوصول إليه إلا بعد التوغّل عميقًا في الغابة، كان ضيّق المساحة السكنية مقارنة بمكانه.
يمكن لخمسين طفلًا أن يناموا فيه، لكن الاستلقاء نفسه غير مريح، ولتناول الطعام معًا كان لا بد من الاصطفاف حتى الخارج.
والمُطمئن الوحيد هو هذه الغابة، الواسعة أكثر من أي ساحة تدريب. فهذه المساحة، التي تُعد فناء الأطفال وملعبهم في آنٍ واحد، كانت فسيحة ومهيبة بلا حدود.
“أهلًا وسهلًا بكم، أميرة. أنا سيري، مديرة ملجأ لوا. من فضلكِ ناديني السيدة سيري.”
“تشرفتُ بلقائكِ، سيدتي. أنا سيليا، الإبنة الكبرى لعائلة بارانتيس.”
كانت السيدة سيري بانتظارنا، وكأنها كانت تترقّب وصول العربة منذ زمن.
“أميرة… أخيرًا ألتقي بكِ. لم أجد سبيلًا لأقدّم لكِ الشكر، فكنتُ أكتفي به في قلبي.”
وفجأة، تجمّعت الدموع في عينيها وهي تنظر إليّ. ابتسمت بلطف ومسحت دموعها بنفسها.
هاه…؟
“لم أتصوّر يومًا أننا سنحصل على دعم ونحن ندير هذا المكان… وبفضل إحسانكِ، استطعنا أن نعيش عامًا بعد عام.”
بدت متأثرة من أعماق قلبها، فانحنت لي مرارًا. كنتُ أتوقّع كلمات شكر، لكن لم أتخيّل أن يكون الأمر إلى هذا الحد. ارتبكتُ أمام دموعها وبدأت أواسيها.
“لا، أبدًا. أنا لم أقدّم سوى دعم بسيط. لولاكِ، لكانت حياة الأطفال أصعب بكثير.”
وعندما ربّتُّ على كتفها وتحدّثت، رفعت السيدة رأسها ونظرت إليّ.
لم تكن ملابسها فاخرة، لكن السكينة والطيبة كانتا واضحتين على ملامحها. وذلك ما جعلها تبدو امرأة راقية بحق.
“لندخل أولًا. أطفال هذا المكان سيأتون معنا أيضًا.”
التفتُّ إلى الخلف. الأطفال الذين كانوا ينتظرون انتهاء تحيتي بدأوا ينزلون من العربة واحدًا تلو الآخر.
“أنتم… أنتم هؤلاء…”
وحين نزل السبعة جميعًا من العربة والخيول، فتحت السيدة سيري فمها بدهشة. بدا وكأنها تتساءل: كيف خرج هؤلاء الأطفال من هناك أصلًا؟
“التقيناهم صدفة في الطريق. وبما أن وجهتنا واحدة، جئنا معًا.”
“……ألم يرتكب أطفالنا تصرّفًا غير لائق؟”
يبدو أنها تعرف جيدًا ما الذي قد يفعله الأطفال…
نظرت إليهم بتعبيرٍ محرج.
لكن عندما رأتها إيفلي وركضت نحوها، احتضنتها السيدة بحنان.
“لا… ليس عدم لياقة بقدر ما هو…”
تعمّدتُ التوقّف عن إكمال الجملة، فنظرت السيدة إلى إيفلي. كانت إيفلي تبتسم ببراءة.
“إيفلي، هل ذهبتِ إلى ذلك المكان اليوم أيضًا؟”
“نعم!”
“……وعرقلتِ الزوّار الذين جاؤوا إلى هنا مرة أخرى؟”
“لم أُعرقلهم، فقط منعتهم من الدخول!”
براءة الطفل لا تعرف الكذب. بدت إيفلي، التي لا تبدو حتى في سنّ طالب ابتدائي، صادقة تمامًا في إجابتها.
وفي المقابل، تصلّبت تعابير الأطفال الآخرين جميعًا.
“……آه. أعتذر بشدة، أميرة. أن يرتكبوا تصرّفًا غير لائق قبل أن نردّ الجميل… حقًا لا أجد لنفسي عذرًا. كان ينبغي أن أراقبهم جيدًا…”
وانحنت لي مرارًا. حتى عندما قلتُ إن الأمر لا يستدعي كل هذا، لم تتوقف.
“لقد حاولتُ تعليمهم قدر استطاعتي… لكن كثرة الأطفال جعلتني أغفل. سأحرص ألّا يتكرر مثل هذا الأمر أبدًا.”
كانت السيدة سيري تتولى إدارة هذا المكان وحدها. في الأصل، لم يُذكر سبب تولّيها المسؤولية بمفردها، لكنها بدت وكأنها تحمل عبئًا كبيرًا على كتفيها.
“لا، ليس بالأمر الجلل إلى هذا الحد…”
“بل هو كذلك.”
هاه؟
في تلك اللحظة، رأيتُ سكالين يقترب من الجهة الأخرى مع الأطفال، وكأنه وصل للتو.
“كانوا يسدّون الطريق أمام العربة. لو صادفهم نبيل سيّئ الطبع، لأمر بدهسهم فورًا.”
نظر سكالين بالتناوب إلى الأطفال ثم إلى السيدة. ارتبكت السيدة من ظهوره المفاجئ، فنظرت إليّ، لكنني لم أستطع سوى أن أبتسم ابتسامة متكلّفة.
آسفة… حتى أنا لا أستطيع السيطرة على هذا الشخص.
“من الآن فصاعدًا، انتبهوا جيدًا كي لا يذهب الأطفال إلى هناك.”
“نعم… فهمت. ولكن… من يكون حضرتك؟”
أمالت السيدة رأسها بتساؤل. فمن الواضح أن سكالين نبيل، لذلك تحلّت بالأدب، لكن الحيرة كانت بادية على ملامحها.
كانت تنظر إلى سكالين، ثم عادت فنظرت إليّ مرة أخرى.
نظرةٌ وكأنها تطلب مني التعريف به.
لا مفرّ… لا بد من تقديمه.
“آه، تفضّلي بالتعرّف. هذا الشخص الذي جئتُ به اليوم هو—”
لكن… لحظة.
ماذا أقول؟
من المفترض أنه حضر كـأحد ‘معارفي’. لكن معارفي هما روين وفريل، وهما امرأتان أصلًا…
يقال إن العقل يتوقّف تمامًا عندما يُفاجَأ بموقف غير متوقّع.
وحين يُطلب منك فجأة اختراع عائلة من العدم، يتجمّد الدماغ حرفيًا.
ولهذا…
“أخي الصغير، هارين بارانتيس.”
***
“…هاه.”
أنا الآن في موقف بالغ الحرج. لو كان بالإمكان، لهربت فورًا.
لماذا خطر ببالي هارين تحديدًا في تلك اللحظة؟
حين قلتُ للسيدة إنه أخي، قبلت الأمر فورًا دون أدنى شك.
حاول سكالين أن يصحّح الموقف متأخرًا، لكنها كانت قد اختفت بالفعل بحجّة تحضير الطعام.
والآن…
أنا أقف في الفناء الخلفي لملجأ لوا، أقدّم لسكالين تبريرًا لا هو اعتذار ولا هو تفسير.
“أن تجعليني فجأة هارين… حقًا أمر يبعث على السخرية.”
أطلق ضحكة جافة. بدا واضحًا أن الموقف لم يُعجبه.
طبيعي. أن تصبح أخي في لحظة… لا بد أن الأمر سخيف من وجهة نظره.
“حين حاولتُ التفكير بشخص أعرفه، لم يخطر ببالي أحد…”
قلت ذلك وأنا أتجنّب النظر إليه.
لم أستطع تحمّل مواجهة عينيه الحمراوين المتّقدتين.
“ثم إنني… لا أعرف أي رجال أصلًا.”
“……”
“فلم يكن من السهل أن أتذكّر شخصًا فجأة—”
وفي اللحظة التي كنتُ أقول فيها ذلك وأنا أشيح بنظري، استقام سكالين من مكانه فجأة.
أطلق زفيرًا خافتًا، ثم أومأ برأسه.
“…لا بأس. في النهاية، هو ليوم واحد فقط.”
هاه…؟
تقبّل الأمر أسرع مما توقّعت.
الوجه الذي كان متجهّمًا قبل لحظة، انفرج وكأن شيئًا لم يكن.
هل… اقتنع حقًا؟
“شكرًا لتفهّمك—”
“لا.”
“ماذا؟”
فجأة، اقترب مني حتى كاد وجهه يلامس وجهي.
قريب… جدًا.
ارتبكتُ وتراجعت خطوة إلى الخلف.
“ألستُ اليوم أنا هارين؟ إذًا لا ينبغي استخدام أسلوب الاحترام.”
“……”
…هل هكذا تسير الأمور؟
وبينما كنت أحدّق فيه بعينين متسعتين دون أن أنبس ببنت شفة، اقترب أكثر وهمس قرب أذني.
التعليقات لهذا الفصل " 56"