كانت بالنسبة له أختًا كبرى، وأمًّا، والشخص الذي عليه أن يحميه طوال حياته.
حتى قراره بتعلّم السيف، وسببه في السعي لأن يصبح سيّد سيف، كان لسيليا نصيبٌ كبير فيه.
كان هارين أخًا مهووسًا بأخته إلى حدّ أنه لا يمانع استبدال حياته كاملة بسيليا.
“سوران، عودي بسلام.”
“آنسة… هل أستطيع أن أؤدي الأمر على نحوٍ جيّد؟”
“لا تقلقي. أنتِ اليوم بدلًا عني، كل ما عليكِ هو أن ترافقِي سموّه وتُحسني الإرشاد.”
كان ذلك اليوم غريبًا.
سوران سيلياس، النبيلة الهاربة التي أحضرتها سيليا، انطلقت وحدها على متن عربة الدوق.
قيل إن سيليا طلبت منها أمرًا ما، لكن هارين لم يهتم بتفاصيله.
فالتّي غادرت كانت سوران.
وما دامت المغادرة من نصيب سوران، فلم يكن هناك ما يستدعي قلقه.
ثبت هارين نظره بهدوء على سيليا وهي تلوّح بيدها مودّعة سوران.
ومنذ لحظة وداعها لها، لم يكن تعبير سيليا جيّدًا.
كان التغيّر طفيفًا إلى درجة أن المحيطين بها، حتى آنا، لم يلحظوه.
لكن هارين كان خبيرًا في قراءة تقلبات مشاعر أخته.
“فروين.”
“نعم، سيدي الشاب.”
التفت فروين، الذي كان واقفًا بصمت إلى جانبه، نحو هارين.
لم يكن هارين مهذّبًا بقدر سيليا.
“هل تعلم إلى أين ذهبت الآنسة سيلياس اليوم؟”
“لا أدري… كل ما أعلمه أنها اتجهت نحو الساحة.”
أجاب فروين، وهو يشعر بالاستغراب. فالهارين لم يكن من النوع الذي يطرح أسئلة جانبية كهذه.
لو كانت سيليا هي التي غادرت لكان مفهومًا، لكن التي رحلت قبل قليل كانت سوران، فالأمر كان أغرب.
“هل أذهب لأسأل الآنسة سيليا؟”
“لا، لا داعي.”
تأمّل هارين أخته بنظرة ثابتة.
كان ظهر سيليا يوحي بفتورٍ ما، ومن ملامح وجهها التي تظهر أحيانًا، كان الحزن واضحًا.
“……هل وصلتها مؤخرًا رسائل من بيت الكونت تريتا؟”
كان هارين قد علم قبل مدة أن رون تريتا تصرف بوقاحة مع سيليا في حفل البلوغ.
وقد حدث ذلك في التوقيت الأسوأ، حين كان هارين يوجّه تحذيرًا مبطنًا، بكلمات هادئة وبطيئة، إلى بيت كونت تريتا، والد رون.
وفي تلك الأثناء، لم يصبر الابن، وبدأ يضايق سيليا.
احتمال أن يكون هذان الصرصوران قد عاودا إزعاج سيليا مؤخرًا كان مرتفعًا.
“……يبدو أنه لا ينبغي ترك الأمر كما هو.”
هل يتسلل سرًا ويقطع يد أحدهما مثلًا؟
خطّة مخيفة خطرت على بال هارين.
“لا…… لم يصل أي تواصل من بيت كونت تريتا مؤخرًا. لذا، أرجوك يا سيدي، أرخِ ملامحك…….”
نظر فروين إلى هارين الواقف بجانبه.
ومن ملامح القتل الظاهرة على وجهه، بدا وكأنه قد تخلّص منهم في رأسه بالفعل.
‘لهذا كانت الآنسة تعارض تعلّمه السيف……’
فكّر فروين.
فلو لم تكن سيليا موجودة، لربما أصبح هارين فعلًا شريرًا أو طاغية.
سيليا هي من تكبح هذا الاندفاع الآن، لكنها في الوقت نفسه كانت وقوده؛ فمن أجل سيليا، كان هارين مستعدًا للاندفاع في أي لحظة.
“ليسوا هم أيضًا…… إذًا ما السبب بحقّ.”
كانت سيليا لا تزال تنظر إلى الجهة التي غادرت منها سوران.
رغم أن العربة كانت قد ابتعدت منذ وقت، ظلت تحدّق هناك بشرود.
‘لا تقل لي.….’
في تلك اللحظة، ارتسم في ذهن هارين وجه رجل مألوف.
بحسب ما يعرفه، باستثناء رون، لم يكن هناك سوى شخص واحد يتجرأ على التقرّب من أخته علنًا.
“……لا يكون الأمر متعلقًا بذلك الوغد، أليس كذلك.”
تخيّل رجلًا ذا شعرٍ فضّي مألوف.
كان ذلك الشخص، بالنسبة لهارين، هدفًا عالي الخطورة.
شخصًا لا ينبغي أن يكون مع سيليا أبدًا، ويتمنى ألا تتقاطع طرقهما مدى الحياة.
‘بسببه، ستفقد أختي حياتها.’
انغرست العينان الحمراوان في ذهن هارين.
أغمض عينيه ببطء ثم فتحهما.
ارتجفت يده للحظة، لكنه لم يُظهر ذلك. قرّر أن يفكّر بعقلانية.
سيليا لم تذهب مؤخرًا لمقابلة سكالين.
وكان آخر لقاء بينهما قبل مدة ليست بالقريبة، وكان آخرها المواجهة الثلاثية معه.
“……إذًا، ما الذي يكون؟”
استدار هارين فجأة.
وسرعان ما بدأ يسير بخطواتٍ واثقة نحو شخصٍ ما.
“سيدي الشاب، إلى أين تذهب؟ ساحة التدريب ليست من ذلك الاتجاه.”
سأل فروين وهو يرى هارين يتجه نحو غرفة الشاي. لكن هارين تجاهل صوته تمامًا.
“حسنًا، فلنشرب الشاي بعد طول انقطاع.”
ألقى هارين نظرة خاطفة على أخته. كانت لا تزال في مزاج سيء.
‘يبدو أنه من الأفضل التغيّب عن التدريب اليوم.’
كان هارين أخًا أصغر، قليل التعبير عن مشاعره بطبعه.
***
في اليوم التالي، ذهبتُ لزيارة والدي. كان يعمل في مكتبه منذ الصباح الباكر.
“أبي، لديّ ما أودّ قوله.”
في الليلة الماضية، كنتُ أكثر عقلانية مما توقعت. لأن ما حدث كان نتيجة أفعالي، فقد استطعت تحمّله بما يكفي.
كما أن هجوم سكالين بسيل هداياه كان صادمًا بحق، لكنه ساعدني على الاستيقاظ سريعًا إلى الواقع.
‘لقد فعلتُ كل ما أستطيع. وبما أن الهدايا تُتبادَل بهذا الشكل، فالباقي سيُترَك لهما.’
في الأصل، كنتُ أنوي مساعدتهما حتى تتقدّم علاقتهما إلى حدٍّ ما.
لكن ربما لأن وقتًا لا بأس به قد مرّ منذ بداية الرواية، فإن سرعة اقتراب سكالين من سوران كانت أسرع مما توقعت. فالهدايا الكثيرة التي وصلت أمس كانت جميعها من نصيب سوران. وهذا وحده كان كافيًا ليُثبت الأمر.
إذًا، المشكلة القادمة لم تعد سوى واحدة.
‘يكفي ألا أعود أنا وحدي للتأثّـر أمام سكالين.’
فما إن يرتبط سكالين بـ سوران، ستتجه هي بطبيعة الحال إلى القصر الإمبراطوري.
وتحت حمايته ستعيش حياة سعيدة مدى العمر. وربما، إن سار الأمر بسرعة، ستصل إلى قصرنا دعوة زفاف في العام القادم.
من ناحية، كنتُ أودّ أن أعضّ على أسناني وأنتظر حتى تصلني دعوة زفافهما… لكن…
‘سنلتقي كثيرًا من الآن فصاعدًا.’
تحت مسمّى “الرعاية”، كنتُ أنا وسكالين مرتبطين. حتى إن لم أرد رؤيته، كان عليّ الذهاب إن هو استدعاني. وهذا يعني أن الحل واحد لا غير.
“أرجو أن تبحثوا لي عن زواج مناسب.”
إن سبقتُهما بإرسال دعوة زفافي، فسينتهي كل شيء.
***
“ما الذي أصابه فجأة؟ ألم يكن في مزاج جيد منذ بضعة أيام؟”
“وكأننا نعلم… نحن فقط من نهلك هنا منذ أيام. أريد حقًا التوقف…”
ساحة التدريب الواقعة خلف قصر وليّ العهد. خلال الأيام القليلة الماضية، لم يتوقف صدى أنين الرجال ليلًا ونهارًا في هذا المكان.
“التالي.”
طَخ— وسط الفرسان الذين كانوا يسقطون واحدًا تلو الآخر، مسح سكالين العرق عن جبينه. لم يفهم كيف أن تحريك جسده لأيام لم يُحسّن حالته قيد أنملة.
‘…هَـاه.’
كان شعور السقوط إلى القاع. تمامًا كذلك.
“سـ، سأبدأ!”
بعد أيام من مواجهة الفرسان واحدًا تلو الآخر، وصل الدور أخيرًا إلى المجنّدين الجدد.
كان شابًا ذا شعر أشقر وعيون زرقاء، تمامًا مثل سيليا.
“……”
قرّر الفارس أن يمنح معنىً لكون أول معركة حقيقية له ستكون ضد وليّ العهد، سكالين.
استحضر في ذهنه زملاءه الذين سقطوا قبله، وأغمض عينيه بقوة ثم اندفع.
“آاااه!”
طَـنغ—
في تلك اللحظة. سقط سيف سكالين، الذي كان يمسكه بإحكام منذ ساعات، مغروسًا في الأرض.
“…أه؟”
فتح الفارس عينيه ببطء عند سماعه الصوت الصافي. أمامه كان سكالين، وقد أفلت سيفه دون أن يقوم هو بأي حركة.
“…سموّك؟”
شدّ المجنّد قبضته على سيفه بارتباك. وخطر له، بفكرة ساذجة، أن حتى سكالين البارع في القتال قد يُفلت سيفه أحيانًا.
لكن الوحيد الذي فكّر بذلك في هذا المكان كان ذلك الفارس الأشقر. أما البقية، فكانوا مشغولين بمراقبة مزاج سكالين.
“إ، إلى هنا! أحسنتم جميعًا!”
أنهى أديل، الفارس المرافق لـ سكالين، التدريب على عجل. نزع السيف المغروس في الأرض وأخذه معه. وبدأ الفرسان الآخرون، وهم يراقبون الوضع بحذر، بالانسحاب واحدًا تلو الآخر.
وبعد قليل، لم يبقَ في المكان سوى سكالين وأديل والكسند.
“الكسند.”
“……نعم، سموّ الأمير.”
“ألم يرد أي تواصل من عائلة بارانتيس؟”
لم يكن في سؤال سكالين أي أثر للتوقع.
“……لا، لم يرد شيء.”
“هكذا إذن.”
أطلق سكالين ضحكة قصيرة خالية من الروح. كان الليل قد فقد نوره منذ وقت طويل.
حتى الأضواء المشتعلة قرب ساحة التدريب بدأت تومض ثم تخبو. وكان ذلك المشهد يشبهه تمامًا.
في اليوم الذي التقى فيه سوران، أمر سكالين، الكسند، بشراء كل ما في الساحة. لم يتجوّل معها في المكان. لكنه، مع ذلك، لم يُرد أن يُخيب أمل سيليا.
‘اذهبي إلى سيليا وقولي لها إنني تجوّلت معكِ. وكل ما اشتريته اليوم، يمكنكِ الاحتفاظ به لنفسك.’
بعد ذلك الكلام، غادر سكالين الساحة تاركًا سوران خلفه. وكان يعتقد أنه إن وصلته رسالة واحدة من سيليا، تحمل شكرًا أو حتى اعتذارًا، فسيكون ذلك كافيًا.
‘كم يومًا عليّ أن أنتظر حتى يصلني خبر؟’
رفع سكالين نظره فجأة إلى سماء الليل التي فقدت بريقها. في الحقيقة، لم يكن التواصل من جانبه أمرًا صعبًا.
ولو استطاع، لأرسل إليها فورًا. لكنه خشي أن تشعر بالضغط، فاختار الانتظار.
فالانتظار… كان اختصاصه.
وفي تلك اللحظة، ركض خادم من بعيد نحوهم، وكان يبدو مضطربًا على غير عادته.
“سموّ الأمير، قيل إن الأميرة سيليا من دوقية بارانتيس تبحث عن زوج……”
التعليقات لهذا الفصل " 53"