51. إذن سأعدّه مرضًا
عندما عدتُ إلى المنزل، كانت قد وصلت رسالة ردّ من سكالين.
ولحسن الحظ، كان الجواب إيجابيًا.
“هذا الجانب جاهز….”
التالي هو سوران إذًا.
قال سكالين إن لديه وقتًا بعد ثلاثة أيام. أي إن عليّ إقناع سوران خلال ثلاثة أيام وجعلها تخرج إلى ذلك المكان.
هاه… ما هذا الذي افعله بين الأبطال أصلًا؟
“آنسة، يقولون إنهم لم يعثروا على القلادة.”
جاءني فارسٌ بينما كنت أقرأ الرسالة. كان فارسًا من بيت الدوق، وقد رافقني إلى حفل الخطوبة.
“……ألم تروها في طريق العودة أيضًا؟”
“نعم. خشيةً من ذلك، حرّكنا الرجال وفتّشنا ذهابًا وإيابًا مرتين أو ثلاثًا، لكننا لم نجدها.”
اعتذر لي قائلًا إنه يشعر بالذنب.
أضعتها باستهتار، وأتعبت الآخرين بلا سبب….
“لا داعي للاعتذار. إن لم نجدها فلا حيلة…… اذهب واسترح.”
حيّاني ثم غادر المكان.
“إن لم تكن في العربة ولا في الطريق… هل سقطت في قصر الكونت؟”
مهما فكّرت، لم يبقَ سوى ذلك المكان. لم أرد أن أظن أنني أضعتها هناك، لكن…
كان المكان مكتظًا بالناس.
وإذا حسبنا الخدم الموجودين في قصر الكونت، فسيزيد العدد على المئة بلا شك.
من النادر أن يلتقط أحد تلك القلادة ثم لا يحتفظ بها لنفسه بل يبحث عن صاحبها.
تنهدتُ بعمق.
لم أكن أنوي أصلًا ارتداء تلك القلادة، لكن إن سألني سكالين يومًا أين هي، فلن يكون لدي ما أقول.
ومن المستحيل أن أصنع واحدة مطابقة لها في الحاد….
‘فهي في الأصل قلادة نادرة الوجود حتى داخل الإمبراطورية.’
حجم الأحجار، لونها، بريقها—كل شيء فيها كان بالغ الروعة.
حتى بالنسبة لي، كان اقتناء جوهرة بتلك القيمة ضربًا من الترف الكبير.
طَقّ طَقّ—
“آنسة، هل استدعيتِني؟”
بينما كنت غارقة في الكآبة أفكر في القلادة، وصلني صوت سوران.
“نعم، تفضّلي بالدخول.”
دخلت غرفتي بطبيعية. كان ذلك دليلًا على أننا أصبحنا قريبَتين إلى هذا الحد خلال الأيام القليلة الماضية.
“هل تحسّنت ساقكِ الآن؟”
عند سؤالي، أومأت سوران برأسها بقوة. وتقدّمت نحوي ببطء، كأنها تريد أن تُريني بنفسها.
“بفضل الطبيب الذي كان يفحصني يوميًا، شُفيت بسرعة. الآن لا أشعر بأي إزعاج.”
“هذا مطمئن.”
حين رأيت ابتسامتها، تحسّن مزاجي تلقائيًا.
على الرغم من أنني أراها كل يوم، إلا أن سوران كانت جميلة في كل مرة أراها فيها.
شعرها الوردي منحها مسحةً من اللطف، وعيناها الصفراوان كانتا تبعثان إحساسًا بالحيوية.
‘لا بد أن سكالين سيقع في حبها من النظرة الأولى.’
فأي شخص يراها لا بد أن يفكر بهذا الشكل.
“آنستي؟”
آه.
ما إن فكّرت بسكالين حتى شرد ذهني دون وعي. سارعت إلى محو صورته من رأسي.
هل ما زال تأثير ما حدث في ذلك اليوم باقيًا.…؟
لا، مستحيل. تماسكي يا سيليا.
“في الحقيقة، طلبتُ منكِ المجيء لأن لديّ أمرًا أود أن أطلبه منكِ.”
دخلتُ في صلب الموضوع بسرعة.
عند رؤيتها وجهي الجادّ، اتخذت سوران بدورها تعبيرًا جادًا، وكأنها تقول لي: تفضّلي بالكلام.
“ما هو الطلب؟ إن كان طلبكِ يا آنسة، فسأفعل أي شيء!”
قبضت سوران يديها بحماسة، وابتسمت باشراق، وكأنها تقول إن الفرصة حانت أخيرًا لردّ الجميل.
تأملت ابتسامتها لحظة، ثم فتحت فمي قائلة.
“…بعد ثلاثة أيام من الآن، أريدكِ أن تخرجي إلى مكانٍ ما بدلًا عني.”
***
“من الرائع حقًا أن أكون معكِ يا أختي بعد كل هذا الوقت.”
مرّت الأيام الثلاثة بسرعة.
هذا الصباح، صعدت سوران إلى العربة لتنفّذ طلبي.
أما أنا، وبعد أن ودّعتها، فكنت أحتسي الشاي مع هارين.
‘أخيرًا… اليوم الذي يلتقي فيه الأبطال لأول مرة…….’
مع أنني أنا من صنعت هذا اليوم، إلا أن الإحساس به كان جديدًا على نحو غريب.
“وأنتِ أيضًا، أليس كذلك يا أختي؟”
“هاه؟”
“منذ أن بدأت الآنسة من بيت سيلياس تعيش معنا، لم نتمكّن من قضاء لحظات كهذه لوحدنا معًا.”
اعتذر هارين غضبه عليّ من قبل. لم أكن قد أوليت الأمر أهمية كبيرة، لكنه على ما يبدو ظل عالقًا في ذهنه.
مهما قيل إنه تغيّر، يبقى هارين هو هارين.
الأخ الذي لا حدّ لحنانه تجاه أخته.
“.…صحيح.”
أومأت برأسي وأنا أرتشف الشاي الأسود أمامي. على أي حال، بعد أيام قليلة ستكثر مثل هذه الأيام، لكنه لا يعلم ذلك.
وكنت أفهم حماسه إلى حدّ ما.
“لكن يا هارين.”
“نعم، أختي.”
“لماذا… لم تذهب إلى ساحة التدريب؟”
في مثل هذا الوقت بالذات!
هارين الذي كان يركض إلى ساحة التدريب كل صباح، ظلّ اليوم بجانبي طوال الوقت.
حتى لو كانت هذه اللحظات نادرة بسبب سوران…… إلا أن الأمر طال أكثر من ساعة.
هو الذي لم يكن يضيّع وقت تدريبه مهما حصل، بدا اليوم غريبًا.
“اليوم لن أذهب إلى ساحة التدريب.”
“ماذا؟ لماذا؟”
صرخت بدهشة من تصريحه المفاجئ.
هو الذي لم يفوّت تدريبًا لا في مطر ولا في ثلج، يقول الآن إنه لن يذهب؟
ما الذي يحدث؟ هل آذاه السير فراتشيل مثلًا؟
…لا، لا يبدو أن أحدًا قادر على مضايقة طفلنا هذا.
هل سئم من التدريب فجأة؟
…وهو الذي خرج للتمرين فجر اليوم؟
مهما فكّرت، لم أجد سببًا. وبينما كنت غارقة في هذه الأفكار، التقت عيناي بعيني هارين.
لم يقل شيئًا، واكتفى بالنظر إليّ بهدوء. بل بدا وكأنه هو من لديه ما يقوله لي.
“….ماذا؟ هل لديك شيء تريد قوله لي؟”
“هل هناك شيء يحدث؟”
سألني بدلًا من الإجابة.
عند سؤاله غير المتوقع، هززت رأسي فورًا.
“هاه؟ لا؟ لا شيء.”
“كذب.”
كانت عيناه الزرقاوان تحدّقان بي كأنهما تخترقانني. نظر إليّ بإصرار، كأنه يريد أن يرى ما بداخلي.
“أنتِ حزينة الآن.”
“لستُ كذلك……؟”
“بلى. ليس كأنني أراكِ لأول مرة.”
“…….”
لا يرى سوى السيف وأخته على أيّ حال.
قالها بنبرة جافة وهو يقضم قطعة بسكويت أمامه.
تكسّرت البسكويت في فمه بصوت خافت.
وفي اللحظة التي رأيت فيها تلك الفتات، شعرت وكأن شيئًا ما في داخلي تحطّم هو الآخر.
‘ما هذا…؟ لماذا أشعر هكذا……؟’
لم أعرف السبب.
فقط إحساس بأن قلبي يهوي فجأة.
وكأن شيئًا كنت أتشبّث به بالكاد بدأ يتفتّت، شيئًا فشيئًا.
وشعرت أن عليّ ألا أدع هارين يلاحظ هذا أبدًا.
“…ها.”
…لم أكن أعلم حقًا.
انفلتت ضحكة جوفاء مني دون قصد.
كلمة واحدة من هارين، وكانت كافية لأن أحطّم بهذا الشكل.
كنت هشّة إلى هذا الحد، ومع ذلك لم أكن أدرك الأمر إطلاقًا.
أنا… لست بخير كما كنت أظن.
لا أعلم منذ متى بدأ هذا.
منذ اللحظة التي أرسلتُ فيها سوران في العربة؟
أم منذ الليلة الماضية حين أعرتها فستاني؟
أم ربما منذ اليوم الذي دعوتها فيه إلى غرفتي بحجة أن لديّ طلبًا؟
الشيء المؤكّد هو أن داخلي كان يتشقّق ببطء… ببطء شديد.
والآن، في هذه اللحظة، انهار تمامًا.
“…أختي؟”
شعرت بشيء دافئ ينساب على خدي.
ارتبكت بشدة، لكنني كنت أعرف ما هو.
“أختي، ما بكِ؟ هل حدث شيء؟ هل وقع أمر ما في حفل الخطوبة هذه المرة؟”
أسرع هارين نحوي.
بدا عليه الذهول، فمنذ أن عرفني لم أبكِ قط، وها أنا أذرف الدموع فجأة.
‘هل جُننتُ؟ هل فقدتُ عقلي فعلًا.…؟’
انهمرت الدموع الساخنة من عينيّ بلا توقف، كصنبور ماء معطّل.
لحسن الحظ، لم يكن هناك أحد سوانا، أنا وهارين. كان ذلك بفضل مراعاته لي، إذ يعرف أنني أحب الهدوء.
“هل أنتِ مريضة؟ في الآونة الأخيرة كنتِ تتنقّلين كثيرًا.”
وضع هارين يده على جبيني.
ربما بسبب البكاء، أو من الخجل، كان وجهي ساخنًا. فعبس قليلًا.
“لا تمارسين الرياضة وتتنقّلين هكذا، طبيعي أن تصابي بالزكام.”
سمّى هارين سبب حالتي زكامًا.
حملني برفق على ظهره، وسارع بخطاه نحو غرفتي.
“.…هارين، أنا بخير.”
مهما كرّرت أنني بخير، لم يتجاوب قيد أنملة.
وبينما كان يحملني ويمرّ في أرجاء القصر، راحت عيون الخدم تتجه إلينا.
.…هذا وحده كافٍ ليجعلني أرغب بالبكاء أكثر.
وصل هارين بسرعة إلى باب غرفتي، لكنه توقّف فجأة.
هو الذي لم يكن يصغي لي مهما توسّلت، تردّد هذه المرة وهو يمسك بالمقبض.
“هارين.…؟”
“.…إن لم تكوني مريضة، فهل ستخبرينني بالسبب؟”
“.….”
أطبقت شفتيّ بإحكام.
لن يخطر ببال هارين سبب بكائي أبدًا. فهو لا يعلم أصلًا إلى أين ذهبت سوران اليوم.
ساد صمت قصير لبضع ثوانٍ.
وحين لم يسمع مني شيئًا، فتح باب غرفتي على مصراعيه.
“إذن سأعدّه مرضًا، أختي.”
.….
أظنني بدأت أفهم لماذا لا يملك هارين حبيبة حتى الآن.
التعليقات لهذا الفصل " 51"