48. خطوبة روين (1)
“آنسة… ما رأيك في هذا الفستان؟”
“…يبدو مبالغًا فيه، أليس كذلك؟”
نظرتُ إلى الفستان الأحمر الذي حملته آنّا، ثم هززت رأسي.
وكان ذلك إشارة واضحة إلى أن تجلب فستانًا آخر.
“آنسة… هلّا أخبرتِني أي نوع تريدون بالضبط؟ هذا هو الفستان العشرون…”
انهارت آنّا على المقعد بملامح منكسرة.
أه… هل وصلنا إلى هذا الحد فعلًا؟
“همم… أريده بلا أيّ زخرفة، ليس أبيض، ولا يَلفت النظر. فستان هادئ، غير صارخ… شيء من هذا القبيل.”
أعدتُ انتقاء الكلمات واحدة تلو الأخرى.
وخلاصة الأمر: كنت أريد اليوم فستانًا يكاد لا يلحظه أحد.
فاليوم هو يوم خطوبة روين.
كنت أظن أن الموعد ما يزال بعيدًا، لكن توالي الأحداث جعل اليوم يصل أسرع مما توقعت.
‘صحيح أن حفلات الخطوبة هنا تشبه الولائم، والفستان الفخم ليس غريبًا فيها… لكن—’
في وجداني القديم لا تزال قاعدة ثابتة: في مثل هذه المناسبات، الأفضل الابتعاد عن البهرجة.
“آنسة…”
“نعم؟”
رفعت رأسي نحو آنّا التي كانت تتابع حديثي بصمت، فإذا بملامحها تتجاوز الانزعاج إلى الدهشة الصريحة.
“لا يوجد بين فساتينكِ فستان واحد هادئ لهذه الدرجة!”
أه… حقًا؟
كانت عيناها تلمعان بالدموع، لشدّة ما مرّت به منذ الفجر وهي تعرض فستانًا تلو الآخر.
لم يكن غريبًا أن تنهك بهذا الشكل.
لم يرق لي الأمر، لكن… هل أرتدي واحدًا من الفساتين الموجودة وحسب…؟
بما أن اليوم هو يوم الخطوبة، فالذهاب الآن إلى الصالون لتفصيل فستان جديد كان مستحيلًا.
لو كنت فكرت مسبقًا، لطلبت واحدًا قبل فترة، لكن فات الأوان.
بعد تردد طويل، أمسكتُ بالفستان الأكثر بساطة من بين ما أحضرته آنّا—فستان سماويّ باهت.
وفي تلك اللحظة، فتحت سوران، التي كانت تراقب بصمت، شفتيها.
“إن راق لكِ يا آنسة… فهل ترغبين في إرتداء فستاني؟”
***
“سوران، أشكركِ كثيرًا. سأعيده نظيفًا كما هو.”
وقفت أمامها قرب العربة التي ستقلّني إلى خطوبة روين.
كان الفستان الذي أعارتني إياه بلون بيج فاتح، بلا زخارف، بسيطًا وخفيفًا.
بدا متواضعًا قليلًا، لكنه أفضل بكثير من الفساتين المبالغ فيها بخزانتي.
“لا شكر على واجب. يسعدني أن يكون فستاني البسيط نافعًا لكِ.”
وللأسف، لن تحضر سوران الحفل.
دعوتها لمرافقتي لكنها رفضت؛ ساقها ما زالت لم تتعافَ تمامًا، كما أنها لم تتلقَّ بطاقة دعوة.
مؤسف، لكن رغبتها أهم. لا حاجة لإحراجها.
“سأعود قريبًا.”
ودّعتها وهممت بالصعود إلى العربة. عندها ناداني صوت عالٍ من خلفي.
“آنسة!”
“آنّا؟”
كانت صاحبة الصوت آنّا بالطبع.
وما إن رأتني مرتدية فستان سوران حتى هتفت: لحظة واحدة!
ثم اختفت بسرعة.
“ما الأمر؟ تركضين وكأن الدنيا تنهار.”
كانت تلهث بشدة من فرط الإسراع.
“هذا… هذا يجب أن ترتديه!”
مدّت آنّا يديها نحوي بشيء يتلألأ بضوء أزرق عميق.
“هذا…”
كان عقد الياقوت الأزرق الذي سلّمه لي سكالين سابقًا.
ذلك العقد الذي اعدتُه معي من القصر، ووضعته في أعماق غرفتي منذ ذلك اليوم… لم يظهر إلا الآن.
“نعم يا آنسة! ما رأيك أن ترتديه اليوم!”
“آنّا، هذا العقد فخم جدًا. ولو ارتديته… لانتفى سبب اختيار هذا الفستان أصلًا…”
“لا! هذا عقد، لا يشبه الفستان! الأمر مختلف تمامًا!”
أمسكت يدي بقوة، وكأن تصرّفها يرجوني أن أوافق.
كانت آنّا على ما يبدو قلقة من أن أظهر في خطوبة روين مرتدية فستانًا شديد البساطة.
“همم…”
كان العقد الذي قدّمه لي سكالين يلمع بوضوح، لكنه لم يكن مبالغًا فيه.
كان ملائمًا جدًا للفستان الذي أرتديه الآن.
‘كنت أنوي عدم إرتدائه قط…’
وبرغم صمت السيّد فروين الذي وقف خلف آنّا، فإن نظرته كانت تخبرني بأنه أيضًا يأمل أن أرتديه.
فبالنسبة إليهم، أنا الواجهة التي تُمثّل آل بارانتيس، وكان من الطبيعي أن يهتموا بمظهري.
“شكرًا يا آنّا. أظن أنه سينسجم مع هذا الفستان بالفعل.”
وبعد لحظة تردد، أخذت العقد من يدها.
ابتسمتْ ابتسامة مشرقة، ثم سارعت لتعليقه حول عنقي.
“آنستي! يليق بكِ حقًا.”
“حقًا؟”
“نعم! بفضله صار فستاني يبدو أرقى!”
صفّقت سوران بخفّة. كانت ردة فعلها الصادقة باعثة للسرور في نفسي.
“شكرًا لكما. سأعود بعد الحفل.”
حيّيت الجميع بابتسامة، ثم اتجهت نحو عربة كانت تنتظرني للمغادرة إلى منزل كونت سيرنيس حيث ستقام خطوبة روين.
***
‘أكبر مما ظننت…’
كان قصر آل سورينس أوسع بكثير مما توقعت.
يقال إن العائلة حققت ثروتها في التجارة، ويبدو أن حجم هذا المكان شهادة واضحة على ذلك.
“آنستي!”
لوّحت فريل نحوي من بعيد.
الغريب أن الحفل لا يُقام في القاعة الكبرى، بل في الحديقة الواسعة.
وكانت مكتظة بالناس إلى درجة يصعب فيها التحرك.
“سآتي حالًا!”
لوّحت لها بدوري وأسرعت الخطى.
مر وقت طويل منذ لقائنا السابق، ولم أستطع إخفاء شوقي لها.
وربما بسبب هذه العجلة… اصطدمت مباشرة بشخص كان يتقدم في الاتجاه المقابل.
“آه، المعذرة. أسرفت في السرعة.”
اصطدم وجهي بصدر رجل، ففركت أنفي الساخن واعتذرت.
لكن لم يصلني منه أي رد.
‘ما الأمر…؟’
رفعت رأسي متسائلة، فقد بدا غريبًا ألا يحرك ساكنًا أو يتنحّى.
رأيت أمامي رجلاً لم ألتقِ به قط في أي مجلس اجتماعي.
كان يحدق فيّ بصمت، بنظرة غامضة.
‘وسيم… حقًا وسيم…’
لم أكن أعلم أن ثمة رجالًا بمثل هذا المظهر هنا أيضًا… إلى جانب سكالين وهارين.
لو لم أكن أعرفهما، لربما سُلب عقلي بلحظة واحدة أمام ملامحه.
شعر ذهبيّ، عينان بلون الذهب نفسه.
مظهره الغريب المتقن يجعله أشبه بأمير خرج من كتاب حكايات.
“يبدو أنني اصطدمت بك حين أسرعت. المعذرة.”
“ها….”
أعدت الاعتذار بصوت ثابت، ربما لم يسمعني في المرة الأولى.
لكنّه بدلاً من الإجابة، أطلق زفرة طويلة متعمدة.
‘ما به هذا…؟’
لم أتعرض قط لمثل هذا التجاهل.
منذ ظهوري في هذا العالم، لم يتجرأ أحد على معاملتي بهذا الشكل الصارخ.
“كان يجب ألا آتي.”
“..…؟”
نفض ثوبه أمامي كما لو أن شيئًا قذرًا علق به.
“أليس هذا تجاوزًا؟”
“تجاوز؟”
رفع رأسه ينظر إليّ، ونزلت عيناه الذهبيتان عليّ بنظرة احتقار واضحة.
“المتجاوز هنا طرفكم.”
“عفوًا؟”
“على ما يبدو… أنتِ من صديقات صاحبة الخطوبة.”
كان في نبرته ازدراء موجّه إلى روين ذاتها. مهما كان، بدا هذا الرجل فظًا بصورة غير معقولة.
“حتى لو كنتِ متحمسة، فهل يُعقل ألا تلتفتي لمن حولك؟”
مسحني بنظره من رأسي حتى أخمص قدميّ. وعندما توقفت عيناه على الفستان، ارتسمت على شفتيه سخرية بغيضة.
“من تظنين نفسكِ لأن لا تهتمي بمحيطكِ.”
“..…”
“يا لوقاحتكِ.”
…هذا الوغد؟
وقفت مذهولة من صراحته المهينة. ثم استدار مبتعدًا، وكأنه يرفض إضاعة مزيد من الوقت معي.
“ومن ذا الذي يجرؤ على وصف من؟ بالوقاحة؟”
أطلقت ضحكة ساخرة عامدة، وبصوت يكفي ليصل إليه. كنت أعرف وجوه معظم النبلاء البارزين، وهذا الرجل لم يكن من بينهم.
لا شك أنه من طبقة لا تُذكر.
“ماذا؟”
استدار فورًا، والغضب يشتعل في عينيه.
“إن كنتُ أفتقر إلى الحكم على المواقف، فربما يجدر بك أنت أن تتعلم كيف تنظر إلى الناس.”
منحته ابتسامة رقيقة، ثم مررت بجواره متجهة نحو فريل بخطوات ثابتة.
لم يحاول اللحاق بي أو إيقافي، واكتفى بإطلاق ضحكات قصيرة ممتلئة بالاستفزاز.
‘لتعلم أنك محظوظ حقًا اليوم.’
كنت أود قول المزيد، لكن هذا يوم يجب أن يكون سعيدًا لروين، ولم أرغب في إفساده.
“أيعقل أنه أعمى؟ كيف يتجاهل هذا العقد…”
مددت يدي أتحسس الياقوت حول عنقي، لكن— شعور غريب بارد تسلل إلى صدري.
“…هاه؟”
العقد الذي ينبغي أن يحيط بعنقي… لم يكن موجودًا.
التعليقات لهذا الفصل " 48"