كانت آنّا قد عادت بعدما ودّعت سيليا التي توجّهت إلى القصر الإمبراطوري، وما إن سمعت صوتًا يناديها حتى استدارت فورًا.
“يا… يا سيّدي؟”
كان هارين يقف هناك.
وفي مثل هذا الوقت، كان يفترض أن يكون في ساحة التدريب لا في القصر، لذلك لم تستطع آنّا إخفاء ارتباكها.
“ألم تذهب إلى ساحة التدريب اليوم…؟”
“قبل ذلك، لديّ شأن مع أختي.”
ألقى هارين نظرة سريعة حوله. كان قد مرّ بغرفة سيليا، ثم المطعم، ثم الحديقة. والآن وقد وصل إلى البهو، لم يكن هناك أثر لها في أي مكان.
“أين أختي؟”
منذ بضعة أيام، بعد أن انفجر غاضبًا في وجه سيليا، ظلّ القلق يلازمه. صحيح أنها عاملته كعادتها، لكنّه لم يغضب منها يومًا إلى هذا الحد، ولم يفكر إلا في الاعتذار.
“هـ… هـ… الآنسة… ممم… لست متأكدة؟ ربما تكون في… المكتبة؟ أو ربما… نائمة الآن…؟”
تحدثت آنّا بلهجة مصطنعة لم يكن فيها شيء طبيعي. عقد هارين حاجبيه لشدة غرابتها.
لم يفهم سبب ارتباكها، لكن شيئًا واحدًا كان واضحًا.
كانت آنّا تخفي عنه أمرًا ما.
“لن أسأل مرتين.”
آنّا هي الخادمة الخاصة بسيليا، لا تفارقها تقريبًا. لا يمكن أن تجهل مكان وجودها.
“أين ذهبت أختي؟”
انخفض صوت هارين حتى علا صداه في البهو كله. كان أكثر انخفاضًا من المعتاد، ما يعني بوضوح أنّ الغضب كان يتصاعد فيه.
تحت وطأة الضغط الذي انبعث من هارين، انحدرت قطرات العرق البارد على ظهر آنّا.
لم يمض وقت طويل منذ أن غادرت سيليا، ولو أخبرَته الآن بمكانها فسيسارع للحاق بها فورًا.
‘آنّا، لا تخبري هارين أبدًا أنني ذاهبة إلى قصر الأمير.’
استحضرت آنّا وصيّة سيليا الأخيرة.
وحين تذكرت كيف عادت سيليا من القصر ذلك اليوم، ووجنتاها محمرّتان، لم تستطع آنّا قول الحقيقة لهارين.
“الـ… الـ… الآنسة ذهبت…”
تدفقت الأعذار داخل رأسها، لكنها لم تجد واحدًا مناسبًا.
وتحت نظرة هارين الحادة التي تكاد تلتهمها، اختفى أي أثر للتفكير.
“آنّا.”
ناداها بصوت منخفض، يكاد يقطر نفاد صبر.
وكان على وشك أن يتحدث من جديد حين—
“إن كانت تقصد الآنسة، فقد قالت صباحًا إنها ذاهبة إلى الصالون.”
جاء الصوت من خلفهما.
“الصالون؟”
“نعم، يبدو أنهم أرسلوا لها يخبرونها بصدور فستان جديد. لذلك خرجت بسرعة منذ قليل.”
كانت صاحبة الصوت هي سوران.
لم يعلم أيّ منهما متى ظهرت، لكنها تقدمت نحوهما خطوة خطوة، رغم ساقيها اللتين لا تتحركان بسهولة.
“أختي لا تهتم بالفساتين ولا بالمجوهرات.”
ازداد عبوس هارين.
هو يعرفها أكثر من الجميع. سيليا ليست ممن يهرعن إلى صالون الخياطة لمجرد ظهور فستان جديد.
وفوق ذلك، لم يكن ممكنًا أن تجهل آنّا ذهابها إن كان هذا صحيحًا.
“ومن يدري؟ كل سيّدة قد تضعف أمام فستان جديد.”
“…..”
“أليس كذلك يا آنّا؟”
تحوّل بصر سوران فجأة من هارين إلى آنّا.
ارتجفت آنّا تحت نظراتهما معًا، ثم هزّت رأسها بسرعة.
“نـ… نعم! صحيح! لقد انشغلت قليلًا فنسيت. تلقّت الآنسة رسالة من الصالون صباحًا، وتوجّهت فورًا إلى الساحة!”
لم يقل هارين شيئًا آخر. شكّه لم يتبدد، لكنه لم يرد إثارة ضجة أمام ضيفة سيليا.
“…عندما تعود أبلغيني فورًا.”
تجاوز سوران وغادر البهو.
كانت خطواته خارج الباب تحمل استياءً واضحًا.
“…هاه، الحمد لله.”
عندما تأكدت آنّا من أنّ هارين قد ابتعد تمامًا، هوت جالسة في مكانها.
وبما أنها رافقت سيليا منذ طفولتها، فقد اعتادت قراءة تعابير وجه هارين جيدًا.
‘لقد كنتُ لتوّي… في خطرٍ حقيقي.’
تنفست بعمق مرارًا محاولة تهدئة نبضها المضطرب.
“شكرًا لكِ يا آنسة سوران. لو لم تكوني هنا، لا أريد حتى تخيّل ما كان سيحدث لي.”
ضمّت ذراعيها إلى جسدها وارتعشت كمن سرت في جلده قشعريرة مفاجئة.
“لا بأس. رأيتكِ من بعيد في موقف صعب… وفجأة وجدت نفسي أكذب.”
ابتسمت سوران ابتسامة محرجة.
فكذبتها قبل قليل عن ‘الصالون’ لم تكن سوى رد فعل غريزي حين ظنّت أن هارين يهدّد آنّا.
وهي نفسها لم تكن تعرف إلى أين ذهبت سيليا.
“لكن… هل السيد هارين دائمًا مرعب هكذا؟”
سألت سوران ذلك بنبرة قلقة وهي تنظر إلى آنّا التي ما زالت جاثية.
على عكس سيليا الدافئة الحنونة، بدا هارين خشنًا، ذا حضور يثير الرعب.
وهي لم تنسَ أنه قبض على عنقها في أول لقاء بينهما. لم تُظهر انزعاجها يومها، لكن أثر الموقف بقي.
“آه؟ لا، أبدًا!”
قفزت آنّا على قدميها فجأة.
وصوتها كان على عكس توقع سوران، مفعمًا بالحيوية.
“السيد هارين ليس مخيفًا إطلاقًا. بل إنه لا يتدخل في شؤوننا أبدًا، لذلك خدمته ليست صعبة بأي شكل.”
“حقًا؟ إذن ما الذي كان يحصل قبل قليل…؟”
“آه، هذا…”
حكّت آنّا خدّها في حرج، ثم نظرت حولها قبل أن تقترب خطوة من سوران.
غطّت فمها بكفها وهمست كما لو تكشف سرًا خطيرًا.
“السيد الشاب يعتز بالآنسة كثيرًا… ولهذا يبالغ أحيانًا في حمايتها.”
“يبالغ في حمايتها؟ أليس المفترض أنهما مجرّد أخوين؟”
مالت سوران برأسها، غير مستوعبة.
فاضطرت آنّا لخفض صوتها أكثر، وكأنها تتحدث عن أمر غير مسموح بالإفصاح عنه.
“هما كذلك… لكن التفاصيل معقدة قليلًا. يكفي أن تعرفي أنّه يريد حماية الآنسة مهما حدث.”
وما إن أنهت كلامها، حتى انسحبت مسرعة بحجة العودة إلى عملها، قبل أن تردّ سوران حتى.
‘…هل العلاقة بينهما ليست علاقة أشقّاء وحسب؟’
وحين بقيت وحدها، أدارت سوران رأسها نحو الباب الذي خرج منه هارين منذ لحظات.
ظلّت تحدق فيه طويلًا، شاردة الفكر.
***
“هل يمكنني الانصراف الآن؟”
لو بقيت أكثر، سيبدأ سكالين بإغرائي بالبقاء.
كانت الشمس تميل نحو المغيب. وصلت في وضح النهار، لكن الوقت مضى سريعًا على نحو غير مفهوم.
“بالطبع. لا بد أنك تفاجأتِ باستدعائي المفاجئ. شكرًا لقدومك.”
“على العكس. أشعر أن صفقة جيدة تمت بيننا اليوم، وأنا راضية.”
تبادلت معه حديثًا رسميًا، ثم انحنيت له تحية.
شعرت وكأنني لم أفعل طوال اليوم إلا الحديث معه… وكأن طاقتي تُستنزف كلما تحدثت إليه.
أريد العودة فورًا والارتماء على سريري.
“…لماذا تتبعني؟”
لماذا ما زال هنا إلى جانبي…؟
غادرنا الغرفة المخصّصة للضيوف، ومع ذلك بقي سكالين يسير بمحاذاتي.
“إن كنت قد خرجت لاستقبالكِ، فمن الطبيعي أن أرافقك عند المغادرة.”
“استقبال؟ آه… آه، صحيح…”
عاد إلى ذهني ما حدث صباحًا—
حين فاجأني ظهوره فانفجرت صارخة… موقف بالغ الإحراج.
لماذا لا بدّ أن تتوالى المواقف المخزية في حضوره تحديدًا؟
“شكرًا لإيصالي يا صاحب السمو.”
كانت العربة قريبة من بوابة الجناح الإمبراطوري، فلم تستغرق المسافة وقتًا يذكر.
لكنها، لسبب ما، بدت طويلة على نحو خانق.
“سأغادر الآن.”
وقفت أمام العربة وانحنيت له ثانية.
وعلى الرغم من أنه سار بجانبي كل الطريق بحجة ‘مرافقتي’، لم ينطق بكلمة واحدة.
كان الصمت لا يُحتمل.
“سنلتقي قريبًا. سنلتقي كثيرًا من الآن فصاعدًا.”
تكررت عبارته.
بات الأمر مرعبًا… إلى أي مدى ينوي استدعائي؟
“أشعر وكأنني سأعود إلى هنا كل أسبوع، كما كنت أفعل حين كنت صغيرة…”
وهو أمر لن أفعله بالطبع.
انفلتت الكلمات من فمي على شكل تذمر، فابتسم سكالين بوضوح.
ما الذي يجعله سعيدًا هكذا؟
إنه منذ فترة تبدو حالته… مبتهجة على غير عادته.
“ربما سترينني أكثر من ذلك.”
“…عفوًا؟”
“لديكِ حقّ الدخول إلى الجناح الإمبراطوري في أي وقت، وفي أي مكان. لستِ بحاجة إلى موعد.”
ما هذا الكلام؟
“كيف… من أين لي مثل هذا الحق؟”
“الدعوة. ألم تستلميها؟”
دعوة؟ ما إن قال ذلك حتى خفقت ذاكرتي بقوة.
بطاقة الدعوة الذهبية.
هل يعقل…؟
أخرجتُها بسرعة من حقيبتي، تلك التي وصلتني البارحة.
“احتفظتِ بها بشكل جيّد.”
أخذ سكالين البطاقة من يدي.
تألق اللون الذهبي تحت أصابعه.
“هذه وحدها تكفي لدخول أي مكان في القصر الإمبراطوري. جناح الضيوف… قاعات الاحتفال… الحدائق الداخلية…”
التعليقات لهذا الفصل " 46"