44. الرعاية
على عكس ما بدا مستحيلًا، جاءت الفرصة أسرع مما توقعت.
“دعوة من القصر الإمبراطوري؟”
“نعم، بدقة، أرسلت من قصر الأمير.”
قصر الأمير… إذن لابد أنها من سكالين.
تسلمت الدعوة من آنا. كانت الدعوة موجهة إلى سيريا بارانتيس، اسمي محفورًا بوضوح على الورقة.
لكن…
“مرة أخرى باللون الذهبي؟”
الدعوة التي وصلتني كانت ذهبية اللون، أكثر بريقًا من المرة السابقة.
في المرة الماضية اعتقدت أن اللون البراق كان إعتذارا عن التأخير، أما الآن، فها هي الدعوة الذهبية تتكرر.
هل كان سكالين يحب اللون الذهبي إلى هذا الحد؟
تأملت الدعوة من كل جانب، ثم فتحتها بهدوء. على الرغم من البريق الخارجي، كان محتواها بسيطًا جدًا.
[إلى الآنسة سيليا بارانتيس،
بأمر من صاحب السمو الأمير سكالين، يُرجى الحضور غدًا إلى قصر الأمير.]
الختم الرسمي المألوف يؤكد أن الدعوة جاءت بلا شك من القصر الإمبراطوري.
العبارة رسمية ولطيفة، لكنها لم تذكر سبب دعوتي.
‘لماذا يدعوني إلى القصر…؟’
قرأت الدعوة مرارًا، مرتين وثلاث، لكن السبب لم يتضح أبدًا.
“آنا، هل هذه الدعوة لي وحدي؟”
“نعم، لم تصل أي دعوات منفصلة للسيد الشاب أو للدوق.”
أومأت آنا، مؤكدة أن الدعوة تخصني وحدي.
دعوة خاصة بي… لم أعرف السبب، لكني شعرت أنها فرصة.
‘يمكنني أن أُعرّف سكالين على سوران بطريقة طبيعية!’
لحسن الحظ، كانت ساق سوران قد شُفيت تقريبًا. بالطبع، يحتاج الأمر لبعض المراقبة، لكن التنقل بالعربة لن يشكل مشكلة.
إذا وقع سكالين في حب سوران من النظرة الأولى، فستسير الأمور بسلاسة حتى موعد الساحة العامة.
بعد أيام صعبة، شعرت وكأن كل المشكلات قد حُلت في لحظة.
“آه، يا آنسة.”
“نعم؟”
كنت على وشك توجيه سوران لتجهز نفسها للخروج غدًا، حين عادت آنا مرة أخرى إلى الغرفة.
“المسؤول عن إيصال الدعوة قال إن هذه المرة، يرجى من آنستك الحضور وحدها.”
….هاه؟
***
“لم أتوقع أن أعود إلى هنا مرة أخرى.”
جلست في العربة وأمعنت النظر في قصر الأمير الذي اقترب.
ظننت أنني لن أعود إلى هذا المكان إلا بعد استلام بطاقة دعوة زفاف البطلين، والآن أعود وحيدة.
ما الأمر العاجل الذي استدعى إرسال دعوة للحضور خلال يوم واحد؟
عادةً تُترك مهلة ثلاثة أيام على الأقل بين تسليم الدعوة وتحديد الموعد.
لكن في دعوة سكالين، جاء الوقت مباشرة: اليوم، أي غدًا بحسب نص الدعوة.
‘إذا كان القصر يريد أن آتي وحدي، لابد أن هناك سببًا خاصًا.’
ليس والدي ربّ الأسرة، ولا صديقة طفولته هارين، بل أنا وحدي.
حتى أن المسؤول عن إيصال الدعوة نقل الرسالة بشكل سري، ما بدا مريبًا للغاية.
“لا أظن…”
مرت كلمات هارين قبل أيام في ذهني.
‘في المرة السابقة، ذهبتِ مباشرة عندما دعاك الأمير.’
‘ماذا لو كانت النوايا سيئة؟’
حينها اعتقدت أنها مجرد مخاوف هارين، لكن الآن، وأنا مدعوة إلى مكان وحدي، شعرت بتوتر غريب.
ربما كان ينبغي أن أخبر هارين…
لو علم أنني سأذهب وحدي، لربما لحق بي كما هو متوقع، لذا خرجت خفية.
لم أكن أشك في سكالين، لكن تلقي دعوة بلا سبب واضح كان يثير الفضول.
وفوق ذلك…
“من يدري، فأكثر من يختلف عن الأصل هو سكالين….”
“ماذا تقصدين بمُختلف؟”
…هَاه؟
في تلك اللحظة، سمعت صوتًا مألوفًا أمامي مباشرة.
استدرت نحو الصوت، وإذا بباب العربة مفتوح على مصراعيه وسكالين يقف هناك.
وفي اللحظة التي التقت فيها أعيننا…
“آه!”
فزعت وصرخت بلا وعي.
***
“هل يمكنكَ التوقف عن الضحك قليلًا…؟”
ألقيت نظرة جانبية على سكالين الذي ما زال يضحك بخفة.
كان يحاول قدر الإمكان كبح ضحكته، لكن صوت الضحك إنفلت من بين شفتيه بلا إرادة.
“آه، عذرًا… لم أتوقع سببًا كهذا.”
حقًا، أن يخرج لملاقاتي في تلك اللحظة! كنت مشغولة بكافة التخيلات حتى لم ألاحظ توقف العربة. شعرت بالإحراج الشديد، كأنني سأموت من الخجل.
“هل كنتِ تشكين في لمجرد أنني دعوتكِ وحدكِ؟”
لقد انتبه حتى إلى حديثي مع نفسي، فاضطررت في النهاية أن أعطي سكالين تفسيرًا، بالطبع ليس عن شخصيته في الرواية، بل فقط أنني استغربت سبب دعوتي وحدي.
لكن ما الذي يجعل ذلك مضحكًا لهذه الدرجة؟
ابتسامة لا تزال ترتسم على وجه سكالين.
“لم أشك، فقط… ليس هناك سبب واضح لأن يدعوني صاحب السمو وحدي.”
الدعوة لم تحدد سببًا كذلك.
شعرت بالحرج ولم أجرؤ على النظر إليه مباشرة. فجأة، حوّل سكالين صوته إلى لهجة ماكرة.
“أحقًا؟ مع ذلك، إذا سمعتِ السبب الذي دعوتك من أجله اليوم، ستفهمين فورًا.”
“ماذا؟”
“لأن الحديث الذي سنجريه لا يمكن أن يكون مع أحد سواكِ.”
ماذا…؟ شعرت بقلق غريب.
عبست قليلًا وأملتُ برأسي. كيف لي أن أتكلم مع سكالين وحدي؟ لم أخبره بعد شيئًا عن سوران.
“هل تقصد أن الأمر يتعلق بـ…”
“مؤسسة الرعاية.”
تغيرت نظرة سكالين الجادة عندما نظر إلي، وصار صوته جديًا تمامًا.
“عرفت أن عائلة بارانتيس تدعم بعض دور الرعاية بشكل كبير.”
لم أتمالك نفسي، وجلستُ مستقيمة.
كل دير الرعابة التي تدعمها عائلة بارانتيس أشرف عليها شخصيًا.
‘هل دعاني سكالين بشكل منفرد بسبب مشكلة ما؟’
لقد قدمت تبرعات متعددة لتجنب أن يُفهم أنني أُفضل أحدًا على آخر، لكن لا يوجد سبب يستدعي أن يدعوني فقط لهذا الموضوع.
كل المؤسسات التي أدعمها بعيدة عن الأضواء ومهمشة.
“أحد هذه المؤسسات هو ‘ملجأ لوا’.”
“..…”
“وهذا المكان بشكل خاص، لم يتم دعمه باسم العائلة، بل باسمك أنتِ، سيليا.”
“..…”
“هل هناك سبب لذلك؟”
لم أصدق ما سمعته. لم أكن أتصور أبدًا أن سكالين يعرف عن ‘ملجأ لوا’.
كان ‘ملجأ لوا’ أول ملجأ اخترته لدعم مؤسسة رعاية بعد أن قررت شخصيًا ذلك.
مكان مهجور بين الأعشاب، لا يزوره الناس عادة، وكان في الرواية المكان الذي لجأت إليه سوران لفترة قصيرة بعد هروبها من هارين.
مشهد تلك الليالي تحت ضوء القمر، حيث تخلى الآباء عن أطفالهم، وسوران التي كانت هناك، استطاعت منحهم الأمل والطمأنينة، مشهد أحببته واحتفظت به في ذاكرتي.
لكن من المستحيل أن يعلم سكالين بهذا المكان.
ظهرت المؤسسة في الرواية، لكنها لم تكن مرتبطة بأي أحداث تخص سكالين.
بعد خروج سوران منها، لم يُذكر المكان مجددًا، وكان من الصعب الوصول إليه، حتى أنني الوحيدة التي تدعمه.
“هذا الملجأ كان أول مكان بدأت بدعمه بنفسي. لأن طلب الدعم كان ناقصًا، تقدمت باسمي الشخصي وليس باسم العائلة.”
في الحقيقة كان ذلك كذبًا جزئيًا، فالمؤسسات الأخرى كانت باسم العائلة، أما ملجأ لوا، فقد كان من اختياري الشخصي.
في الوقت الحالي، لم يعد لسوران حاجة للذهاب إلى هناك، لذا قررت تحمل مسؤولية الأطفال بنفسي.
لن أستطيع منحهم نفس الراحة التي حصلوا عليها من سوران، لكن سأضمن ألا يموتوا جوعًا، وهذا كل ما أستطيع فعله.
“أفهم.”
نظر إلي سكالين بهدوء. كان من الصعب معرفة ما يجول في ذهنه.
‘لماذا يسأل عن ملجأ لوا بهذه الجدية؟’
في الفترة الأخيرة، شعرت بالضغط بسبب تغييرات الرواية، لذا كنت قلقة.
خشيت أن يحدث شيء سيء للأطفال إن لم أتحرك.
“إذاً أنت تتولين ذلك المكان وحدك.”
“نعم… تقريبًا.”
“حسنًا، إذًا يمكننا أن نتولى الأمر معًا من الآن فصاعدًا.”
“ماذا؟”
رفعتُ رأسي فجأة، والتقيت بعينيه.
كانت عيناه الحمراوان مليئتان بالحياة، مختلفة عن قبل قليل.
“ملجأ لوا… سأدعمه أنا أيضًا.”
…ماذا…؟
التعليقات لهذا الفصل " 44"