39. تأثير الفراشة
مرّت عشرة أعوام منذ أن تجسّدت في هذا الجسد.
كبر هارين ليصبح فتى صالحًا ومهذبًا، رغم أن ظلال الشر كانت تطفو عليه أحيانًا.
كنت أشعر بالفخر كلما رأيته، بل ونوعٍ من الرضا الغامض، فقد خلّصت سكالين وسوران — بطلي الرواية الأصليين — من شرّ هارين الذي كنت أعرفه من القصة.
كنت أظنّ نفسي أشبه بملاكٍ ساعدهما على طريق سعادتهما.
إلى أن ظهرت أمامي سوران سيلياس.
.
.
كانت جميلة كما وصفتها الرواية تمامًا.
شَعرها الوردي بدا كأن أحدهم لوّنه بألوان قوس المطر، وعيناها الصفراء تشبهان نجمتين في سماء الليل.
شخص يبعث الطمأنينة لمجرد النظر إليه — عبارة وُلدت من أجلها.
لكن، لماذا؟
لماذا ظهرت أمامي بهذه الهيئة؟
“سمعتُ أنكِ أردتِ لقائي.”
كنت دائمًا أظن أنني سأراها يومًا ما، لكنني لم أتخيل أن يكون اللقاء بهذه الطريقة.
‘كانت تَعرُج، أليس كذلك؟’
رغم أن سوران كانت جالسة، إلا أن مظهرها يطابق ما وصفته آنا، لذا ربما كانت عرجها حقيقيًا.
‘لكنها ابنة بارون نبيل…’
لم أسأل فورًا، اكتفيت بالصمت في انتظار أن تتكلم هي أولًا.
“نعم، جئت إلى هنا رغم تجاوزي للآداب، لأنني رغبتُ بلقاء الآنسة.”
رفعت سوران نظرتها إليّ، بثباتٍ نادر.
لو كانت ابنة بارون أخرى، لما تجرأت على مخاطبة ابنة دوق بهذه المباشرة، لكنها كانت كما عرفتها الرواية — صريحة، حازمة، لا تخشى شيئًا.
“ليس في الأمر وقاحة. تحدثي براحة.”
ابتسمت برفق حتى لا تشعر بالتوتر، فرأيت ملامحها تتفتح قليلًا.
“سأدخل في الموضوع مباشرة، لا أريد أن أضيّع وقتكِ الثمين.”
قالت بثباتٍ جعلني أبتلع ريقي وأرفع الكوب لأرطّب فمي.
“أرجو منكِ أن تسمحي لي… بالإقامة مؤقتًا في قصر الدوق بارانتيس.”
“هاه…؟”
كدتُ أفلت فنجاني من يدي. الآن… هل سمعتُ خطأ؟
لم أستطع التحكم بتعبير وجهي، فغطّيتُ فمي بيدي وأنا أحدّق بها.
لكن سوران، وكأنها توقعت ردّ فعلي هذا، واصلت حديثها غير آبهة.
“سأفعل أي شيء تطلبينه. فقط ساعديني هذه المرة، وسأردّ لك الجميل يومًا ما.”
“انتظري، مهلاً، تمهّلي قليلًا.”
رفعت يدي أوقف سيل كلماتها.
‘هل هي جادّة فعلًا؟’
لم يَرِد أي حدث كهذا في الرواية أبدًا.
“هل يمكن أن تخبريني لماذا تطلبين ذلك فجأة؟”
سألتها بلطفٍ رسمي، لكن بحذر.
إن لم يكن لديها سبب مقنع، فلن أسمح لها بالبقاء، مهما كانت مكانتها.
هذا القصر ليس لي وحدي بعد كل شيء.
“في الحقيقة…أنا بحاجة إلى مكان أقيم فيه لبعض الوقت.”
“مكان… لتقيمِي فيه؟”
نطقتُ ببطء وأنا أحاول الفهم.
“نعم. يمكنني أن أخدمك بإخلاص طوال تلك المدة، فقط… اسمحي لي بالاحتماء هنا مؤقتًا.”
صوتها أخذ يضعف أكثر فأكثر، لكن كلماتها الأخيرة كانت واضحة تمامًا.
هي بحاجة لمأوى…؟
‘لكن لماذا؟ إنها ابنة بارون، مهما كان شأنها، لا يمكن أن تنتهي إلى هذا الحال.’
كل كلمة منها فتحت في رأسي علامة استفهام جديدة.
لقد بدأت الرواية بالفعل.
حتى لو لم تصبح ‘الشريكة الأولى’ في حفل البلوغ، فهناك ما يكفي من الأحداث ليلتقيا لاحقًا.
فقط من الحلقات التي أعرفها، كان هناك أكثر من واحدة.
لكن لماذا جاءت سوران إليّ أنا، وليس إلى سكالين؟
“ألّا يجدر بك أن تخبريني السبب حتى أستطيع مساعدتك؟ لا أفهم شيئًا مما تقولينه الآن يا آنسة.”
قلت ذلك محاولة تهدئتها بلطف قدر الإمكان.
لكن حين رأيت عيني سوران ترتجفان بخوف خافت، لم أستطع الضغط عليها أكثر.
وفي اللحظة التي كنت أنتظر فيها أن تفتح فمها من جديد، بدأت شفتاها المغلقتان تنفرجان ببطء.
“أنا… هاربة من والدي، البارون رانتيش.”
***
بدأ رأسي يؤلمني.
لماذا لم أفكر بهذا الاحتمال؟ لماذا لم أشك؟ لماذا اعتبرت الأمر بديهيًا؟
هل لأنني كنت ساذجة بما يكفي لأظن أن كل شيء سيُحل إن غيرت هارين فحسب؟
“هل البارون رانتيش هو من جعلك على هذه الحال؟”
سألتها بنبرة جادة، محاولة الحفاظ على رباطة جأشي.
ربما استشعرت ثقل نظرتي، فابتسمت ابتسامة باهتة محرجة.
لكن تلك الابتسامة لم تبدُ سوى اعترافٍ صامت، فازداد وجهي تيبّسًا.
‘إذًا لهذا السبب لم تلتقِ بسكالين…’
لم أكن مهتمة كثيرًا بعلاقتهما.
كنت أظن أن القدر سيجمعهما في النهاية، وأنهما ربما التقيا بعد الحفل من دون علمي.
لذلك اعتقدت أن القصة ستسير كما يجب حتى في غياب هارين.
كان يمكنني استنتاج ذلك بسهولة، أو على الأقل ملاحظة أن هناك خللاً.
فلماذا تعاملت مع الأمر كأنه مسلّم به؟
“لن أمكث إلا بضعة أيام. سأغادر سريعًا حال وجدت مكانًا آخر، لذا أرجو منكِ السماح بهذا.”
قالت ذلك وانحنت قليلًا قبل أن تهمّ بالذهاب.
لكنها لم تخطُ سوى بضع خطوات حتى تعثّرت في مشيتها، كأنها تجرّ قدميها بصعوبة.
‘حتى بعد أن بدأت الرواية، ما زال والدها يعذّبها…’
كان البارون رانتيش، والد سوران، شخصية دنيئة في الرواية الأصلية.
رجل يستغل لقبه ليدوس كل من هو أدنى منه في المنزلة.
حتى ابنته لم تكن بالنسبة إليه سوى دمية جميلة.
وعندما لم تكن شروط زواجها المجزي كما أراد، بدأ في إيذائها.
لم أدرك حينها كم كان ذلك ‘الإيذاء’ فظيعًا، إذ لم تُذكر تفاصيله في الرواية سوى بكلمة واحدة.
‘هذا قاسٍ جدًا… ابنة نبيل تُصاب بالعرج؟’
“الآن فهمت سبب حاجتك لمكانٍ تبقين فيه. لكن لماذا أنا؟ من بين كل من تعرفينهم؟ بصراحة… لا يوجد بيننا أي صلة خاصة.”
في الأصل، عندما تبدأ الرواية، كانت سوران تهرب من والدها بعد أن يختارها سكالين.
بالنسبة لوالدها الطامع بالمال والسلطة، اختيار سكالين لابنته كان فرصة ذهبية.
لذا، وفقًا للأحداث الأصلية، كان يفترض بها أن تذهب إليه.
لكنها بدلاً من ذلك، جاءت إليّ، الشخصية التي لم تكن موجودة في القصة من الأساس.
“سمعت شائعات عنكِ يا آنسة…”
قالت ذلك بعد لحظة من التردد.
“شائعات؟”
“نعم، أنكِ بعد حفل تقديمك للمجتمع، تبرعتِ بعدة تبرعاتٍ للملاجئ والمؤسسات الخيرية…”
“ذلك…”
صحيح أنني اقترحت إنشاء دور رعاية عندما بدأت بمساعدة والدي بعد الحفل.
وصحيح أنني جمعت التبرعات ووزعتها عبر مؤسسات مختلفة.
لكن الحقيقة…
‘هذا سيئ. لست فاضلة كما يظنون.’
فما فعلته لم يكن بدافع طيبة، بل لمصلحة عائلتي.
كنت أظن أن نشر الخير في كل اتجاه قد يخفف من مصير الإبادة الذي ينتظرنا لاحقًا.
كانت مجرد حيلة صغيرة، ومع ذلك جذبت إليّ هذه الغزالة الصغيرة الخائفة.
“أعتذر لاستغلال نواياكِ الطيبة يا آنسة. لكنني لم أجد مكانًا آخر يمكنه حمايتي من عائلتي، سوى هنا.”
أخفضت رأسها مرة أخرى.
شعرت وكأن صدري ينقبض.
لو فكرت قليلًا في نتائج تغييري للأحداث الأصلية، هل كانت ستصل إلى هذه الحال؟
لو لم أحضر حفل بلوغ سكالين… هل كانت حياتها ستتغير؟
“حسنًا، فهمت.”
“…ماذا؟”
اتسعت عيناها دهشة حين أومأت برأسي.
يبدو أنها لم تتوقع أن أوافق بهذه السهولة.
“أين أمتعتها؟”
كنت أعلم أن السماح لها بالبقاء تصرف متهور.
فاليوم لا والدي ولا هارين في المنزل، وكان عليّ أن أمهل نفسي وقتًا للتفكير.
لكن كيف كان يمكنني طردها وهي على هذه الحال؟
“سأطلب أن يجهزوا لكِ غرفة. انتظري هنا قليلًا.”
رفرفتُ بجناحٍ صغير، لكنه تحول إلى عاصفةٍ في حياتها.
هذا هو تأثير الفراشة الذي صنعته.
التعليقات لهذا الفصل " 39"