37. اللقب
بعد مرور بعض الوقت، لم يبقَ في هذا اللقاء أي أثرٍ للحرج.
لم يتوقف الحديث بين هارين وسكالين، فلم تعد هناك حاجة لأن أقلق عليهما.
“هارين، هناك خيط عالق على ياقة ثوبك.”
مددت يدي وأزلت الخيط العالق على ملابسه.
فابتسم هارين نحوي بابتسامة بريئة.
“كالعادة، أختي الكبرى دقيقة الملاحظة.”
“هاه؟ آه… نعم…”
ما الأمر؟ هل ابتسم هارين بهذه الطريقة مؤخرًا؟
صحيح أنه يبتسم لي كثيرًا، لكن هذه الابتسامة بالتحديد… تشبه ابتسامته عندما كان صغيرًا.
ربما السبب أنه التقى بسكالين اليوم. أشعر أني أرى ملامح الطفل الذي كانه كثيرًا هذا اليوم.
أحسست بشيء من الغرابة، لكنه لم يكن شعورًا سيئًا.
“سأُحضِر بعض الحلوى.”
وبينما كنا نحن الثلاثة نتابع الحديث، جاءت إحدى وصيفات القصر تحمل كعكة جميلة.
كانت كعكة إسفنجيّة مغطاة بالكريمة الطازجة تعلوها حبّة فراولة كبيرة.
أوه، هارين يحب الفراولة.
“هارين، خذ هذه الفراولة.”
ربما لأنني أراه اليوم يشبه طفولته أكثر من أي وقت، فقد وجدت نفسي أعتني به أكثر من المعتاد.
رغم أنني لطالما رغبت في تدليله هكذا، إلا أنه كان يرفض دائمًا.
‘أختي، لقد كبرت الآن.’
كلما تذكرت هارين في السادسة عشرة وهو يقول هذه الجملة، أشعر بعاطفة تفيض في صدري.
ربما يشبه الأمر شعور أمٍّ تراقب ابنها وهو يصبح مستقلًّا عنها.
لكن طالما يبدو سعيدًا هكذا، فعليّ أن أستغل الفرصة لأدللـه كما أشاء.
قدّمت له حبّة الفراولة التي كانت على كعكتي.
حينها توقّف الحديث بينه وبين سكالين للحظة ونظرا إليّ، ثم أزهرت على وجه هارين ابتسامة مشرقة.
“كنت أرغب في أكلها فعلًا، كما توقعتِ يا أختي الكبرى. أنتِ لا تفكرين إلا بي دائمًا.”
لكن… لماذا يقول هذا وهو ينظر إلى سكالين وليس إليّ؟
نظراته كانت غريبة قليلًا، ومع ذلك، رؤية وجهه المشرق جعلتني أشعر بالرضا.
كان قرار مجيئي معه صائبًا.
كنت قلقة في البداية، لكن رؤيتهما ينسجمان بهذا الشكل جعلتني أشعر بالفخر.
كبر كلاهما، لكنهما ما زالا طفلين في نظري.
“طعمه لذيذ.”
التقط هارين الفراولة بالشوكة ووضعها في فمه دفعة واحدة.
وأنا أراقبه وهو يمضغها ببطء وينظر إلى سكالين، لم أملك إلا أن أبتسم برضا.
هل يسعده الأمر الى هذا الحد؟
“…هاه.”
فجأة، ضحك سكالين ضحكة خافتة وهو جالس في الجهة المقابلة.
ثم نقر بأصابعه على الطاولة مرتين أو ثلاثًا، وأسند ذقنه على يده وهو ينظر إليّ.
“…..؟”
كانت على شفتيه ابتسامة جذّابة وهو يوجه نظره نحوي.
“نونا.”
هاه…؟ نونا؟
(نونا: تعني الأخت الأكبر تقال احتراما حتى بين من لا تربطهم صلة دم وتكون من الفتى للفتاة، بينما بين فتاتين يقال ‘أوني’)
تفاجأت من مناداته لي هكذا، وأدرت نظري بتوتر، لا أعرف كيف أتصرف.
“أما يوجد ما تكرمينني به أنا أيضًا؟”
هل… كان يتحدث إليّ حقًا؟
راودني شعور أن شيئًا ما غير طبيعي، لكنني تظاهرت بالهدوء ونظرت حولي.
“آه… هل ترغب بمزيد من الشاي؟”
في الرواية، سكالين لا يحب الحلويات.
حتى الكعكة التي قدمتها له سيران سيلياس لم يأكل منها سوى لقمة واحدة.
إذن، لا بد أنه لم يكن يسأل من أجل الكعكة.
لاحظت أن كوب الشاي أمامه فارغ، فأشرت بخفة إلى الوصيفة القريبة، فسكبت له الشاي الأسود بسرعة.
“تفضل.”
‘رغم أنني لم أكن أنا من صبّه له فعلًا.’
ابتسمت وأنا أنظر إلى كوب الشاي الممتلئ أمامه.
“…شكرًا لكِ.”
تجمّد سكالين لحظة وهو يحدّق بي، ثم نظر إلى كوب الشاي أمامه.
آه، هل لا يحب الشاي الأسود أيضًا؟ إذًا لمَ لم يقل ذلك منذ البداية؟
شعرت بالحرج بعد أن عرضت عليه ما لا يريده، فارتشفت رشفة من شايّي أمامي. مذاقه جيد.
وبينما كنت أفعل ذلك، كان هارين يراقبنا من الجانب وهو يكتم ضحكته، يصدر صوتًا مكتومًا كأنه لا يستطيع التوقف عن الابتسام.
‘…اليوم تصرفاتهم غريبة جميعًا.’
***
“إذن، سنغادر الآن.”
“نعم، أميرة. إلى اللقاء في المرة القادمة.”
ألقيت تحية الوداع الأخيرة على السيد ألكسند، بينما كان هارين قد صعد إلى العربة قبلي. وكعادته، ابتسم لي ابتسامته الهادئة.
لن أرى تلك الابتسامة الهادئة مجددًا في وقت قريب، فليس لدي نية لزيارة قصر ولي العهد لأسباب شخصية بعد الآن.
بل الأصحّ أن سكالين نفسه لن يكون له سبب لطلب لقائي مجددًا.
فالآن بعد أن انتهت مراسم البلوغ، بدأت الرواية، وبدأت معها قصة حبّ سكالين وسوران سيلياس.
ربما عندما أعود إلى هنا مرة أخرى، سيكون ذلك عندما يقدمان لي بطاقة الدعوة إلى زفافهما.
نظرت مليًّا إلى المكان الذي قد لا أعود إليه قريبًا.
‘لم أكن أتوقع أن أمكث هنا كل هذا الوقت…’
حين صعدت العربة، كان لون السماء قد اكتسى بحمرة الغروب.
سكالين لم يودّعنا.
بدا عليه الصمت أكثر فأكثر مع مرور الوقت، وكأنه أرهق من طول بقائنا.
كانت ملامحه تنمّ عن ضيقٍ ما، كأن شيئًا لم يرضه.
طَقطَقة—
حين انتهيت من تأمل السماء وصعدت العربة، سمعت صوت شيء سقط على الأرض.
“ما هذا؟”
انحنيت أبحث عن مصدر الصوت، فوجدت تحت المقعد صندوقًا صغيرًا بحجم كفّ اليد.
هاه… لحظة، هذا…
فتحت الصندوق بحذرٍ، وبمجرد أن رأيت ما في داخله، صرخت نحو السائق.
“توقف! توقف قليلًا من فضلك!”
***
عدت مجددًا في النهاية.
تنهدت وأنا أحدّق في الصندوق الصغير الذي أضعه على راحتي.
كنت أنوي أن أُسلّمه للسيد ألكسند وأعود، لكنه كان قد اختفى بالفعل.
ولم أستطع أن أترك شيئًا بهذه القيمة في يد خادمٍ مجهول، لذا قررت أن أسلمه بنفسي.
عرض هارين أن يقوم بذلك بدلًا مني، لكني لم أُرِد أن أكلّفه بإرجاع هديةٍ لم تُوجَّه إليه.
“هل أضعتِ شيئًا ما؟”
سألَتْني إحدى الخادمات بينما كنت أتلفّت في قصر ولي العهد.
كانت هي نفسها التي قدّمت الشاي لسكالين في وقت سابق.
“آه، معي شيء أودّ تسليمه لسموّ الأمير.”
أومأت الخادمة، ثم قادتني إلى قاعة الضيوف التي كنا نجلس فيها قبل قليل.
‘هل يجب علي الانتظار هنا مجددًا؟’
طرقت الخادمة الباب نقرتين خفيفتين، ثم فتحته لي.
وبمجرد دخولي، سمعت صوتًا مألوفًا.
“عدتِ مجددًا.”
كان الصوت لسكالين، الذي بدا أنه لم يغادر بعد.
كان يجلس في المكان نفسه الذي جلسنا فيه جميعًا من قبل.
“هل أتيتِ لرؤيتي؟”
ارتسمت على وجهه ابتسامة ماكرة.
“نعم… إلى حدٍّ ما، لكنك ما زلت هنا على ما يبدو.”
اقتربت منه وجلست في المقعد المقابل له.
“إذن، ما سبب مجيئكِ؟”
بدا في عينيه بريق حياةٍ غريب، وكأن شيئًا سارّا حدث خلال غيابي القصير.
“آه، يبدو أن هذه الهدية وصلتني عن طريق الخطأ، فجئتُ لأعيدها…”
فتحت الصندوق الصغير وقدّمته له.
في داخله كان عقدٌ من الياقوت الأزرق البراق، فخم المظهر.
“ولماذا تُعيدينه؟”
كان يبتسم بارتياح وهو ينظر إليّ، لكن ما إن رأى محتوى الصندوق حتى تجمّد وجهه.
“أظن أنه وصلني بالخطأ.”
“ماقصدكِ؟”
“لا يمكن أن تكون هذه هدية شكر، فثمنها مرتفع للغاية.”
كانت الأحجار الزرقاء المتلألئة وحدها تساوي آلافًا من الذهب.
حتى القصر الإمبراطوري لا يمكن أن يمنح شيئًا كهذا لمجرد الشكر.
“هدية شكر؟”
تجمّدت ملامحه للحظة، ثم بدت عليه الدهشة قبل أن يضحك بخفة.
“ظننتِ أنها هدية شكر، إذن.”
وبعد أن ضحك قليلًا، دفع الصندوق نحوي مجددًا.
“أليست كذلك؟”
سألته وقد تملّكني الارتباك.
فأومأ مبتسمًا ابتسامة خفيفة.
“إنها مجرد هدية مني لكِ.”
هدية…؟ لماذا؟ لأنني أخت هارين؟
لكن قيمتها باهظة جدًا لذلك السبب وحده…
نظرتُ إلى العقد داخل الصندوق مرارًا، وما زلت لا أفهم.
“ولماذا تُهديها لي أنا؟”
سألته، فنهض واقترب مني، ثم رفع العقد قرب وجهي.
ابتسم ابتسامة جذابة وقال.
“لأنها تبدو ملائمة لكِ، يا نونا.”
ها هو ثانية. ذلك اللقب المربك.
الهدية كانت مفاجئة، لكن ما أزعجني حقًا هو تلك التسمية.
تغاضيت عنها في وقت سابق، لكن ما باله يكررها؟
أمسك بكفي ووضع العقد عليها بلطف.
“هل يمكن أن تتوقف عن مناداتي بتلك الكلمة؟ ماذا سيفكر الناس لو سمعوا؟”
هل يليق بوليّ العهد أن يناديني نونا؟
صحيح أنني ‘فتاة كورية متمسكة بالتقاليد’، ولا أجد اللفظة قبيحة،
لكن في هذا الوضع تحديدًا، الأمر مختلف تمامًا.
“ولمَ لا؟ ظننت أنك تحبين أن تُنادَي هكذا.”
أمال رأسه قليلًا.
“ظننت أنكِ تعتنين بهارين فقط لأنني لم أحسن مخاطبتك.”
‘أيّ منطق هذا؟’
هارين حقًا أخي الصغير، لذا الأمر مختلف.
“لديك الكثير من الأشخاص الذين يعتنون بك يا صاحب السموّ.”
“وإن لم يكن لديّ أحد؟”
“هاه؟”
جلس على حافة الطاولة أمامي، ونظر نحو الخدم المحيطين.
ما الذي ينوي فعله؟
رفع ذقنه قليلًا نحوهم، فاختفوا بسرعة من القاعة واحدًا تلو الآخر.
ما الذي يفعله…؟ لماذا يُخرج الجميع؟
رفعت عينيّ نحوه بارتباك، فابتسم راضيًا.
“يبدو أنه لم يبقَ من يعتني بي سواكِ.”
صوته المفعم بالمرح لامس أذني.
“من فضلك قومي بالإعتناء بي.”
تجلّت عيناه الحمراوان، المقابلتان لعينيّ، بانحناء جميل يشبه الهلال.
“نونا.”
التعليقات لهذا الفصل " 37"