36. أخبار سعيدة
سكالين أطلق ضحكة قصيرة وهو يحدّق في المشهد أمامه.
لم يكن استيقاظه المبكر واستعداده الدقيق في هذا الصباح من أجل أن يرى شيئاً كهذا.
أزاح خصلات شعره المنسدلة على جبينه بحركة عصبية.
“الجو… جميل اليوم، أليس كذلك يا صاحب السمو؟”
هاها…
امتلأت قاعة الضيوف الهادئة بصوت ضحكة سيليا المتكلفة.
كانت تحاول بوضوح أن تكسر هذا الصمت الثقيل، أن تُلين الأجواء المتوترة بطريقة أو بأخرى.
سكالين رأى محاولتها، لكنه لم يكن في مزاج يسمح له بمجاراة رغبتها.
“إذن…”
وضع ذقنه على كفه، متكئاً على الطاولة أمامه.
“أعتقد أنّ عليكما أن تشرحا لي ما الذي يحدث بالضبط.”
انتقلت عيناه الحمراوان من سيليا إلى هارين.
لكن الأخير لم ينبس بكلمة، اكتفى بالنظر إليه بنظرة حادة وثابتة.
“هذا…”
قالت سيليا بخفوت،
“كان إتفاقنا في البداية أن آتي برفقة هارين، لذلك… لم أظن أن الأمر سيشكل فرقاً.”
خفضت رأسها وهي تتمتم، كأنها فقدت الثقة في كلماتها.
‘هل هي غافلة حقًا، أم تتظاهر بعدم ملاحظة نيّتي؟’
في عيني سكالين، بدت سيليا كدب صغير بعدة ذيول لا تعرف كيف تختبئ.
( ملاحظة: وصف دب عند الكوريين يشير للشخص الساذج، بطيء الفهم وليس للتشبيه بدب بالمعنى الحرفي)
كلماتها الصافية لم تقنعه، خاصة وأن نظرات هارين تجاهه كانت مكشوفة جداً.
هل جلبته لأنها أرادت تجنّب لقاءٍ خاص معه؟ لم يُرِد أن يفكر في ذلك، لكنه فكّر رغمًا عنه.
‘إن كان الأمر كذلك، فربما من الأفضل أن تكون دُبًّا بعد كل شيء.’
على هذا المنوال، من الأفضل أن يتظاهر بالجهل.
“هارين كان صديق طفولتك…ظننت أنك ستكون سعيداً برؤيته من جديد.”
ظل ينظر إليها دون ردّ.
ارتبكت، فتلعثمت وهي تتابع شرحها كلمةً بكلمة، كأنها تخطو فوق جليد رقيق.
سكالين ضحك بخفوت.
رغم انزعاجه، وجد نفسه يبتسم. كيف يمكن أن يرى في وجهها المذعور هذا شيئاً جميلاً؟
حقاً، لقد أصيب بداء لا شفاء منه.
“أسمعت ما قالت؟ ما رأيك يا صديق الطفولة؟”
أعاد نظره إلى هارين.
ذلك الذي لم يلتفت قط إلى شقيقته وهي تشرح بتوتر، بل كان يحدّق في سكالين فحسب.
سكالين ابتسم ببرود.
“هل كنتَ سعيداً برؤيتي؟”
كان يشعر بخيبة طفيفة لأن سيليا لم تأتِ وحدها، لكنه لم ينوي إطالة هذا المشهد.
في النهاية، هذا ليس إلا بداية جديدة. بعد انتظار عشر سنوات، لا بأس ببعض المتغيرات.
سيعيد بناء ما فُقِد، خطوة بخطوة.
يمكنه صنع اعذار بقدر ما يشاء.
لذا لم يكن يهتم كثيراً.
بل لم يهتم إطلاقاً.
***
الجلوس الثلاثي هذا كان أكثر غرابة مما توقعت.
ظننت أن هارين سيتحدث أولاً بما أنه هو من أصر على المجيء، لكن…
الذي قدّم التبريرات أنا، والذي حاول إصلاح الموقف أنا، والذي يغلي خجلاً أنا أيضاً.
حدقت نحوه الذي كان بجانبي. كم أنت محظوظ بهذه الأخت يا هارين.
“…..”
“…..”
لكن شيئاً لم يكن طبيعياً.
ظننت أن تفسيري كان مقبولاً، ومع ذلك…
‘لماذا يحدّق بي هكذا؟ لا أستطيع النظر إليه مباشرة.’
سكالين ظل صامتاً.
لو قال كلمة واحدة، أو حتى أومأ برأسه، لارتحت قليلاً.
لكنه كان يحدّق بي بعينيه الحمراوين الياقوتيتين كأنهما تمسكان بي.
حين بدأ يُمعن النظر أكثر، انطلقت الكلمات من فمي بلا تفكير.
“هارين كان صديق طفولتك… فربما سرّك أن تراه من جديد، أليس كذلك؟”
يا لغبائي. هل قلت للتو هذا؟ بعد كل تلك النظرات المتوترة التي تبادلاها؟
حتى لو لم يكونا قد تشاجرا في الماضي، فبعد عشر سنوات من الفراق، سيكون اللقاء غريباً على أي حال.
كما لو لتأكيد تفاهة كلامي، تنفّس سكالين ببطء، ضحكة قصيرة خرجت من أنفاسه.
نعم، بالتأكيد وجد كلامي سخيفاً.
تنهدت، مستعدة لمحاولة تلطيف الجو مجدداً، لكن سكالين تكلم أولاً.
“أسمعتَ ما قالت؟ ما رأيك يا صديق الطفولة؟”
ثم، وهو ينظر فقط إلى هارين.
“هل كنت سعيداً برؤيتي؟”
لكن رغم ذلك، أحسست وكأن سكالين كان يختبر هارين، فابتلعت ريقي بصعوبة.
كانت الغرفة ساكنة إلى درجة أن صوت بلعي للريق دوّى بوضوح.
‘هارين، أرجوك لا تتشاجر معه.’
خشيت أن يستفزه سكالين فيردّ بشيء طائش.
لو قال مثلاً: ‘لست سعيدًا برؤيتك’ أو ‘لماذا فعلتَ ما فعلت قبل عشر سنوات؟’ فسينتهي هذا اللقاء تمامًا.
أرجوك يا الهي، لا تدعه يقول شيئًا كهذا.
نظرتُ إليه برجاء صامت، بينما كان وجهه خالياً من أي تعبير.
“صاحب السمو الأمير.”
نطق هارين أخيراً.
كان صوته خالياً من أي نغمة عاطفية وهو يخاطب سكالين.
“سؤال كهذا يجرح القلب. هل هناك من لا يفرح برؤية صديق قديم بعد زمن طويل؟”
….ها؟
حتى قبل لحظات، كان وجهه بلا ملامح. لكن شفتيه الآن ترسمان ابتسامة متقنة المكر.
“حتى في حفل البلوغ الأخير، لم أجد فرصة لتحيتك. كان ذلك مؤسفًا حقًا.”
لم تكن تلك الابتسامة الواسعة التي يخصني بها عادة، لكنها ظلت ثابتة طويلاً على وجهه.
‘ما هذا؟ هل يحاول فعلاً أن يكسب وُدّ سكالين؟’
“سمعتُ أمس أنك دعوت أختي، فظننتُ أنك بالطبع دعوتني معها، لكن يبدو أن الأمر لم يكن كذلك.”
تحدث بطلاقة مذهلة كأنه لم يكن صامتًا منذ البداية.
راقبه سكالين بنظرة متفحصة، ثم ابتسم بخفة وهو يرفع زاوية فمه.
“كنت أنوي دعوتك على حدة. إن كنتَ شعرت بالاستياء، فاعذرني.”
تدفقت الكلمات بينهما بسلاسة غير متوقعة، بينما بقيتُ أنا صامتة تمامًا.
يتحدثان بهذا الانسجام الآن؟ إذن ما الذي كنتُ أفعله طيلة الوقت؟
***
بعد ذلك استمر الاثنان في الحديث وكأن شيئًا لم يكن. جلست أستمع بصمت، وأعجبتني الغرابة في المشهد.
كنت معتادة على أحاديث النساء في المجتمع الراقي، فتساءلت كيف يتحدث الرجال فيما بينهم.
“هارين، لا يمكنك البقاء إلى الأبد قرب أختك. معظم من أكملوا بلوغهم وجدوا خطيبات الآن. هل أساعدك في الاختيار؟”
“بل أنتم، يا صاحب السمو، أولى بالحاجة إلى خطوبة. أما أنا، فأستمتع بعزوبيتي. وجودي مع أختي يمنع عني الملل.”
إذن، أحاديث الرجال ليست مختلفة كثيراً عن أحاديث النساء.
ظننتهم سيتحدثون عن السياسة أو الأعمال، لكنهم تطرقوا إلى الزواج والعائلة.
ارتشفتُ الشاي بهدوء، أراقب الاثنين يتبادلان الكلام وكأنني لست هنا.
ولعل ذلك أفضل، فمجرد الإصغاء كان مسلياً بما يكفي.
“حقاً مؤسف. كنت أنوي تقديم هدية كبيرة لو سمعت بخطوبتك.”
“وأنا توقعت أنك التقيت بشخص مناسب في الأكاديمية. مؤسف أيضاً.”
ما هذا؟ منذ متى يهتم كل منهما بزواج الآخر إلى هذه الدرجة؟
ابتسمتُ لنفسي وأنا أراقبهما يتبادلان النظرات. كان بينهما توتر خفي، لكنه مغلف بابتسامات لبقة.
“إذن، فلنأمل أن نسمع قريباً أخباراً سعيدة عن سموك.”
منذ متى أصبح هالن مهتمًّا إلى هذا الحد بعلاقات الآخرين العاطفية؟
يبدو أنه متأسفا لأن سكالين لم يدخل علاقة بعد.
لكنني فقط هززت رأسي بخفة.
‘ لا داعي للقلق، فهي ستظهر قريبا.’
هو لا يعرف بعد.
فسبب عدم لقاء سكالين بشخصه المقدر في الأكاديمية هو أن ‘تلك’ الشخص المنتظر موجودة هنا، في إمبراطورية سيران.
رفعت نظري عن الشاي الذي كنت أرتشفه.
الحديث لم يعد مشوقًا بالنسبة إليّ، ما دمت أعرف النهاية التي تنتظرهما.
لكن… هناك شيء مزعج حقًا.
في كل مرة يتحدث فيها هارين…
‘عينا سكالين تلتقيان بعيني أنا.’
في البداية ظننت أن ذلك محض صدفة، لأنني أجلس قبالته مباشرة، لكن شيئًا في نظرته لم يكن عابرًا.
“حسنا، لا أظن أن خبر زواجي سيكون خبراً ساراً لك.”
قالها و عيناه الحمراوان مثبتتان عليّ، لا على هارين.
التعليقات لهذا الفصل " 36"