35. طرفان
“تُرى، ماذا أُرسِلَ للسيد الشاب؟”
“همم، لست متأكدة…”
سألت آنا بعينين تلمعان بالفضول، تتساءل عن الهدية التي وصلت إلى هارين.
“آنستي، هل تنوين فتحها؟”
في الواقع، إن كانت قد رُميت، فقد لا يكون في فتحها بأس…
“لا.”
لكن لا يمكنني فتح هدية ليست لي.
حتى لو لم يكن الوقت مناسباً الآن، ربما يمكن إعادتها لاحقاً إن تصالحا من جديد.
يبدو أن بينهما شيئاً الآن… لكن طالما أن هارين ليس ذلك الشرير من الرواية، فطريق الصلح مع سكالين ما زال واسعاً.
ومع ذلك، من الأفضل أن أذهب إلى القصر الإمبراطوري وحدي بعد يومين.
***
الأمور نادراً ما تسير كما نريدها.
مثلما هو الحال الآن.
“سأذهب أنا أيضاً.”
…هاه؟
قال هارين ذلك في مساء اليوم الذي يسبق ذهابي إلى القصر.
“إلى أين…؟”
“أختي، قلتِ إنك ذاهبة إلى القصر غداً، أريد أن أذهب معك.”
كان والدنا سيعود متأخراً تلك الليلة، فتناولنا العشاء لوحدنا بعد فترة طويلة.
إلى هنا، لا بأس… لكنني كدت أختنق بالستيك من الصدمة حين رأيت تعبير وجهه.
كيف عرف؟ لقد كان الأمر سراً!
التفتُّ إلى آنا بخوف، فأشارت بعينيها نحو السيد فروين.
آه… نسيت أن أتنبه لتلك النقطة.
“ولماذا أنت؟ المكان ممل، لن تستمتع بشيء.”
ثم إنك قلت إنكما لستما صديقين بعد الآن.
قلت ذلك وأنا أحاول إخفاء ارتباكي، لكن هارين وضع السكين على الطاولة بنقرة خفيفة.
“لكن كنا صديقين في الصغر، أليس كذلك؟”
“…هاه؟”
“حين كنا صغاراً، كنا نذهب معاً دائماً. هل ستتركيني خلفك الآن؟”
اختفى البريق الحاد في عينيه فجأة، وظهر وجه حزين.
وكيف عرف أنني أضعف أمام هذا النوع من النظرات؟
“صحيح… كنا نذهب معاً دائماً عندما كنا صغاراً.”
“وفوق ذلك، كنتُ أنا الأقرب إلى الأمير وقتها.”
حسناً… هذا صحيح نوعاً ما.
أومأت بوجه بليد، ولم يفوّت هارين تلك اللحظة.
“إذن، لا بأس أن أذهب معك، أليس كذلك يا أختي؟”
هل… هذا منطقي؟ ربما نعم؟
فكرت قليلاً، ثم أومأت ببطء.
“صحيح… في الأصل، كنتَ أنت من يقابل الأمير كل أسبوع، لا أنا.”
في الحقيقة، كنتُ أنا من تدخل بين لقائهما.
وبالتفكير في الأمر، غيابه عن هذا اللقاء يبدو غريباً.
ربما كان سكالين قد دعاني وهو يأمل أن يأتي هارين أيضاً؟
تأكدت من الفكرة وأومأت بحماس.
“حسناً، لنذهب معاً!”
ابتسم هارين ابتسامة مشرقة.
رغم أنه أنكر صداقتهما لي سابقاً، إلا أنني لم أستطع إلا أن أفكر أن هذا ربما يعني رغبته في المصالحة.
اقتراحه المفاجئ أربكني، لكن ابتسامته جعلتني أترك كل شيء جانباً.
ما دامت النهاية جيدة، فهذا يكفي.
***
“آنستي، ما رأيك أن ترتدي هذا اليوم؟”
في اليوم الذي كنت سأذهب فيه إلى القصر لمقابلة “سكالين”، أخرجت آنا من الخزانة فستاناً من أكثر ما أملك فخامة.
“آنا، أليس هذا مبالغاً فيه…؟”
الفستان الذي أحضرته كان مليئاً بالكشكشة من كل جهة، كأنه ستار سرير أميرة.
هززت رأسي وأنا أحدق في تلك الزخارف المبالغ فيها.
فأخذت آنا تبحث من جديد في الخزانة بوجه متجهم.
“آنا… أظن أنه يكفي أن أرتدي شيئاً بسيطاً اليوم…”
“آه!”
صرخت فجأة وهي تنقب في الخزانة، ثم التفتت نحوي مسرعة وجلست أمامي عند طاولة الزينة.
“آنستي! هذا جميل جداً! لماذا خبأتِ شيئاً كهذا في الخزانة؟”
ما أحضرته كان عقداً جميلاً فخماً دون مبالغة. رفعت آنا العقد بيديها بحماس، تدور في مكانها.
“ما رأيك أن ترتدي هذا اليوم؟ سيبدو رائعاً عليك!”
آنا، التي تحب أن تزينني دوماً، بدت في قمة الحماسة.
لكن…
“لا.”
“لماذا؟”
لأنه… هدية أُرسلت بالخطأ من القصر.
العقد الذي تمسكه آنا كان من بين الهدايا التي وصلتني أمس من القصر الإمبراطوري.
حلية جميلة في وسطها حجر أزرق لامع من الياقوت.
‘مهما كان القصر ثرياً، لا يمكن أن يرسل لي شيئاً بهذا الثمن كمجرد هدية.’
ربما تم تبديله بشيء آخر.
كنت أنوي إعادته بهدوء عندما أرى سكالين اليوم، لكن كيف اكتشفته آنا؟
“إنه العقد الذي وصل أمس. سأعيده.”
“ولماذا تعيدينه؟”
“لأنه وصل بالخطأ.”
بدت على آنا خيبة أمل واضحة.
صحيح أن لدي مجوهرات كثيرة، لكنها لم ترَ قطعة بهذه الدرجة من الجمال من قبل.
“لكن هل أنتِ متأكدة أنه أُرسل بالخطأ؟”
“نعم، متأكدة.”
“همم… ومع ذلك، أليس مناسباً لكِ تماماً؟”
رفعت آنا العقد بجانب وجهي. انعكس في الحجر الأزرق وجهي وعيناها.
“انظري! لونه مثل لون عينيكِ تماماً آنستي!”
“توقفي عن المزاح وأعطيني إياه.”
ابتسمت بخفة وأنا أمد يدي نحوها، ثم وضعت العقد في علبته من جديد.
“ياللخسارة، بدا كما لو تم صنعه من أجلكِ…”
تمتمت آنا، غير راغبة بالتخلي عنه حتى النهاية.
***
في طريقنا إلى القصر بعربة واحدة، شعرت بأن قلبي يخفق بلا سبب.
لم يكن ركوب العربة مع هارين غريباً، لكن وجهتنا هذه المرة كانت قصر ولي العهد سكالين، بعد عشر سنوات كاملة.
غمرتني مشاعر غريبة من تدفق ذكريات الطفولة.
“هارين، كيف تشعر؟”
سألته وهو يحدق بصمت عبر النافذة.
ربما وافق على المجيء لأنه يريد مصالحة سكالين.
“بماذا؟”
“مشاعرك. لم تره منذ عشر سنوات.”
كنت قد تحدثت مع سكالين في حفل البلوغ، أما هارين فغاب طوال الوقت.
ربما لم يتبادلا سوى نظرة. لابد أنه متحمس لرؤيته الآن.
“لا أدري.”
أدار رأسه ببطء نحوي، وعلى وجهه ابتسامة خفيفة.
‘حتى لو قال ذلك، هو متحمس بلا شك.’
ابتسمت بدوري. فكرة رؤيتهما يضحكان معاً مجدداً جعلتني أشعر بالدفء.
“هارين، لنقضِ وقتاً ممتعاً اليوم.”
كانت تلك الجملة نفسها التي كنت أقولها له كل مرة قبل أن ننزل من العربة ونحن صغار.
نظر إليّ، ثم فتح باب العربة فجأة.
“حسناً، أختي.”
ابتسمنا لبعضنا ثم نزلنا.
القصر الذي رأيناه لم يتغير أبداً. كأن عشر سنوات لم تمر.
الحدائق، الأروقة، كل شيء كما كان في طفولتنا.
“أميرة، الدوق الشاب… لقد مر وقت طويل.”
بينما كنت أتأمل القصر، استقبلنا السيد ألكسند بابتسامة دافئة كما في الماضي.
“السيد ألكسند!”
حييته بفرح، ورد بابتسامة لطيفة.
كنت قد رأيته للحظة في الحفل وشعرت بالأسف لقصر اللقاء، والآن أراه من جديد.
“سيدي الشاب أيضا، مضى وقت طويل. هل كنت بخير؟”
نظر نحو هارين، لكن هذا اكتفى بانحناءة خفيفة دون رد.
هارين، أين ذهبت آدابك…؟
“أين… أين سمو الأمير الآن؟”
بدت عليّ الغرابة وأنا أستخدم لقب سموّ الأمير بعد هذا الغياب الطويل.
ابتسم ألكسند بتردد، وكأنه في موقف حرج، ولم يجب فوراً.
لماذا يبدو متوتراً…؟
“لم أتوقع أن أرى صديقي القديم بهذه السرعة.”
خرج صوت من خلفه. كان رجلاً ذا شعر فضي يسير بخطوات هادئة.
“لو كنت أعلم، لأعطيتك الهدية بنفسي حينها.”
كان ينظر إلى هارين بصوت يحمل سخرية خفية. ابتسامته كانت مهذبة، لكن فيها برودة غريبة.
…ما هذه الأجواء؟
نظرت بين الاثنين بدهشة.
هارين كان ينظر إلى سكالين بوجه بارد، لا أثر فيه للفرح.
كنت أظن أنه سيسعد، لكنه لم يفعل.
لقد سمعت قصة العداء من جانب هارين فقط، ولم أعرف ما في قلب سكالين.
والآن، بدأت أفهم.
‘الكره لم يكن من طرف واحد… بل من الطرفين معاً.’
يا للمصيبة…
التعليقات لهذا الفصل " 35"