34. الهدية القادمة من القصر الإمبراطوري
“أنا مجنونة، فعلاً مجنونة.”
انتهى بي الأمر إلى تحديد موعد مع سكالين. ببساطة، انجرفت مجددًا مع إيقاعه.
“كنت مشوشة التفكير، لم أستطع الحكم بعقل، سيليا يا غبية…”
بمجرد أن أنهى سكالين عرضه بالأمس، انتهت الأغنية.
ملأ القاعة لحن هادئ جعل الناس ينزلون من المسرح الواحد تلو الآخر.
‘لو لم أوافق في تلك اللحظة، لظنّ الجميع أن بيننا أمرًا غريبًا…’
فقد كان بعضهم يراقبنا أصلًا، يتساءل عما يحدث بيني وبينه.
لذلك لم أجد بدًا من قبول اقتراحه.
“هل من المنطقي أن أراه مجددًا بعد يومين؟”
لم أتوقع أن تصل الدعوة بهذه السرعة. نظرتُ إلى بطاقة الدعوة الموضوعة أمامي بنظرة غيظ.
“العجيب أنهم يؤخرون الدعوات المهمة، لكن مثل هذه تصل في لمح البصر.”
كانت البطاقة الذهبية التي سلمتني إياها آنا صباحًا تشبه تمامًا سابقتها.
لكنها هذه المرة خلت من الزهور الطبيعية، واكتفت ببريق لامع غريب.
“كان الأجدر أن تهديها لسوران يا سكالين الأحمق…”
لم أستطع العثور على سوران سيلياس بالأمس مهما حاولت.
الناس كانوا كُثرًا، ثم إن الرقص مع سكالين أنهكني فلم أستطع فعل شيء بعدها.
بعض الرجال عرضوا عليّ الرقص، لكنني رفضت الجميع.
ومن بينهم بالطبع كان رون.
‘ذلك الرجل المقنّع … هل رقصتِ معه؟’
سؤال غريب.
كان أكثر اهتمامًا بمعرفة ذلك من اهتمامه برقصة معي. لم يغادر حتى سمع مني ثلاث مرات أنني لم أفعل.
“ذلك الرجل لم يظهر بعدها، أكان زائرًا أجنبيًا؟”
وربما كنت أنا من لم يره فحسب. حتى سكالين وسوران لم أرهما يرقصان معًا.
والآن، لقب الشريكة الأولى في الحفل—الذي كان من المفترض أن يكون لسوران في الرواية الأصلية— التصق بي أنا.
آه… لا شيء يسير كما في القصة الأصلية.
بينما كنت أتنهد وأسترجع تفاصيل الأمس، طرق أحدهم الباب.
“آنستي، هل أستطيع الدخول؟”
“نعم؟”
كانت آنا. دخلت الغرفة ورفعت يديها مبالغَةً ثم لوّحت فوق رأسها قائلة بحماس.
“آنستي! هناك هدية وصلت لكِ في قاعة المدخل!”
“هدية؟ لي أنا؟”
“نعم! حجمها كبير جدًا، عليكِ أن تريها بنفسك!”
هدية؟ من مَن يا ترى؟
فكرت قليلاً ثم أومأت بخفة.
“سأنزل حالًا.”
بعد أن خرجت آنا، وضعتُ الدعوة في الدُرج وغادرت إلى الممر.
“هارين؟”
“أختي؟”
“ما الذي أتى بك إلى هنا؟ أليس الآن وقت التدريب عادة؟”
كنت في طريقي إلى القاعة حين التقيت به.
لم أره منذ بدأ الحفل أمس حتى عدنا إلى القصر، وحين سألته ماذا كان يفعل، أجاب ببرودٍ غير معتاد.
‘تدريب.’
تدريب؟ حتى في قاعة الحفل؟ ولماذا هو هنا في وقت التدريب إذًا؟
“قالوا إن هدية وصلت لي.”
“لك أيضًا؟”
من يكون المرسل إذًا؟ من عائلة شريكة في أعمال والدي؟
أملت رأسي قليلًا ثم نظرت إلى هارين بجانبي.
كان شعره المرتب يثير الضحك حين قارنته بتسريحة سكالين بالأمس.
“ما الذي يضحككِ؟ هل هناك شيء على وجهي؟”
سأل باستغراب، فهززت رأسي نافية.
“لا، فقط… تسريحة شعرك تختلف كليًا عن تسريحة صاحب السمو بالأمس.”
لم أقلها له، لكن شعر سكالين بالأمس كان غريبًا بحق. منسقًا بعناية… ومع ذلك فيه نوع من الحرية التي لا يمكن تفسيرها.
بالطبع، مظهره الباذخ جعل ذلك لا يبدو مضحكًا، لكن لا يمكن إنكار أنّه كان غريبًا قليلًا.
“……”
آه، هل ضحكت كثيرًا؟
على ما يبدو، ضحكتي التي خرجت حين تذكرت سكالين بدت لهارين كأنها سخرية، فقد تغيرت ملامحه على الفور.
“هارين، لم أضحك عليك. فقط تذكرت سكالين، الأمير…”
“أختي.”
بمجرد أن نطقتُ باسم سكالين، قاطعني هارين فجأة. عينيه الحادتين اتجهتا نحوي مباشرة.
“هاه؟”
حين ينظر إليّ هكذا… أشعر ببعض الخوف فعلاً.
رغم مرور عشر سنوات، ما زال في نظري أخي الصغير اللطيف، لكن عندما يحدق بي بتلك النظرة، أتجمد دون قصد.
انتظرت ما سيقوله، فسمعت أنفاسه الطويلة تتردد في الجو.
ما الذي يحاول قوله بهذا التردد؟
غرابة تصرفه جعلتني أبلع ريقي دون وعي.
“لا أريدكِ أن تقتربي من الأمير.”
“هاه…؟”
تفاجأتُ من كلماته غير المتوقعة.
بالطبع، لم أكن أنوي التقرب من سكالين كثيرًا. على الأرجح سيكون لقاؤنا القادم هو الأخير.
لكن ما قاله شيء، وما كنت أفكر به شيء آخر. ما الذي جعله يقولها بهذه الصراحة؟
كنت أظن أن كلامه السابق عن أن سكالين ‘ليس صديقه’ لم يكن جادًا…
فهل حدث بينهما شيء فعلًا؟
“……”
ظل صامتًا للحظات.
وجهه بلا تعبير كالعادة، يستحيل أن أقرأ ما يفكر به.
ثم تمتم بصوت خافت.
“إنه ليس شخصًا جيدًا كما تظنين.”
كان صوته خفيضًا إلى درجة أنني لم أسمعه بوضوح.
“هارين، لم أسمعك. ماذا قلت؟”
اقتربت منه ومددت أذني نحوه. أطلق تنهيدة طويلة، ثم هزّ رأسه.
“لا، لا شيء.”
“هم؟”
“مجرد تمتمة لاتهم.”
ثم استدار عني، منهياً الحديث.
مجرد ماذا؟ بعد كل هذا؟ هل هذا معقول؟
***
“هارين، هل أنت جاد؟”
حين وصلنا إلى القاعة، لم أتوقف عن مضايقته. كيف يثير فضولي ثم يتهرب بهذا الشكل!
“آنستي، سيد هارين، سررت بقدومكما.”
استقبلنا السيد فروين بابتسامة ترحيب، وخلفه كانت تصطف صناديق هدايا ضخمة.
“هل… كلها لنا؟”
سألت وأنا أشير إليها، فأومأ برأسه.
“الهدايا على اليمين موجهة للآنسة سيليا، والتي على اليسار للسيد هارين.”
أشار بيديه إلى الجهتين.
كم عددها بجدية؟
“ومن أين جاءت هذه؟”
“من القصر الإمبراطوري، هذا الصباح.”
“القصر…؟”
هل هي هدايا شكر بعد حفل البلوغ؟ هل أرسلوا كهذه لكل النبلاء؟
يا له من سخاء إمبراطوري، بذخ جنوني.
مددت يدي أتحسس الصناديق المرصوصة أمامي.
‘خمسة صناديق… أرسلوا الكثير فعلًا.’
كل صندوق ملفوف بقماش رقيق وأنيق، وعليه بطاقة باسم صاحبه.
“آنستي! افتحي واحدًا بسرعة!”
ظهرت آنا فجأة، تلتصق بي بحماس. كانت دائمًا تستمتع بمشاهدتي أفتح الهدايا.
“حسنًا، لنبدأ بهذا.”
تناولت الصندوق الوردي أمامي. كان كبيرًا، يحتاج ليدين لحمله.
‘لكنه خفيف؟’
بالرغم من حجمه، كان وزنه خفيفًا. ربما وشاح عنق أو شيء مشابه، هكذا توقعت.
فالهدايا الرسمية عادة متشابهة.
“أوه…؟”
ما إن فككت الشريط وفتحت الصندوق، حتى ظهر لي شيء أجمل مما توقعت.
“يا إلهي، إنه رائع يا آنستي!”
كان في الداخل قبعة حريرية فضية، مزينة بزهور زرقاء وصفراء.
خِفتُها جعلتها تبدو منعشة كنسيم الربيع.
“نعم… جميلة جدًا.”
هدية فاخرة لكونها مجرد تذكار.
خيوطها ناعمة وثمينة، لا تباع في السوق بسهولة.
فكرتُ أنني قد أرتديها في زفاف روين القريب.
بينما كنت أتأملها مبتسمة، ناداني فروين.
“آنستي، هل نرمي هذه الصناديق؟”
كانت بين يديه ثلاثة صناديق باسم هارين. يبدو أنه غادر دون حتى أن يفتحها.
“هارين لم يأخذ هداياه؟”
“قال لي أن أرميها…”
قالها بحرج وهو يمسك بها.
حقًا؟ أن يرميها دون أن ينظر حتى؟ اليوم تصرفاته غريبة تمامًا.
تنهدت وأشرت إلى فروين.
“لا، أعطني إياها. سأوصلها له لاحقًا.”
“شكرًا لكِ، آنستي.”
تنفس الصعداء بوضوح.
فحتى خادم مخضرم مثله لا يجرؤ على التخلص من هدية إمبراطورية.
أتفهمه تمامًا.
التعليقات لهذا الفصل " 34"