33. رفيقة اللعب
لا أفهم كيف آلت الأمور إلى هذا الوضع.
أنا أرقص الآن مع سكالين ديفيدسون.
بل وأكون شريكته الأولى أيضًا.
“ترقصين أفضل مما ظننت.”
في اللحظة التي كنت فيها أتبع حركته بذهول، لامس نَفَسه أذني.
“لأنني… نبيلة.”
تسلّل صوته المفاجئ فارتجفت للحظة، لكنني لم أظهر ذلك.
‘لكن… أليس هذا الوضع محرجًا بعض الشيء…؟’
كنت مشغولة فقط بفكرة أنني أرقص مع سكالين بعد زمن طويل، ولم أُدرك أن هذه الرقصة تتضمّن تلامسًا كبيرًا.
رقصة تمسك فيها الأيدي وتقترب الأجساد للتحرك معًا.
لم تكن هذه أول مرة أرقص فيها على مثل هذا اللحن، لكنّ شعور اليوم مختلف تمامًا.
لم أتخيل أصلًا أن أمسك يد سكالين هكذا…
وفوق كل ذلك… كنت مدركة جدًا ليده الموضوعة على خصري.
ليست موضوعة فحسب، بل تكاد تحتضنني تمامًا…؟
حين لفّت يده الكبيرة الصلبة خصري، شددت بطني دون وعي.
“هل هناك ما يزعجكِ؟”
كنت أتحرك بتصلّب وأنا أحبس أنفاسي، فسمعته يسألني.
هو بدا مرتاحًا تمامًا، أما أنا فكنت الوحيدة التي تشعر بالحرج، فأشحت بصري.
“لـ، لا… لا شيء.”
أيتها الأغنية، أرجوكِ انتهي، انتهي بسرعة.
كلما وعتُ شيئًا، وجدت نفسي أعي أشياء أخرى تباعًا.
حتى الخطوات التي أطأها بدأت تتشابك… حقًا، هذا أسوأ ما يمكن.
وحين أوشكت الأغنية على نهايتها، همس سكالين مجددًا.
“سيليا.”
“…نعم؟”
“هل نرقص أغنية أخرى؟”
ماذا…؟ ما الذي يقوله؟ ألا يدرك كم أتمنى أن تنتهي هذه الأغنية؟
رفعت بصري بسرعة بعد أن كان منخفضًا دهشةً من كلماته.
وعندما نظرت إليه، كان سكالين يحدّق بي بعينين هادئتين، كأنه كان يتوقع هذا.
“أخيرًا نظرتِ إليّ.”
كان يحدق في وجهي بوضوح، كمن يحفظ ملامحه في ذاكرته.
وحين حاولت صرف نظري عن المسافة القريبة فجأة، شدّ سكالين قبضته حول خصري.
“لا تتهرّبي، انظري إليّ.”
هل كان واضحًا عليّ؟
ارتبكت ونظري يتخبط في الفراغ قبل أن أعود لأنظر إليه.
عندها، ضحك سكالين، كما لو أنه يتسلى.
“كنتِ حقًا مرتبكة. قلتها مزاحًا، لكن أصبت.”
صوته المازح لامس أذني، وحرارة خفيفة صعدت إلى أطراف أذني.
“…ليس صحيحًا.”
“لقد أقنعتني تمامًا.”
مستفزّ…
سكالين الذي أراه اليوم مختلف كثيرًا.
صحيح أن ذاكرتي باهتة بعد عشر سنوات، لكنه لم يكن بهذه المراوغة حينها.
“لقد تغيّرت كثيرًا عمّا كنت عليه في طفولتك.”
“عشر سنوات كفيلة بتغيير الجبال.”
“…..؟”
ما هذا؟
لمحة وجيزة، لكن ملامحه اسودّت قليلًا. كان يبتسم، لكن الشعور تغيّر.
“لماذا تنظرين هكذا؟ هل تأثرتِ لأنني نضجتُ كثيرًا؟”
حين التقت عيناه بعينيّ، رفع طرف شفتيه بخفة.
…..
يا لي من حمقاء لأقلق عليه.
ضحكت بصوت خافت دون تفكير، فابتسم هو أيضًا كما كان في الماضي.
رؤيته يبتسم هكذا أعادت إلى ذهني ملامح طفولته، وشعرت بدفء في صدري.
هذا على الأقل لم يتغير…
“نعم، لقد نضجتَ فعلا.”
ابتسمت بدوري. اتّسعت عيناه قليلًا، ثم ابتسم بخفوت.
“أنتِ لم تتغيري يا سيليا.”
“…هل هذا مدح؟”
“من يدري.”
ما زال يحب المراوغة…
لكن رغم كل ذلك، صار قلبي أكثر هدوءًا من ذي قبل.
“آه، يبدو أن الأغنية أوشكت على النهاية.”
طالت طويلًا.
الموسيقى التي ملأت القاعة كانت تقترب من ختامها.
‘ومع ذلك، ربما من حسن الحظ أنّ الأمر انتهى ونحن بهذا القدر من الارتياح.’
كنت أظن أننا سنلتقي بعد طول غياب في جوٍّ متكلّف ومحرج، لكنّ الأمر لم يكن سيئًا كما توقعت.
بل إن بعض ذكريات الطفولة عادت، فشعرت بالامتنان.
” سموّ الأمير، سررت بلقائك بعد هذا الزمن. أرجو أن يمتلئ ماتبقى من ليلتكَ بما يبهج قلبك.”
حين لم يبقَ الكثير على انتهاء اللحن، ودّعت سكالين.
كنت سعيدة برؤيته، لكن بدا أن هذا هو الوقت المناسب للانصراف.
لأنني أمضيت وقتًا أطول مع سكالين، فسيصعب عليه لقاء سوران.
“سموّك؟”
حتى بعد أن أنهيت تحيّتي، ظلّ سكالين بلا أيّ تعبير.
لم يفعل شيئًا سوى أن يحدّق بي.
لماذا يتصرّف هكذا فجأة…؟
“لماذا تفعل… آه، انتظر لحظة!”
عندها شدّ سكالين قبضته التي لا تزال تمسك بخصري وجذبني نحوه بعنف.
“مـ… ماذا تفعل؟”
حين استعدت وعيي، كانت شفتا سكالين قريبتين من شفتيّ إلى حدٍّ يكاد يلامسهما.
وجهه، الذي صار أقرب مما كان أثناء الرقص، كان كافيًا ليصبغ وجنتَيّ بالحمرة.
وبينما كنتُ أتفادى عينيه من شدّة الحرارة التي غمرت وجهي، دوّى صوته المنخفض عند أذني.
“لأني نادم.”
هاه…؟
كلمة خرجت بلا شرح جعلت فهم الموقف صعبًا.
يعني… يقصد أنه نادم لأن الرقص انتهى؟
“هل تحبّ الرقص؟”
رفعت رأسي بسرعة لألتقي بعينيه.
انعكست صورتي واضحة في عينيه الحمراوين.
أم لا…؟
“…ماذا؟”
حدّق بي مذهولًا ثم أطلق ضحكة قصيرة كأنّ السؤال لم يكن يُطاق من السخافة.
لكنه ظلّ يكتم ضحكته بصعوبة.
“سيلّيا.”
“نعم، يا سموّك.”
لم تزل بقايا ابتسامة على وجهه.
‘هل كان سؤالي مضحكًا لهذه الدرجة…؟’
عينيه، اللتان غمقتا أكثر من أيام الطفولة، كانتا ممتلئتين بي بالكامل.
“تعالي إلى جناح وليّ العهد قريبًا.”
ها…؟
أملت رأسي حائرة.
“عذرًا؟”
“خمس مرّات.”
فتح كفّه أمامي.
“لم تفي بها بعد.”
خمس مرات؟ لم أكمل…؟
ماذا يقصد…؟ آه!
بينما كنت أبحث في ذهني عن المعنى، ومضة من ذكرى عبرت خاطري.
‘تعالي مع هارين خمس مرات.’
يعني أنه يريدني أن أُكمل تلك المرات الآن؟
يا له من ظالم.
“تُسمّى تلك الحالات عادةً عدم إكمال، لا عدم الوفاء.”
أنزلت كفّه عن وجهي.
“لماذا؟”
“لماذا ماذا…؟ بالطبع لأنك أنت من غادر!”
لكنني لم أستطع إكمال الجملة.
بصراحة، سفره المفاجئ للدراسة كان بشكل غير مباشر…بسببي.
ومهما قلت فلن يكون ذلك في صالحي.
“على أيّ حال، لا يمكن.”
تجنّبت عينيه بهدوء.
صحيح أن رؤيته بعد زمن طويل أسعدتني قليلًا، وزيارة واحدة أخرى لن تكون مرهقة،
لكن بما أنّ القصة الاصلية قد بدأت، فبقيّة وقته الآن تخصّ سوران سيلياس.
وقد أخذتُ بالفعل دور ‘الشريكة الأولى’، فلا يليق أن أستولي على وقته أيضًا.
“إذا لا تملكين سببًا وجيهًا للرفض؟”
ثمّ تعالي فحسب.
أرخى يده التي كانت تمسك بخصري، فاستغليت اللحظة وتراجعت بسرعة.
“بل لديّ سبب.”
“وما هو؟”
يا للإصرار…
كنت أعلم منذ صغري أنه عنيد، لكن لم أتوقّع أن يبقى كذلك حتى الآن.
نظر إليّ بعينين حادتين كأنّهما تخترقان صدري.
“أنا… مريضة.”
“تعالي في يومٍ لا تكونين فيه مريضة.”
“بل… سأكون مريضة لاحقًا.”
“ولم تذكري متى بالضبط.”
مهما حاولت تفادي نظره، لم أستطع الهرب من حمرة عينيه المصرّتين.
ما الذي يريده بالضبط…؟ الموسيقى ستنتهي قريبًا.
وإن انتهت، فربما يسمع الآخرون حديثنا.
عندها، سيبدأ الناس فعلًا بالشكّ بيننا…
ألا يقلقه هذا؟
“كانت مجرد كلمات في الطفولة…”
“لكنها كانت وعدًا.”
“عذرًا؟”
“هل يعني هذا أن وعود الطفولة بعد عشر سنوات لا تُحسب؟”
‘هل يمكن أن يسمّى ذلك وعدًا؟ كنتُ فقط مجبرة.’
سكالين ضيّق عينيه بخفة، كانت تعلو وجهه ابتسامة تسلية، كما لو كان يقرأ أفكاري تماما. خلف ابتسامته صدق حقيقي.
“ثم ماذا؟ …. في هذا العمر، أترغب أن ألعب معك كرفيقة لعب؟ وأنت تحتفل لتوك ببلوغك سن الرشد؟”
“نعم، العبي معي.”
“ماذا؟”
كنت امازحه، لكنه قالها بوجهٍ جادّ وابتسامة كاملة.
“كني رفيقة لعبي.”
هاه… هذا ليس ما قصدته.
التعليقات لهذا الفصل " 33"