لم يستطع سكالين أن يصرّح صراحةً بأنه يريد رؤية أخت هارين،
فاكتفى بأن يتذرّع برغبته في لقاء آل بارانتيس.
كان قد رأى الدوق داميان، والد هارين، من قبل، لذا من الواضح أن تكون الفتاة الواقفة إلى جواره هي أخته الكبرى.
لكن لسببٍ ما، لم يجد لا الدوق داميان ولا سيليا بارانتيس.
“همم… لست متأكدًا تمامًا، يا صاحب السمو. هل ترغب أن أبلّغه أنك تبحث عنه؟”
لم يفهم ألكسند سبب تصرف سكالين المفاجئ، لكنه علم أن للأمير دافعًا ما لحضوره هذه الوليمة النادرة، خصوصًا بغياب هارين.
“لا، لا داعي.”
‘لا أريد أن أُثير ضجة بلا سبب.’
لم يكن ينوي التحدث إلى سيليا أو مقابلتها مباشرة، كان كل ما أراده أن يراها من بعيد، فقط ليرى أي نوع من الأشخاص هي.
مجرد فضول بسيط، لا أكثر.
“ألكسند.”
“نعم، يا صاحب السمو.”
“لنعد.”
“عفواً؟”
نظر ألكسند إلى الأمير ثانية. بدا عليه الإرهاق.
“لكنها أول مرة تحضر فيها وليمة منذ زمن، أتريد المغادرة بهذه السرعة؟”
“لم تعد مسلّية.”
استدار سكالين فجأة.
تصرفاته هذا اليوم كانت غريبة على غير عادته، فهو، رغم عناده المعروف، نادرًا ما يُظهر نزقًا طفوليًا كهذا.
لم يفعل في الحفل سوى الرد بفتور على تحيات النبلاء وإلقاء نظراتٍ سريعة حوله دون اهتمام.
“حسنًا، كما تشاء.”
لم يُخفِ ألكسند فضوله بشأن سبب حضوره، لكنه أيقن أن الأمير لم يجد في هذا الحفل الممل ما يستحق البقاء لأجله، فهو بالأصل حفلٌ تجاري يدور حول مصالح النبلاء وصفقاتهم.
“سأجهز العربة عند بوابة القصر.”
تقدم ألكسند خطواتٍ إلى الأمام، متجهًا نحو المخرج، بينما تبعه سكالين بخطًى متثاقلة.
لكن، ما إن كاد يعبر بوابة القصر، حتى أوقفه صوتٌ رنانٌ مليء بالدهشة.
“واو… القصر الإمبراطوري ضخم حقًا! لم أتخيل أنني سأزور مكانًا كهذا في حياتي!”
***
كانت تلك كلمات إعجابٍ عفوية.
حتى لو كانت الزائرة هنا لأول مرة، فمن النادر أن يجرؤ أحد على التفوّه بمثل هذا الكلام بصوتٍ عالٍ عند مدخل القصر.
خصوصًا بصوتٍ نقيٍّ مفعمٍ بالحيوية كهذا، صوتٍ لا يُسمع كثيرًا في هذه الأروقة الباردة.
‘ما الذي… تقوله؟’
التفت سكالين نحو مصدر الصوت. كانت فتاة نبيلة صغيرة تنظر إلى القصر بانبهارٍ واضح.
رفعت رأسها تنظر إلى القباب العالية، ثم شكّلت بيديها إطارًا مربعًا أمام عينيها.
“آه، لو كان عندي هاتفٌ الآن… لالتقطت صورةً رائعة.”
قالت كلماتٍ غريبة لا يفهمها أحد، تتحسر فيها على عجزها عن تصوير المشهد.
دون وعي، اختبأ سكالين بين الشجيرات يتأملها.
شعرٌ ذهبيّ يتجاوز كتفيها قليلًا، وعينان زرقاوان صافيتان كبحيرةٍ في صباحٍ بارد، وفستانٌ فاخرٌ لا يرتديه إلا أبناء الأسر رفيعة المقام.
لم يكن قد رآها من قبل، لكنّه أدرك فورًا، دون حاجةٍ إلى سؤال.
‘إنها أخت هارين الكبرى.’
سيليا بارانتيس، الابنة الكبرى لبيت بارانتيس.
اهتزت الأغصان حين فقد سكالين توازنه قليلًا، وسقطت بعض الأوراق اليابسة فالتفتت الفتاة بخوفٍ حذر.
“مـ… من هناك؟!”
بدت كمن ضُبط على فعلٍ لا يجب أن يُرى.
تردد سكالين للحظة، هل يخرج الآن ليعرّف بنفسه أم يتراجع؟
وفجأة—
“مياو.”
خرج قطّ صغير من الجهة التي يختبئ فيها. اقترب من سيليا وفرك رأسه بساقها في دلال، فزفرت الفتاة أنفاسها براحةٍ.
“آه، قطٌّ فقط… ظننت أن هناك أحدًا.”
مررت سيليا يدها على صدرها بضع مرات لتُهدِّأ نفسها، ثمّ بدأت تربّت على رأس القطة التي كانت تداعبها بلُطف.
“يا قِطّ، أين بيتك؟ ماذا تفعل هنا وحدك؟”
كانت تتحدث إلى القطة دون أن تدري أن سكالين يراقبها من بين الأشجار.
وبسبب ذلك، امتلأت عينا سكالين بصورة وجهها المشرق وهي تبتسم.
‘ما الذي يُضحكها إلى هذا الحد؟’
لم يفهم سكالين سبب ابتسامتها المستمرة منذ أن رآها أول مرة.
كانت ترتدي فستانًا فاخرًا، وقطة شوارع مجهولة الأصل تلتف حولها وتمسح رأسها بثوبها، ومع ذلك لم تتذمّر أو تبتعد، بل ظلت تضحك بسعادة.
أيّ فتاة نبيلة أخرى كانت لتصرخ ‘قذرة!’ وتهرب بعيدًا.
‘إنها ليست مميزة، بل غريبة فقط.’
كلام هارين الذي قال إن شقيقته ‘مميزة’ لم يكن صحيحًا في نظر سكالين.
هي ليست إلا نبيلة شابة ذات طبع لطيف وطيب قليلاً.
لا شيء أكثر.
لكن لِماذا إذًا…
حتى بعد رؤيتها بنفسه، لم يختفِ فضوله نحوها.
ظلّت رغبته في معرفة من تكون سيليا كما كانت قبل رؤيتها تمامًا.
‘سمعتُ عنها كثيرًا من هارين…’
ما الذي جعل هارين متعلقًا بها إلى هذه الدرجة؟
هل كانت تبتسم له بالطريقة نفسها التي تبتسم بها لتلك القطة؟
هل لذلك أصبح أكثر إشراقًا مع الوقت؟
تدافعت مئات الأسئلة في ذهن سكالين وهو يراقبها.
لكن كلّها كانت تصبّ في سؤال واحد.
‘هل أستطيع أنا أيضًا أن أُلوَّن بوجودها كما تَلوَّن هو؟’
كان يشعر بالغيرة… وبالقلق.
لم يكن أحد يرغب في رؤية رفيقه الذي سار معه طويلًا يبتعد نحو طريق آخر.
وبينما هو غارق في أفكاره، اقترب منه أحدهم.
قال ألكساند وهو يلهث قليلًا.
“عذرًا، سموّ الأمير. تأخّرتُ، كان الزحام شديدًا فلم أستطع إحضار العربة فورًا. العربة جاهزة هناك، يمكنكم الانطلاق حالًا.”
لم يتلقَّ ردًّا.
“…سموّ الأمير؟”
وحين التفت ألكساند إلى الاتجاه الذي كان سكالين ينظر إليه، استدار الأخير فجأة.
“لنذهب، ألكساند.”
“…نعم، صاحب السمو.”
مشى سكالين نحو العربة بخطوات ثابتة، كأنه تخلّى عن كلّ تردده.
كانت سيليا لا تزال خلفه، تضحك وهي تلعب مع القطة.
لكنه لم ينظر إليها مجددًا.
جاء فقط ليراها من بعيد، وليس ليتحدث معها.
“…سأغادر.”
لكن بعد بضع خطوات، التفتَ قليلًا إلى الوراء.
كانت لا تزال تضحك.
ابتسم بخفة لا إرادية.
‘رغم ذلك… يحيطها نور حقًا.’
اعترف في نفسه أن هارين لم يكن مخطئًا تمامًا.
***
أنا الآن في حالة ذهول تام.
سكالين، الذي يفترض أن يكون مع سوران سيلياس، كان يقف أمامي ويمدّ يده نحوي!
ويحدّق في عينيّ بثبات أيضًا!
هل ضلّ الطريق؟
المعذرة… مكانك هناك، ليس هنا!
لكنني كنت متوترة جدًا فلم أستطع قول أي شيء.
لم أفهم لماذا جاء إليّ أو لماذا يمدّ يده نحوي. هل يُفترض بي أن أمسكها؟ أم أرفض؟
إن رفضت فقد يُحدث ذلك ضجة، لكن إن قبلت فقد يتغير مسار القصة الأصلية.
أكره ذلك حد الموت!
والأسوأ، ليس فقط مسار القصة ما سيتغير، بل ستلاحقني وصمة كوني شريكته الأولى للأبد!
‘يجب أن أرفض!’
عزمت أمري وفتحت فمي بتصميم.
صحيح أن رفض دعوة وليّ العهد في مناسبة كهذه سيصنع شائعة، لكن هذا أفضل من أن اتسبب في خلاف مع حبه للمستقبلي سوران.
“صاحب السمو، أنا…”
أغمضت عينيّ بقوة.
سيكون الأمر صعبا، لكن لاحقًا لن أندم.
وقبل أن أكمل كلامي، التقطت أذناي همس امرأتين خلفي.
“كما توقعتِ، الشريكة الأولى للأمير هي الآنسة سيليا!”
“طبعًا، فهي شقيقة صديق طفولته، السيد هارين.”
“لو لم تكن الآنسة سيليا لكان الأمر أغرب في الواقع.”
…هاه؟
إذًا لا مشكلة؟ لا شائعات سيئة عني؟
“سيليا.”
ناداني أبي بصوت منخفض وحازم، كأنه يقول.
“لماذا لم تمسكي بيده بعد؟”
آه… هكذا إذن.
يبدو أن الشخص الوحيد الذي لم يكن يتوقع أن يأتي إليّ هو… أنا.
التعليقات لهذا الفصل " 32"