31. الفضول
بعد انتهاء خطاب سكالين، ازهرت أجواء الحفل، وبدأت الألحان الموسيقية معلنة بداية الرقص.
وكان الجميع يترقب من ستكون شريكة سكالين في الرقصة الأولى من حفل بلوغه.
أول شريكةٍ لوليّ العهد بعد غياب عشر سنوات.
مجرد التفكير في ذلك كان كفيلاً بأن يجعل الجميع يطمحون إلى نيل هذا اللقب.
‘الآن سيتوجه نحو آخر القاعة، أليس كذلك؟’
لكنني كنت أعلم جيّدًا من ستكون نجمة هذا اليوم.
سوران سيلياس.
تلك الجالسة في آخر الصف بين هذا الجمع الغفير.
سكالين، الذي سئم من هذه الاحتفالات المتكلّفة، اتجه نحو سوران سيلياس لتكون شريكته الأولى.
وهكذا بدأ لقاؤهما الأول.
لهذا السبب حاولت أن أجد مكان جلوسها مسبقًا.
وبينما كان يخطو بثباتٍ نحو الأسفل، التفتُّ أبحث عنها من جديد.
أين يمكن أن تكون؟ كيف وجدها سكالين أصلًا؟ أخذت أرفع رأسي يمينًا ويسارًا أبحث بعينيّ، وعندها سمعت صوتًا مألوفًا يناديني.
“الآنسة سيليا بارانتيس.”
…ماذا؟
“هل لي بشرف هذه الرقصة؟”
لماذا… سكالين أمامي؟
***
“سمو الأمير، أرجوك، دعنا ننهي هذا اليوم بسلام.”
ما إن وصل ألكسند إلى مكتبة سكالين حتى مسح العرق المتجمّع على جبينه، وهو ينظر حوله بقلق خشية أن يسمعه أحد.
“معذرةً، كنت مستعجلًا.”
قال سكالين مبتسمًا ابتسامة خفيفة، وطرح القناع الذي كان يرتديه على الطاولة المجاورة.
شعره الفضي، الذي اعتنى بترتيبه بعناية منذ الصباح، بدا مشوّشًا قليلًا من الخلف بسبب القناع.
قال ألكسند بنبرةٍ توحي بالإنهاك.
“سموك، أرجو أن تدرك أنّ الأمر الوحيد المستعجل اليوم هو حفل بلوغك الرشد.”
كان صبره على وشك النفاد. فكيف يبقى هادئًا والمحتفى به اختفى يوم الاحتفال؟
رفع ألكسند القناع الذي تركه سكالين على الطاولة، وتأمّله.
كان قناعًا أنيقًا مزيّنًا بريشٍ أبيض يغطي العينين والأنف، وقد بدا كأنه صُنع خصيصًا له، متناغمًا مع شعره الفضيّ اللامع.
“من أين أتيتَ بهذا القناع يا سيدي؟”
“همم… لست أذكر.”
تنهد ألكسند بعمق. لم يكن هذا أول تصرف طائش يقوم به سكالين.
وفي كل مرة يفعلها، يكون السبب نفسه…
“كنتَ مع الآنسة سيليا، أليس كذلك؟”
توقّع ألكسند ذلك مسبقًا.
لقد انتظرها عشر سنوات، لذا كان يفهم شعوره، لكن…
“حتى في تلك اللحظات القصيرة، ألم تستطع الصبر، سمو الأمير؟”
ماذا لو رآه أحد؟
فحسب تقاليد البلاط، لا يُسمح للمحتفل ببلوغه أن يلتقي أحدًا قبل الحفل بأسبوع كامل.
حتى عودة سكالين إلى القصر كانت مؤجلة عمدًا إلى أيام قليلة قبل الحفل، خوفًا من أن يذهب خفيةً لرؤيتها.
لكن يبدو أن الأمير كان أكثر جرأة مما توقّع.
“أنا لا أسمح لأحدٍ أن يأخذ ما هو لي.”
قالها سكالين وهو يبتعد عن ألكسند، ناظرًا إلى الخارج حيث ساد الصمت في الساحة أدناه.
بعد قليل سينزل بدوره ليستقبل الحاضرين، لكنه بدا كمن ينتظر شيئًا آخر تمامًا غير حفله.
ثم التفت مبتسمًا بمكرٍ وقال.
“لم أستطع أن أترك المتعة تفوتني.”
ابتسامته تلك جعلت ألكسند يعجز عن الرد، كأنها تقول: لم أستطع التحكم في نفسي.
“سموك… أخبرك بهذا منذ الصغر. الآنسة سيليا ليست ملكًا لك.”
تنهّد ألكسند في نفسه.
آه… يبدو أن مشقة الأيام ستزداد من اليوم.
***
منذ صغره، لم يكن سكالين طموحًا.
فما حاجته إلى الطمع، وكل ما في الإمبراطورية سيؤول إليه يومًا ما؟
نُثرت في طريقه أشياء كثيرة يمكن أن تسلّيه، لكنه نادرًا ما استمتع بها.
كان هناك شيء واحد فقط يتمناه.
“يبدو أن جلالته لن يحضر اليوم أيضًا.”
أكان ما ينقصه هو اهتمام أبيه وعطفه؟
“نعم، يا صاحب السمو… الإمبراطور مشغول جدًا هذه الأيام…”
قال الخادم المرتبك، فابتسم سكالين بسخرية.
‘مشغول؟ بل يقضي وقته في الفساد كالعادة.’
لم يكن أحد ليتخيل أن والد الإمبراطورية العظيم كان يعيش حياة من الفسق واللهو.
“حضّر العشاء.”
كان سكالين الطفل يعرف أكثر مما يليق بعمره، وربما لهذا السبب بدا عالمه خاليًا من الألوان.
“أراك الأسبوع القادم، يا صاحب السمو…”
في ذلك العالم عديم اللون كان هناك هارين.
خجولٌ، سريع البكاء، لكنه لم يكن مكروها عند سكالين. لم يكن عزيزًا عليه كثيرًا أيضًا.
لكن هناك أمرًا واحدًا أعجبه فيه.
“إلى اللقاء، هارين.”
كان فراغ الألوان مثله تمامًا. غير أن ذلك تغيّر في وقت ما.
“صاحب السمو! لقد أتيت!”
منذ متى بدأت ألوان هارين تتبدّل؟
العالم الأسود الذي اعتاده سكالين بدأ فجأة يزدهي بألوانٍ لم يعرفها من قبل.
“انظر، صاحب السمو! أختي رسمتني اليوم!”
حين يتحدث عن أخته، يشعّ كقوس قزح في السماء.
“…ومن هذا بالضبط؟”
“من غيره؟ بالطبع أنا!”
مجرد دائرة وأربعة خطوط، كيف يكون هذا هارين؟
أحيانًا كانت ألوانه شديدة التوهّج حتى يعجز سكالين عن فهمها،
لكن قصصًا عن ‘أخته’ كانت دائمًا ما تبدو له مثيرة.
“صاحب السمو! أختي حكت لي قصة مخيفة، أتريد أن تسمعها؟”
كان يروي له حكاياتٍ تقشعرّ لها الأبدان.
“صنعت البسكويت مع أختي! تريد أن تتذوق؟ هذا احترق قليلًا، لكن هذا من صنعها، طعمه جيد… رغم أنه مالح.”
وأحيانًا يقدّم له قطع بسكويتٍ فظيعة.
“هارين، ما هذا الذي ترتديه؟”
“خسرت في حجر ورقة مقص مع أختي…”
وكان يأتي بأفعال لا تُفهم.
عندها بدأ سكالين يتساءل عن تلك ‘الأخت’.
من تكون هذه التي أضفت كل تلك الألوان على عالمٍ أبيض واسود؟
هارين، الذي كان نسخةً باهتة منه، تغيّر كليًا بسببها.
“هارين.”
“نعم، يا صاحب السمو؟”
“أي نوع من الأشخاص هي أختك؟”
كان مجرد فضول.
الأخت التي لم يسمع عنها طوال سنوات لعبه مع هارين، صار فجأة لا يتحدث إلا عنها.
“هممم… أختي…”
ارتسمت ابتسامة على وجهه وهو يفكر.
انتظر سكالين بشغف أن تفتح شفتاه، ليرى من تكون تلك التي جعلت عالمه يتلوّن.
وحين أجاب، خطر ببال سكالين خاطرٌ واحد.
“أختي… شخصٌ مميز، يحيطها نور.”
أرغب في مقابلتها.
***
رآها للمرة الأولى في إحدى الحفلات الصغيرة.
كان سكالين نادرًا ما يحضر حفلات القصر، بل منذ وفاة والدته لم يحضر أيًّا منها.
لم يكن ملزمًا بذلك، ولم يرغب في رؤية والده أيضًا. لكن في ذلك اليوم تحديدًا، قرر الحضور لسببٍ ما.
‘صاحب السمو! أختي ستذهب الأسبوع القادم إلى حفل القصر!’
‘وأنت؟’
‘أنا ما أزال صغيرا فمنعني والدي، لذا ستذهب هي وحدها!’
كان ذلك الخميس الماضي، حين جاء هارين لزيارته وأخبره أن أخته ستشارك في حفل القصر.
كلامٌ عابر، لكنه بقي في ذهن سكالين، ومنذ تلك الليلة لم يستطع النوم بسهولة.
ربما كان السبب شوقه لرؤية تلك التي جعلت عالم هارين يتلوّن.
لأول مرة منذ زمن شعر بارتباكٍ جميل.
‘حسنًا، سيكون الاستماع إلى قصصها أمتع حين أعرف وجهها.’
تمامًا كما استمتع برؤية الألوان تتسلل إلى حياة هارين.
أقنع نفسه بتبريراتٍ واهية، وسار نحو القصر بعد طول غياب.
“نحيّي الشمس الصغيرة للإمبراطورية، الأمير سكالين.”
حين دخل الحفل، هرع النبلاء لتحيته، لكن تحياتهم كانت بلا معنى.
‘ما دام هارين غائبًا، فلا بد أن أبحث عنها بنفسي.’
“ألكسند.”
“نعم، يا صاحب السمو.”
“أين يحضر أفراد عائلة بارانتيس اليوم؟”
ما إن دخل القاعة حتى أخذ يتلفت حوله.
لم يكن يعرف من النبلاء إلا القليل ممن رآهم طفلًا،
إضافة إلى هارين، الذي لم يحضر اليوم.
“تقصد السيد هارين؟ هو لم يأتِ.”
“لا.”
رفع سكالين نظره نحو أليكسند.
“أريد فقط أن أرى عائلة بارانتيس.”
التعليقات لهذا الفصل " 31"