17. الهدية
لم يمضِ وقت طويل على عودتي من الحفل، وها أنا أتوجه من جديد إلى القصر الإمبراطوري.
لكن هذه المرة، ليس لمقابلة الإمبراطور، بل من أجل سكالين.
‘……محرج جدًا أن ألتقيه هكذا مباشرة.’
ذلك اليوم، عندما طلبت من والدي فجأة أن أقابل جلالة الإمبراطور، لم يقل شيئًا.
فقط حدّق بي مليًا.
كان يبدو وكأنه يفكر في شيء ما، لكن لم يكن لدي طريقة لمعرفة ما كان يدور في ذهنه.
عدت إلى القصر بلا أن أتلقى أي جواب، وحاولت بسرعة أن أهرب بعد أن ألقيت التحية.
فخلال كل ذلك الوقت، لم يوجّه إليّ أبي أي كلمة. لذلك كنت متأكدة أنه اعتبر طلبي مجرد هراء.
‘سيليا.’
عندما كنت على وشك النزول من العربة، ناداني أبي.
‘الآن، أنا مشغول جدًا، سيكون صعبًا. لكن عندما تُرتَّب الأمور، سيستدعيك والدك بنفسه.’
رغم أن وجهه كان خاليًا من التعبير، إلا أن صوته بدا وفيه لمسة من الدفء.
‘لكن…… حتى بعد مرور ثلاثة أيام، لم يستدعني بعد.’
قال إنه مشغول، لذا عليّ أن أصبر الآن.
لم أظن أنه كان يكذب. فعليًا، بعد الحفل بدا أكثر انشغالًا من قبل.
“كان عليّ أن أخبر كبير الخدم اليوم بنفسي……”
لو فعلت، لما أضفت أعباء جديدة على أبي.
آه… لماذا في تلك اللحظة ضعفت مشاعري؟
بينما كنت أنظر إلى المنظر المألوف خارج النافذة وأحاول ترتيب أفكاري المعقدة، سمعت ضحكة هارين بجانبي.
“هارين، هل يعجبك الأمر لهذه الدرجة؟”
التفتُ نحوه فرأيته يعانق شيئًا صغيرًا بين ذراعيه ويضحك بسعادة.
“نعم! إنه الهدية التي أعطتني إياها أختي! أحبها كثيرًا!”
أخرج الشيء من حضنه ومدّه نحوي.
في راحة يده الصغيرة كان هناك قلادة على شكل سيف، تتلألأ بلون فضي.
‘كانت آنّا محقة. لم أتوقع أن يعجبه لهذه الدرجة.’
كنت قد أعطيت هارين هدايا من قبل، لكنه لم يُظهر هذا القدر من السعادة أبدًا.
حتى التنين المحشو الذي سلبه منه سكالين وجعله يبكي بشدة، لم يفرح به إلى هذا الحد.
الهدايا السابقة كانت تتمحور حول فكرة ‘أنها هدية مني’،
أما هذه المرة، فالميدالية على شكل سيف بدت كأنها تركز على ‘الهدية نفسها’.
“هذا رائع.”
حتى في اليوم الذي لم يُسمح له بالذهاب إلى الحفل، صار هادئًا بمجرد أن أعطيته تلك الهدية.
‘هل ينجذب إلى السيوف بشكل غريزي؟’
“سأذهب وأتفاخر بها أمام الجميع!”
“حسنًا، تأكد أن تُريها للأمير أيضًا.”
وحينها، تحدّث عني قليلاً.
ابتسمت بخفة، وهارين أومأ بحماس.
‘يا له من طفل لطيف.’
“لكن يا أختي.”
“همم؟”
“ألم تشتري هدية أيضًا للأمير سكالين؟”
كان يعبث بميداليته وهو يرمقني بنظرات جانبية.
‘إذن لقد رآها في ذلك الوقت……؟’
قبل الذهاب إلى الحفل، كنت قد طلبت من الخادمة أن تحضر الهدايا من غرفتي.
كانت هناك هديتان: واحدة لهارين والأخرى لسكالين.
لكن بما أن آنّا لم تكن موجودة، لم تعرف الخادمة أيهما لهارين، فأخذت الاثنتين.
“آه…….”
ارتسمت خيبة طفيفة على وجه هارين وهو ينتظر جوابي.
إذن، هو لا يريدني أن أعطي شيئًا لسكالين، أليس كذلك؟
الأطفال أحيانًا يرغبون أن يكونوا ‘المميزين الوحيدين’.
ماذا أفعل…؟
نظرت إلى هارين الذي يحدّق بي، ثم هززت رأسي.
“لا، هذه الهدية فقط لك يا هارين.”
“……حقًا؟”
“نعم، حقًا!”
بصراحة، علاقتي مع سكالين ليست في مستوى تبادل الهدايا بعد.
صحيح أنني اشتريت له هدية، لكن الأفضل أن أعطيها لاحقًا.
لا داعي لإحباط هارين الآن بشيء ليس وشيكًا.
“إذن اذهب وتفاخر أمام الأمير! قل إنها هدية من أختك!”
ابتسمت ابتسامة مشرقة، وهارين الذي كان يحدق بي بدهشة ابتسم بدوره.
“نعم، أختي! سأخبره بالتأكيد!”
رغم أنني شعرت ببعض التناقض، إلا أن……
‘لا بأس، ما دام الجو لطيفًا!’
هكذا ظلّت علاقتنا نحن الأشقاء ودّية كالمعتاد.
***
“أميرة سيليا، الدوق الصغير هارين. أهلًا بكم.”
عند وصولنا إلى القصر، كان أول من استقبلنا كالمعتاد هو كبير الخدم ألكسند.
ابتسامته الطيبة المعتادة ارتسمت على وجهه وهو يمد يده نحونا.
“هل كنتَ بخير؟”
“نعم، وهل كنتِ بخير أيضًا، سموكِ؟”
صرت معتادة على التعامل معه، فأومأت برأسي براحة.
“وماذا عن الأمير؟”
ما إن نزلت من العربة، حتى بدأ هارين بالبحث عن سكالين وهو يقبض على ميداليته الفضية.
كان من الواضح أنه يتلهف ليفاخر بها، فقد ارتفعت زوايا فمه بشكل لم يستطع السيطرة عليه.
“آه، الأمير سكالين؟ هو هنا…….”
ابتسم كبير الخدم بفخر وهو يستدير.
“سيليا، مرحبًا.”
التقت عيناي بعيني شخص مألوف.
‘هاه…؟’
الشخص الذي حيّاني بودّ لم يكن سوا……
“صاحب السمو…؟”
هل هذا حقًا ذلك المتجهم، سكالين…؟
في تلك اللحظة، أنا والجميع هنا رمقنا سكالين بنظراتنا.
خشيت أن يكون ناداني بالخطأ، لكن عيناه الحمراوان كانتا متجهتين نحوي تمامًا.
“…مرحبًا بكم، صاحب السمو.”
ارتبكت، وأغمضت عيني للحظة وأنا أتلقى تحيته.
فانحنت عيناه التي كانت تلتقي بعيني إلى شكل نصف قمر.
ذلك الابتسام بدا غريبًا جدًا، حتى إنني أطبقت شفتي دون وعي، لكنني لم أُظهر ذلك.
‘ما الذي يحدث هنا…؟’
ومرت ساعتان منذ وصولي إلى هذا المكان. وبصراحة، صُعقت بما يجري أمامي.
فالأمر هو أنّ…
‘صاحب السمو، ما هذا؟’
‘شاي.’
يجلس بهدوء ثم يمدّ لي كوبًا من الشاي.
‘…وهذا أيضًا ما هو؟’
‘كيك.’
حتى أنه قدّم لي قطعة الكعك الموضوعة أمامه.
وقبل كل ذلك…
‘سيليا.’
زاد عدد المرات التي يناديني بها.
بل في الماضي كان شبه معدوم، أما اليوم، ففي ساعتين فقط ناداني أكثر من ثلاث مرات!
لكن المشكلة أنّ ندائه لا يحمل أي مغزى يُذكر.
“نعم، صاحب السمو.”
“…سأكون مع هارين هناك في الأمام.”
“هـ؟ ن-نعم، كما… تشاء.”
هل هذا فعلًا سكالين الذي كان يتجاهلني طوال الوقت؟
صحيح أن نبرة كلامه لا تزال جافة، لكن تصرفاته مختلفة جدًا عن المعتاد.
“يا كبير الخدم.”
“نعم، أميرة.”
“هل من الممكن أن يكون صاحب السمو قد فقد ذاكرته مؤخرًا؟”
رمقت سكالين من بعيد وهو مع هارين، ثم سألت.
لكن أليكسند أمال رأسه باستغراب.
“مستحيل يا أميرة.”
“إذن… ربما أصابه مرض ما…”
سألت بجدية، فهزّ كتفيه بلا مبالاة.
“لا يُعقل… لماذا تظنين ذلك؟”
“لأن…”
‘هذا ليس سكالين الذي أعرفه.’
حبست كلماتي الأخيرة في حلقي، واكتفيت بابتسامة محرجة.
‘خصوصًا إذا تذكرتُ آخر لقاء بيني وبينه، فهذا مستحيل تمامًا.’
حين صمتُّ، ابتسم أليكسند برفق.
“الشيء المؤكد هو أن صاحب السمو كان ينتظر مجيئكِ بشوق.”
وهذا بالذات هو ما يُخيفني أكثر…
‘هل يمكن أنه يحاول توريطي ببطء بسبب ما حدث مع ديريك…؟’
تدفّق شعور بالخوف المجهول داخلي، فأسرعت أنفي تلك الفكرة.
لا، عليّ أن أكون هادئة. في النهاية هو مجرد طفل في التاسعة.
‘لكن إذًا… لماذا؟’
مهما فكرت لم أجد أي سبب منطقي.
“على كل حال، ألا ترين أن هذا أمر جيد بالنسبة لك، يا آنسة؟”
“…ماذا؟”
“ألم تكوني تتمنين التقرب من صاحب السمو؟”
كان سؤاله مفاجئًا، لكنني وجدت نفسي بلا جواب.
“…صحيح.”
“إذن لماذا تضفين معاني أخرى على تصرفاته؟”
كلماته بدت مقنعة بشكل غريب.
ما كنت أريده فعلًا هو تحسين علاقتي مع سكالين، وهذا اللطف هو بالضبط ما كنت أتمنى أن أراه.
صحيح أن فضولي يقتلني حول سبب تغيره المفاجئ، لكن… كما قال، الوضع ليس سيئًا إطلاقًا.
فهذا أفضل بكثير من أن أكون شخصًا شفافًا لا يراه.
بالضبط! كانت هذه آخر فرصة تقريبًا للتقرب منه، فبين لقاءاتنا الخمسة انتهينا من أربعة منها بالفعل.
هذا تحول إيجابي بلا شك.
“أجل… معك حق.”
شعرت براحة أكبر بعد محادثة كبير الخدم. ربما أراد فجأة أن يكوّن صداقة معي، لا أكثر.
لم أشأ أن أعقد الأمر أكثر من اللازم، فأخذت قطعة من الكعك الذي ناولني إياه سكالين وتذوقتُها.
وهكذا بدأت أستمتع بالجو المريح وذلك العصر اللطيف.
لكن فجأة…
“هارين؟”
اقترب مني هارين، الذي كان يفترض أن يلهو مع سكالين.
“…أختي.”
“همم؟”
كان وجهه عابسًا جدًا.
“…لن تتزوجي صاحب السمو، صحيح؟”
إيهــه؟
التعليقات لهذا الفصل " 17"