14. حفل القصر الإمبراطوري (1)
“يا لِسَعة المكان…….”
دخلتُ قاعة الحفل الكبرى خلف والدي.
منذ الخارج كانت مكتظة بالناس، لكن بالداخل بدا أن عدد الحاضرين أضعاف ما كان بالخارج.
“حضرة الدوق، مضى وقت منذ آخر لقاء.”
“آه، مركيز ديلي. أكنت قد وصلت باكرًا؟”
“أعتذر للقائي بك فور وصولي، لكن لدي ما أقوله بخصوص مشروع هذه المرة. هل لي أن آخذ من وقتك قليلًا؟”
حقًا، إنه والدي……
ما إن ظهر في الحفل، حتى تدافع الكثيرون نحوه لإلقاء التحية.
ألقى والدي عليّ نظرةً مترددة، فأومأت له بهدوء.
“سأكون هناك أتناول بعض الكعك يا أبي.”
وأشرت بابتسامة مشرقة نحو ركن الحلويات، فارتسمت ابتسامة خفيفة على محيّاه.
“سأعود سريعًا.”
ربّت بكفه الكبيرة على رأسي، ثم سرعان ما اختفى عن ناظري.
ليس أمرًا لم أكن أتوقعه. هذه ضريبة أن يكون أبي شخصية محبوبة ومرموقة.
تاركةً والدي بين أوساط النبلاء المنهمكين في أحاديث جادة، توجهت إلى ركن الحلويات.
‘حقًا، لعلها ميزة أن يكون هذا القصر الإمبراطوري. كل شيء يبدو شهيًّا.’
اصطفت أصناف الكعك والمشروبات المرتبة بدقة. حتى أنا التي لا أحب الحلو كثيرًا وجدت نفسي أرغب بتذوق بعضها.
‘هذا النوع يحبه هارين.’
وقعت عيناي على كعكة مألوفة الشكل.
كيك صغير تعلوه فراولة مغموسة بالعسل. كانت الكعكة المفضلة لدى هارين، شقيقي المهووس بالحلويات.
‘عجيب كيف أن الأذواق تختلف إلى هذا الحد.’
لم أملك سوى الابتسام وأنا أتذكره.
على النقيض من هارين، لو رآها سكالين ربما سيعقد حاجبيه فورًا.
فهو لا يحب الحلو. حتى حين أعدّت البطلة بنفسها الشوكولا، بالكاد تناولها.
‘آه، بالمناسبة…… هل جاءت هي أيضًا اليوم؟’
وبينما كنت أسترجع مشاهد من الرواية الأصلية، رفعت رأسي وأخذت أتفحص القاعة.
فقد تملكني أمل أن ألتقي البطلة في هذا الحفل.
في الحقيقة، لطالما كنت فضولية بشأنها، لكن لم أفكر يومًا بالذهاب إليها بنفسي.
فمن حيث المكانة، أنا ابنة دوق، وهي صاحبة نسب متدنٍ. لم أجد مبررًا للبحث عنها.
ثم…… أنا، شقيقة الشرير، لو قصدتها عمدًا، فماذا عساني أن أفعل؟
لكن ذلك إن أنا سعيت إليها بنفسي.
‘أما إن التقيتُها هنا صدفة، فيكفيني إلقاء تحية عابرة.’
شدّدت قامتي باعتداد، مستعدةً لمواجهة فضولي.
وبينما كنت أدير رأسي، متفحصة الحاضرين بعيون مترقبة، ألقى ظلّ كثيف على وجهي.
“أوه، أليست هذه الآنسة سيليا؟”
كان صوت فتاة غريبة.
التفتُّ إلى مصدر الصوت، فرأيت ثلاث فتيات في مثل عمري تقريبًا.
“إنها حقًا الآنسة سيليا!”
كانت الفتاة ذات الشعر الأحمر الواقفة في الوسط هي من نادتني.
“……؟”
من هذه..…؟
نادَتني بألفة وكأنها تعرفني.
لم أتوقع أن يقترب مني أحد في هذا الحفل، فارتبكت وصرت كالبكماء.
‘قبل أشهر لم يكلمني أحد……!’
ظننت أنني سأبقى صامتة كما فعلت في الحفل السابق، لكن بدا أني أخطأت في ظني.
رمقتني ذات الشعر الأحمر بتعجب، وكأنها استغربت تجهمي.
“آنسة الدوقية؟”
شعر أحمر…… ملامحها أيقظت في ذاكرتي مشاهد من الرواية، حتى خطر ببالي الاستنتاج.
“الآنسة… من منزل تريتا؟”
“بالضبط! أنا أورورا!”
……أوه، أصبت.
ما إن سمعت اسمها حتى تهاطرت المعلومات إلى ذهني.
أورورا، أصغر بنات أسرة الكونت تريتا.
‘لكن…… لماذا اقتربت مني؟’
إن لم تخنّي الذاكرة، فهي في الرواية إحدى الشخصيات الثانوية الشريرة.
صحيح أنها لم تكن شيئًا أمام أخي هارين، العقل المدبر، لكنها كانت تلقى الانتقاد في كل ظهور.
كانت تتعامل باحتقار مع من هم دونها مكانة، وتتكبر على الجميع.
ذلك كان طبع أورورا.
“آه، نعم. مضى وقت طويل.”
بالنسبة لي، التي كانت مولعة بالبطلة الأصلية، لم يكن ظهورها هذا مفرحًا أبدًا.
تمنيت أن أرى البطلة، فإذا بي أواجه هذه.
يا لسوء حظي.
“……آنسة سيليا. ماذا تفعلين هنا؟ إن كنتِ وحدك، فهل تودين البقاء معي؟”
بدا أن أورورا فوجئت برد فعلي البارد أكثر مما توقعت، فابتسمت بتكلّف وهي تتعلّق بذراعي.
‘تناديني بالآنسة فحسب، لا بآنسة الدوقية؟’
كانت تبتسم متظاهرة بالمودة، وهو ما أزعجني، لكنني لم أدفعها بعيدًا.
لأنني لم أعرف بعد العلاقة الحقيقية بين سيليا وهذه الفتاة.
وفي اللحظة التي شبكت فيها أورورا ذراعها بذراعي لتظهر قربها مني،
“ماذا تفعلين؟ ألا ينبغي أن تُحضري شيئًا تشربه الآنسة؟”
قالت أورورا فجأة وهي تنظر إلى بنات النبلاء أمامها مبتسمة.
“هـه……؟ أنا؟”
ما هذا الكلام.
نظرت إليها مذهولة، وهي تُلقي الأوامر على بنات نبلاء وكأنهم خدمها.
وحين التقت عيني بعينيها، ظنّت أن نظرتي إشارة موافقة، فارتفع صوتها بثقة.
“هل يوجد غيركن هنا؟ يمكنكن أن تطلبن من أحد الخدم المار أن يحضر شيئًا.”
هل هذه هي إذًا طغيان أبناء البيوت الثرية الذي لا يروى إلا في الحكايات؟
كانت أصغر مني بقليل، ومع ذلك تتحكم بالآخرين ببراعة مذهلة.
“آنسة أورورا، ما الذي تفعلينه……”
“سموكِ، أرجوكِ انتظري قليلًا. سأحرص على أن تحصلي قريبًا على شراب منعش!”
بنات النبلاء اللواتي معها بدَون في حرج، لكن لم يجرؤن على فعل أي شيء.
وكأن كلمات أورورا قانون واجب الطاعة، لم يفعلن سوى التململ والنظر في الأرض.
‘لا بد أنهن لسن من الأسر النبيلة ذات المكانة العالية.’
أو ربما أسرهن تحتمي ببيت الكونت تريتا.
“ها.”
خرجت مني ضحكة ساخرة قصيرة.
منذ جئت إلى هذا العالم، لم أشهد تمييزًا قائمًا على الطبقة الاجتماعية،
ولم أظن أنني سأراه يتجلى على أيدي أطفال لم يبلغوا الثالثة عشرة.
“هل ستبقين واقفة هكذا؟ ألا تدركين من ستصير هذه السيدة في المستقبل! إنها مخطوبة لسمو الأمير……”
“آنسة أورورا.”
ناديتها بصوت منخفض بينما كانت تعلو بنبرتها.
حين ناديتها، نظرت إليّ بعينين متسعتين كعيني أرنب، كما لو أنها لم تفعل شيئًا.
“نعم، سموكِ.”
لم تُبدِ ارتباكًا، بل ابتسمت كأنها تنتظر مني مدحًا.
وبالنظر إلى تصرفاتها، فلا بد أن سيليا الحقيقية كانت ذات طبع شبيه بها.
‘ليس أمرا غريبا، كون سيليا الابنة الكبرى لعائلة شرير مستقبلي. يا لسوء طباعها.’
“متى طلبتُ أنا شرابًا؟”
سؤال هادئ لكنه بارد، جعل عيني أورورا تتسعان فجأة.
“هـه……؟ لا، أعني، خشيت أن تكوني عطشى……”
“وهل طلبتُ شرابًا؟ أو حتى ماءً؟”
“…….”
“آنسة أورورا، أنتِ تقولين ما لم أطلبه وكأنه رغبة لي.”
أنا أحب الأطفال. ولهذا أتعامل معهم بتسامح أكثر من غيرهم.
لكن ثمة أمور لا يمكنني أن أقبلها مهما حدث.
“أم أن الأمر مجرد حجة، وأنكِ أنتِ من ترغبين بالشراب؟”
ذلك الطموح الواضح لتتباهى أمامهن مستخدمة اسمي.
رغبتها الفاضحة لم تكن شيئًا يمكنني التغاضي عنه.
“لـ… لا! الأمر ليس كذلك!”
“إذن كنتِ تريدين فقط أن تُظهري نفسكِ عليّ أمامهن.”
“……!”
لهذا السبب بالذات، لن أسمح لهذه الطفلة المغرورة بوقتٍ آخر للتباهي.
احمرّ وجه أورورا على الفور، وعجزت عن قول شيء آخر، ثم استدارت وغادرت المكان دون أن تلتفت.
‘……هل كنتُ قاسية أكثر من اللازم؟’
شعرت بأنها جُرحت في كبريائها، وأنا أتابعها بعيني حتى اختفت، ثم حولت بصري إلى الفتيات اللواتي بقين.
“إذن، ما أسماءكن؟ أشعر بالفضول.”
نظرتُ إلى الفتيات اللاتي جاءت بهن أورورا.
وبدا أنهن ارتعبن قليلًا من المشهد السابق.
“أنا… أنا لوين، كبرى بنات عائلة البارون لورا……”
“وأنا فريل، صغرى بنات عائلة البارون فرانك……!”
كما توقعت، أسر ذات مقام منخفض.
حتى أنا، العارفة بالأحداث الأصلية، لم أسمع قط بأسماء أسرهن.
‘هل يمكن أن تكونا على وشك الانحدار أو السقوط؟’
“فهمت. انسة لوين، انسة فريل. سأتذكر أسماءكن.”
ابتسمتُ بلطف لأُبدد الصورة القاسية التي صورتني بها أورورا.
فأظهرتا ارتباكًا لحظة، ثم سرعان ما تبسمتا ببراءة تليق بسنّهما.
“شكرًا لكِ، سموكِ!”
“إنه لشرف!”
تبادلنا حديثًا قصيرًا.
فمن الأصل، الحفل ليس للأطفال مثلنا، بل للراشدين.
أما نحن، فكل ما يمكننا فعله هو تمضية الوقت هكذا.
“ماذا؟ زيارتكِ الأولى لحفل في القصر الإمبراطوري؟”
“آه…… نعم……. هذا أول حفل كبير أحضره.”
كان الحديث معهن منعشًا؛ فقد تعلمت أشياء لم أكن أعرفها.
“والدي لا يصحبني إلى مثل هذه الأماكن كثيرًا… وسمعت أن أسرًا مثلنا بالكاد تصلها دعوة لحفلات بهذا الحجم.…”
“لوين!”
“…! نعم!”
قاطعتها فريل محذّرة وهي ترمقها بنظرة صارمة، فوضعت لوين يدها على فمها في ارتباك بعد أن أساءت لهيبة أسرتها.
“لا بأس. أفهم قصدكِ.”
هي ما زالت صغيرة وابنة بارون، فلا عجب أن تفلت منها مثل هذه الكلمات.
لكن هذا يعني شيئًا آخر…
‘إذن، البطلة التي من ذات مقامهن لن أراها الليلة على الأرجح…’
خفق قلبي للحظة ثم هدأ.
“عفوًا… سموكِ، هل أستطيع أن أسألكِ سؤالًا واحدًا؟”
“بالطبع.”
تحولت عينا فريل اللامعتان بسرعة، واحمرّ وجهها كفتاة صغيرة في سن المراهقة، قبل أن تسألني بلهفة.
“هل صحيح.… أنكِ ستصبحين زوجة سمو الأمير المستقبلية؟”
.…ماذا؟
التعليقات لهذا الفصل " 14"