125. السكينة
“سكالين……؟”
كنتُ متأكدة أنني نطقتُ بها بصوتٍ خافت، لكن المكان سكن فجأة.
سكالين، الذي كان يتحدّث مع فروين بملامح جادّة، استدار بسرعة ونظر إليّ.
أه…… هذا محرج قليلًا.
نمتُ أيامًا كاملة، لا بدّ أن مظهري سيئ جدًا الآن.
كنتُ أودّ لو أسحب الغطاء حتى فوق وجهي، لكن للأسف لم تكن لديّ القوّة لذلك.
نظرتُ إلى سكالين، الذي كان يحدّق بي شاردًا، وابتسمتُ ابتسامةً خفيفة. كانت ابتسامةً متكلّفة للغاية.
“آنستي……؟ آنستي……!”
في تلك اللحظة، اندفعت آنا من جانبي نحوي كالسهم.
“هل استعدتِ وعيكِ؟! لقد أخفتِنا كثيرًا……! خشيتُ ألا تستيقظي هذه المرّة أيضًا……!”
بدت آنا وكأنها ستبكي مجددًا، فعبست ملامحها بشدّة. لكن ربما لأنها كانت قد بكت كثيرًا قبل قليل، لم تنهمر دموعها هذه المرة.
“آسفة…… حين نهضتُ فجأة شعرتُ بدوار شديد.”
أن يُغمى عليّ فور نهوضي بكل تلك الحماسة… يا له من إحراج.
حين ابتسمتُ بخجل، نظرت إليّ آنا بعينين مليئتين بالشفقة.
كانت ملتصقة بي كأنها لن تتركني أبدًا. لكن ذلك لم يدم طويلًا، إذ اقترب فروين وربت بخفّة على كتفها.
“آنا.”
حين ناداها بصوتٍ منخفض، تراجعت مذعورة خطوة إلى الخلف.
وهكذا ظهر سكالين، الذي كان محجوبًا عنها للحظة.
‘……أحمق.’
الليل قد حلّ بالفعل، ومجيئه إلى هنا قد يسبّب سوء فهم.
التقت عيناي بعينيه مجددًا. تلك العينان الحمراوان المألوفتان كانتا غارقتين بالدموع.
تلك النظرة التي اشتقتُ إليها كثيرًا.
العينان اللتان كانتا دائمًا تخترقانني بنظراتهما… كم افتقدتهما.
“……سموّك.”
ناديته مجددًا بصوتٍ خافت.
في تلك اللحظة، شعرتُ وكأن الزمن توقّف لنا وحدنا.
رغم أن المكان كان صاخبًا، لم أعد أسمع شيئًا.
لم أستطع سوى الشعور بالأسى عليه، وهو ينظر إليّ بعينين دامعتين غير قادر على التقدّم ولو خطوة واحدة.
“اشتقتُ إليك.”
هل يدرك؟
بأي شعورٍ استيقظتُ؟
فكّرتُ أن نسياني للماضي أفضل.
لكن حين عادت الذكريات، أصبح احتمال ألا أراه مجددًا مؤلمًا للغاية.
وأخيرًا صرتُ قادرة على قول إنني أحبّه، ظننتُ أنني تشجّعت، لكنني كنتُ خائفة من أن ينتهي كل شيء هكذا.
لعلّ ذلك هو السبب.
قرّرتُ ألّا أكبت مشاعري بعد الآن.
“يدي.”
“…….”
“هلّا تمسكها؟”
كانَ دلالًا لا يشبهني. طلبًا لم أكن لأقوله له أبدًا في العادة.
لكن الآن، أردتُ أن أمسك يده الدافئة.
مددتُ يدي إليه، وهو واقف في مكانه كأنني مجرّد وهم.
عندها فقط، بدأ سكالين يقترب نحوي خطوةً… ثم خطوة، بحذر شديد.
“……سيلـيا.”
أمسك سكالين يدي الممدودة برفق. وكأنه لا يزال غير مصدّق، لمس خدّي بيده الأخرى بلطف.
ولأن لمسته كانت دافئة، فركتُ خدّي بيده.
كم رغبتُ في لمسه. كم تمنّيتُ الاقتراب من سكالين.
والآن، بعد أن تأكّدنا أخيرًا من مشاعرنا، شعرتُ بالأسف لأنني استيقظتُ متأخّرة إلى هذا الحد.
“أنا آسفة.”
“…….”
“تأخّرتُ في الاستيقاظ، أليس كذلك؟”
انظر إلى وجهك… لقد أنهكته الأيام.
وجهه الذي كان وسيمًا قد بدا شاحبًا كثيرًا خلال بضعة أيام فقط.
ولأنني أشفق عليه، رفعتُ يدي ولمستُ خدّه، فهزّ سكالين رأسه ببطء.
“……لا.”
كان وجهه، الذي كان ممتلئًا بالحزن، يحمل الآن ابتسامةً جميلة.
قد يبدو هذا المشهد مضحكًا للآخرين، ونحن نربّت على خدّي بعضنا، لكنه كان لحظة سعادة خالصة.
“شكرًا لأنكِ استيقظتِ.”
مرّر يده بحنان على خدّي. كانت لمسته مدغدغة قليلًا، فابتسمتُ دون وعي.
لم أعد أهتم بنظرات من حولنا. لم أعد أرى سوى سكالين أمامي.
كلمات لم أكن لأقولها أبدًا في العادة خرجت بلا تردّد.
“حين فتحتُ عينيّ ووجدتكَ هنا… كنتُ سعيدة جدًا، سكالين.”
خلال فترة إغمائي، أدركتُ كم كان وجوده عظيمًا في حياتي.
اتّسعت عينا سكالين قليلًا عند سماعه كلامي، ثم سرعان ما ابتسم ابتسامةً مشرقة.
كانت تلك الابتسامة التي أحببتها طويلًا.
‘أنا أحبّه إلى هذا الحدّ…….’
هو كان دائمًا يعبّر لي، بينما أنا لم أفعل ذلك قطّ.
اشتدّ القبض على اليد التي أمسكها، فلفّ سكالين يده حول يدي برفق.
“لم أتخيّل يومًا أن أسمع منكِ مثل هذا الكلام، سيليا.”
رفع زاوية فمه بمكرٍ خفيف. لكن ابتسامته اليوم لم تكن مستفزّة.
“يبدو أنني أتلقّى أخيرًا مكافأة الانتظار الطويل.”
“……أنتَ حقًا أحمق.”
فوجهه، الذي كان يبتسم بسعادة تفوق أي شيء، كان يلمع إشراقًا إلى حدّ مبهر.
***
مرّ وقت لا بأس به منذ أن استيقظتُ.
سكالين، الذي كان عليه أن يعود قريبًا، ألقى نظرة حوله ثم أشار بذقنه نحو الباب.
وخلال أقل من دقيقة، بدأ الجميع ينسحبون واحدًا تلو الآخر.
لا، لحظة… هذه غرفتي أنا، أليس كذلك؟ كيف يخرج الجميع لمجرّد إشارة منه……؟
وبينما كنتُ أنظر إليه بارتباك وهو يُخرج الآخرين، حدث ذلك.
“سموّك.”
الفارس أديل، الذي كان على وشك الخروج، أطلّ برأسه فجأة.
“الآنسة لم يمضِ وقت طويل على استيقاظها، لذا فهي بحاجة إلى راحة تامّة.”
“وماذا في ذلك؟”
“لذلك يُمنع منعًا باتًا، منعًا باتًا، الإفراط في إظهار المودّة…….”
“أديل.”
“نعم، سأنسحب فورًا.”
طَق—
حتى أديل، الذي قال ما لا داعي له بلا تردّد، خرج أخيرًا.
ومع خروج كل من جاء لزيارتي، عمّ الصمت غرفتي الصاخبة في لحظة.
وحين بقينا وحدنا هكذا……
‘هذا محرج……!’
خصوصًا بعد كلام أديل، ازداد شعوري بالإحراج.
كنتُ قبل قليل أظن أنني أستطيع قول أيّ شيء، لكن حماستي خمدت في أقل من ثانية.
“سيليا.”
“سموك……! على ما يبدو، لم يمضِ وقت طويل على استيقاظي، لذا فالأمر صعب قليلًا أن……”
“ماذا؟”
أغمضتُ عينيّ وتفوّهت بالكلام دفعةً واحدة، فجاءني صوته متعجّبًا.
هاه……؟
حين فتحتُ عينيّ قليلًا بسبب ردّة فعله غير المتوقّعة، رأيتُ البطانية بين يديه.
“هل كان طلبي بأن تستلقي بهدوء أمرًا مزعجًا إلى هذا الحد؟”
“……لا.”
يا للإحراج. يا للخزي.
شعرتُ بحرارة وجهي تندفع فجأة، فسارعتُ إلى انتزاع البطانية من يديه وغطّيتُ بها رأسي حتى آخره.
لا أظنني أستطيع النظر إلى وجهه الآن.
بعد كل ذلك الكلام المُحرِج، هل أصابني مسٌّ ما……!
وبينما كنتُ أعصر حافة البطانية بقوّة دون أن أجرؤ على إنزالها، سمعتُ ضحكته من خلفها، بدت مستمتعة.
“يبدو أنني كنتُ غافلًا قليلًا.”
“…….”
اقتلني فحسب.
إن كان بالإمكان، ففقدان الوعي مجددًا لن يكون خيارًا سيئًا.
“ذلك سأتركه لوقتٍ تكونين فيه قد تعافيتِ تمامًا.”
“…….”
“فهل تُريني وجهكِ الآن؟ لديّ ما أقوله.”
أنزل سكالين البطانية قليلًا من يدي. ظهر وجهه، وكأنه يحاول كتم ضحكته.
هاه…….
“سموك، أظن أن هناك سوء فهم……”
وبينما كنتُ أعتدل في جلستي محاوِلة التبرير على عجل، خطر شخصٌ ما في بالي فجأة.
“لكن أين هارين؟”
لم يكن من بين من خرجوا قبل قليل.
حتى حين استيقظتُ أول مرة، لم يكن هارين موجودًا.
بحسب ما قالته آنا، كان في ساحة التدريب…… فهل لم تصله الأخبار بعد؟
جميع الخدم، باستثناء والدي الذي لم يأتِ بعد، حضروا لرؤيتي، فكيف لا يأتي هارين؟
وبينما داهمني القلق وكنتُ على وشك النهوض من السرير—
“أتريدين أن يغمى عليكِ مجددًا؟”
أمسكني سكالين وأعادني إلى السرير.
ثم سحب البطانية التي كان يمسكها قبل قليل وغطّاني بها حتى العنق بعناية.
“لا أحبّ الانتظار أكثر.”
“لكن هارين……!”
أزاح برفق خصلات شعري عن جبيني.
“من يدري.”
قالها وكأن هارين لا يعنيه إطلاقًا.
“ربما يتسكّع في مكانٍ ما وهو يرثي لحاله كالأحمق.”
تمتم بذلك بهدوء.
“ما رأيكِ أن نترك هارين قليلًا؟”
“……ماذا؟”
“ذاك الفتى لم يكبر بعد.”
ابتسم سكالين بخفّة.
كنتُ أظن أن وجهه شاحبٌ ومتعب، لكن يبدو أنني كنتُ مخطئة.
وجهه وهو يبتسم ما زال جميلًا كما هو.
“ولديّ ما أريد قوله.”
“همم؟ ماذا؟”
تباطأت يده التي كانت تربّت على رأسي.
تردّد سكالين لحظة، ثم فتح فمه.
“…….”
بدأ يروي لي بالتفصيل ما حدث أثناء إغمائي.
أن المتسبّب في حادثة العربة قبل اثني عشر عامًا، والحادثة الأخيرة، هو نفسه: البارون رانتيش.
وأن من بلّغ عنه هي ابنته، سوران.
وأن هارين، بعدما رأى حادثتي، استعاد جميع ذكرياته.
أخبرني بكل شيء دون أن يُغفل تفصيلًا.
“كنتُ أنوي إخباركِ بعد أن تتعافي تمامًا، لكن موعد المحكمة بات وشيكًا.”
نظر إليّ بملامح مليئة بالقلق.
“لا داعي لأن تُجهدي نفسكِ. سأتولّى حلّ الأمر، ويمكنكِ الاكتفاء بسماع النتيجة، سيليا.”
لن يكون صدقًا لو قلتُ إنني لم أُصدم بما سمعته.
كل ما حاولتُ حمايته انكشف بالكامل بينما كنتُ فاقدةً للوعي.
كنتُ أعلم أن هذا اليوم سيأتي…… لكن أن يكون حين لا أكون موجودة؟
“على أي حال، هذه القضية لا تشمل البارون رانتيش وحده، فهناك شركاء آخرون.”
“شركاء آخرون؟”
توقّف سكالين قليلًا.
بدا واضحًا أنه لا ينوي إخباري بهذا الجزء بعد.
“سأخبركِ عنه لاحقًا.”
“…….”
“فلنكتفِ اليوم بالراحة التامّة.”
شدّ البطانية التي انزلقت قليلًا، وأعادها حتى عنقي.
“……هل ستغادر الآن، سموك؟”
“هل تودّين لو لم أغادر؟”
ابتسم سكالين مجددًا ابتسامةً ماكرة.
يا له من مراوغ….
لسببٍ ما، ابتسمتُ أنا أيضًا بخفّة لرؤية مكره الذي افتقدته.
“سموك.”
“نعم؟”
“تلك المحاكمة.”
“…….”
“أريد أن أحضرها أيضًا.”
كنتُ أعلم لماذا شرح لي كل هذا بالتفصيل.
سكالين لا يريدني أن أكون هناك.
لا بدّ أنه قلق، لأنني الضحية، وسأواجه الجاني. لكن مع ذلك، يجب أن أحضر.
“أريد الذهاب.”
فبهذا فقط أستطيع حماية الجميع.
سوران، وهارين. وهذه القصة أيضًا.
حين قلتُ ذلك بإصرار يشبه إصرار طفل، ابتسم سكالين بهدوء.
ثم أومأ برأسه ببطء.
“حسنًا، ليكن ذلك.”
ابتسم سكالين ابتسامةً دافئة، ثم ربّت على رأسي عدّة مرات.
كانت لمساته مريحة إلى درجة أنني استسلمتُ لها، وغفوتُ دون أن أشعر.
كانت سكينةً افتقدتها طويلًا.
التعليقات لهذا الفصل "125"