حالَفَ الحظُّ بيرين — ولو على نحوٍ بدا ساخرًا.
ففي الأمس فقط أنهت آخر امتحاناتها.
آخر خطوةٍ في هذا الفصل المرهق،
وكأن الحياة لم تمهلها حتى لتلتقط أنفاسها.
مع بزوغ الصباح،
لم تكن طالبةً بعد الآن…
بل عاملة.
في القصر.
خادمةً بسيطة بين عشرات الخادمات.
كانت تنشر الأغطية الثقيلة تحت هواءٍ رطب،
وتنحني طويلًا لتنقية أوراق النباتات من الحشرات.
عملٌ متواصل.
صامت.
مرهق.
تسللت خصلات شعرها المبللة بالعرق إلى جبينها،
بينما عضلاتها تصرخ بألمٍ مكتوم.
لكنها لم تتوقف.
ثمن العملية.
الكلمة وحدها كانت كافيةً لتُبقيها واقفة.
مسحت جبينها بظاهر يدها،
ثم عادت لتنحني فوق إحدى الشجيرات.
أصابعها المرتجفة تفتش بين الأوراق.
“هل تعمل أمي أعمالًا أشقّ من هذا كل يوم؟”
توقفت لحظة.
نظرت إلى يديها.
إلى الإرهاق الذي بدأ يسكنهما منذ الصباح.
قضمت شفتها.
بقوة.
“كم تحملت… دون أن ألاحظ حقًا؟”
أبعدت الفكرة بسرعة.
وكأنها تخشى ما قد يجرّه التفكير.
واصلت العمل.
أسرع هذه المرة.
بعنادٍ متعب.
كانت تحاول أن تُلهي نفسها.
أن تُخرس ذلك الصوت الداخلي
الذي يوشك أن ينكسر باكيًا.
في كل مرةٍ يثقل فيها صدرها—
تنحني أكثر.
تعمل أكثر.
أما في المنزل…
كان نولات مستلقيًا على سريره.
وجهه شاحب.
أنفاسه بطيئة.
غارقًا في نومٍ متعبٍ لا يشبه الراحة.
وكانت صورته لا تفارق ذهنها.
مهما حاولت.
نظرت إلى الساعة للمرة الخامسة.
ثم السادسة.
“ليس بعد…”
همست لنفسها.
نقلت سلة الأغطية.
رتّبتها.
ثم عادت تنظر للوقت.
“آه… بعد ساعة.”
“بعد ساعة سأذهب لأخذ تيا.”
زفرت بتعب.
وألقت نظرةً على الحديقة الممتدة.
“ما هذا المسار…؟”
“ما هذه الحياة…؟”
ارتجف صدرها فجأة بفكرةٍ جارحة:
“هل ترغب الحياة في كسري؟”
“أم في كرهي…؟”
“كلما ظننت أن الطريق استقام،
ينحرف بي إلى حالٍ أسوأ.”
تصلّبت ملامحها.
وأغمضت عينيها للحظة.
ثم همست بمرارةٍ خافتة:
“من الجيد…”
فتحت عينيها ببطء.
“من الجيد أن الدوق ليس هنا.”
شدّت قبضتها حول القماش.
“لا أرغب أن يراني… هكذا.”
صمتٌ ثقيل.
ثم أضافت في سرها، بصوتٍ أكثر خفوتًا:
“ولا أرغب في رؤيته.”
لم يتحسّن وضع نولان…
بل ازداد سوءًا.
كان الألم ينهش خاصرته بلا رحمة،
يأتي على شكل موجاتٍ حادة تسلبه أنفاسه،
وتتركه غارقًا في عرقٍ بارد ووجهٍ شاحب.
في تلك الليلة،
لم تستطع بيرين البقاء في القصر دقيقةً إضافية.
أخذت تيا وعادت مسرعة إلى المنزل،
وقلبها مثقلٌ بشعورٍ ثقيلٍ لا اسم له.
ما إن دخلت—
حتى أدركت.
شيءٌ ما ليس بخير.
كان نولان مستلقيًا،
أنفاسه متقطعة،
ويده مشدودة فوق موضع الإصابة.
“أبي…؟”
خرج صوتها مرتجفًا.
حاول أن يجيب.
لكن الألم سبقه.
لم يكن بوسعهم فعل شيء…
إلا المسكنات.
مهدئات تخفف حدّة الوجع
ولا تقترب حتى من اقتلاعه.
جلست بيرين قربه،
تراقب الألم في عينيه،
وتتذكر—
المكتبة.
لو أنها ما زالت هناك…
لو لم ترحل…
لكان بإمكانها جمع ثمن العملية بسرعة.
كان العمل ثابتًا.
هادئًا.
آمنًا.
أما الآن—
فهي تعمل في القصر.
عملٌ مرهق،
أجرٌ ضئيل،
ووقتٌ يُستنزف بلا رحمة.
ابتلعت غصتها.
نظرت إلى تيا.
الصغيرة التي كانت تراقب المشهد بقلقٍ طفولي.
اقتربت منها بيرين بسرعة،
ركعت أمامها،
وأمسكت كتفيها برفقٍ متوتر.
“اذهبي إلى غرفتكِ يا تيا.”
ابتسمت رغم ارتجاف شفتيها.
“سألحق بكِ بعد قليل.”
لم تسمح لها أن ترى.
لم تسمح أن تحفظ ذاكرتها تلك الصورة:
أبٌ يتألم،
وأختٌ تبكي.
كانت ستيلا واقفةً قرب الباب.
عاجزة.
لا تملك شيئًا تفعله…
“سيكون بخير…”
همست،
وكأنها تقنع نفسها أكثر مما تقنعهما.
لكن الحقيقة—
كانت صمتًا.
وأنينًا.
وخوفًا ثقيلًا يخنق الجدران.
مع الفجر،
اتخذت بيرين قرارها.
“سأحاول جمع أي دين.”
قالتها بصوتٍ مبحوح.
“أي مبلغ… أي شيء.”
ما إن همّت بالوقوف—
حتى امتدت يد نولات.
أمسك معصمها.
قبضةٌ ضعيفة…
لكنها كانت مليئة برجاءٍ موجع.
“بيرين…”
صوته متعب.
متكسر.
انحنت نحوه بسرعة.
نظر إليها طويلًا،
ثم قال بصعوبة:
“إن كنتِ تحبينني…”
تجمّدت.
“لا تفعلي ذلك.”
ارتجفت عيناها.
“لا تجعلي قدركِ دَينًا…”
“لا تجعلي الناس يتحدثون عنكِ.”
“لا أريد أن تُكسري من أجلي.”
“أبي…”
انفجر صوتها باكيًا.
جلست على فراشه،
دموعها تنهمر بلا سيطرة.
“أنا لا أملك خيارًا!”
رفع يده بصعوبة…
ووضعها على رأسها.
ابتسم.
ابتسامةٌ متعبة،
لكنها كانت دافئة كما عهدته دائمًا.
“وجودكِ…”
همس.
“هو ما يكفيني.”
“لا أريد مالًا يجعلكِ تنحنين.”
“لا أريد ثمنًا يُشترى بكرامتكِ.”
انكسرت أكثر.
“لكنني لا أحتمل رؤيتك هكذا…”
أغمض عينيه لحظةً تحت وطأة الألم،
ثم فتحهما بصبرٍ موجع.
“وأنا لا أحتمل رؤيتكِ تبكين.”
مرر أصابعه المرتجفة بين خصلات شعرها.
يحاول—
رغم ألمه…
أن يخفف ألمها.
في تلك اللحظة،
كان الأب الذي يتألم…
هو من يواسي.
أما بيرين،
فلم تكن تعرف:
كيف ينقذ الإنسان من يحب
دون أن يغرق معه.
اليوم التالي
لم يكن الصباح مختلفًا…
إلا بثقلٍ أشدّ.
استيقظت بيرين على جسدٍ يؤلمها
كأن الليل لم يكن راحة،
بل استراحة قصيرة بين معركتين.
في القصر—
عملت بصمت.
بجدٍّ موجع.
تنقل، تنظف، تقتلع الحشرات عن النباتات،
تمدّ الحبال، تجمع الأغطية.
كل حركةٍ كانت تؤلم عضلاتها.
لكنها لم تتوقف.
لم يعد لديهم شيء.
لا شيء يُباع.
لا شيء يُرهن.
لا شيء يُضحّى به.
الخوف وحده كان يتكاثر.
ستيلا…
كانت تعمل عمل ستّ خادمات.
وجها شاحب،
يدان مرتجفتان،
لكنها ترفض التراجع.
من أجله.
بيرين كانت تشعر بأنفاسها تثقل،
بركبتيها تضعفان.
وقفت طويلًا…
طويلًا أكثر مما يحتمل الجسد.
وفجأة—
انزلقت.
سقطت فوق الحشائش المبللة.
لم يلاحظها أحد.
أو ربما—
لم يكن لدى أحد رفاهية الملاحظة.
تمسكت بكاحلها المتعب،
ذلك الذي أنهكه الوقوف والسير والركض.
أغمضت عينيها لحظة.
“ليس الآن…”
همست بألم.
نهضت.
وعادت للعمل.
لم تخبر أحدًا.
لا أوتيس.
لا هيو.
لا لوسي.
لم ترغب في أسئلة.
ولا شفقة.
ولا إضاعة دقيقة واحدة.
كل لحظة…
كانت يجب أن تُستغل.
كانت تعلم—
لو علم هيو…
لما ترك الأمر يمرّ مرور الكرام.
حلّ الليل
وعادت بيرين.
بقلبٍ مثقل.
وجدت نولان—
أسوأ.
الألم أصبح أعنف.
أنفاسه متقطعة بصورةٍ مخيفة.
والمسكنات…
لم تعد تفعل شيئًا.
ارتجفت.
“أمي…”
نظرت إليها ستيلا بعينين غارقتين في العجز.
“لم تعد تنفع…”
لم تنتظر بيرين ثانية.
اندفعت إلى الخارج.
ركضت.
والدموع تتطاير خلفها
من شدّة سرعتها.
طرقت باب الطبيب.
بعنفٍ مرتجف.
فتح الباب—
وتعرف عليها فورًا.
“آنسة نولان؟”
“أرجوك…”
كان صوتها مكسورًا.
“أبي…”
لم يسأل.
أخذ معطفه.
ورافقها بسرعة.
في المنزل
وقف الطبيب قرب السرير.
نظر إلى نولات طويلًا.
صمتٌ ثقيل ملأ الغرفة.
تفحّص الجرح.
ملامحه تغيّرت.
وتغيّر كل شيء بعدها.
“طبيب…؟”
خرج صوت ستيلا مرتجفًا.
لكن الطبيب…
لم يجب فورًا.
تنهد ببطء.
نظرة ثقيلة في عينيه.
بيرين شعرت بقلبها يتهاوى.
اقترب خطوة.
قال بصوتٍ منخفض:
“لا يوجد ما يمكن فعله…”
تجمّدت ستيلا.
“لقد… انتهى الأمر.”
“بل… لعلّه انتهى منذ أيام.”
ارتعشت الشفاه.
“حتى لو أُجريت العملية الآن…”
هزّ رأسه بأسفٍ صامت.
نظرات خيبة الأمل
سقطت كالمطر فوق ستيلا.
“أيها طبيب…”
همست،
وصوتها يختنق.
لكنه بقي صامتًا.
في الزاوية—
كانت تيا.
بعينين صغيرتين مرتعبتين.
اندفعت بيرين نحوها بسرعة.
احتضنتها.
أدارت وجهها بعيدًا عن السرير.
“لا تنظري.”
همست وهي ترتجف.
شدّتها إلى صدرها.
أما بيرين…
فلم تستطع منع نفسها.
نظرت إلى والدها.
إلى وجهه الذي تغيّر خلال أيام.
إلى الألم الذي لم يغادره.
وهمست في داخلها…
بقلبٍ مفطور:
كيف تحملت كل هذا الألم يا أبي؟
فقط من أجلنا؟
وقف الزمن.
ولم يبقَ في الغرفة—
إلا صمتٌ
وألمٌ
وقلوبٌ تتشقق بهدوء.
التعليقات لهذا الفصل " 99"