في صباحٍ هادئٍ على غير عادة الأيام الماضية، وقفت بيرين أمام مرآتها. كانت خيوط الضوء الرمادي تتسلل من النافذة، تعانق أطراف الغرفة برفق. رفعت يديها لتجمع خصلات شعرها، ربطته بعناية وكأنها تربط أفكارها المبعثرة أيضًا.
اليوم… آخر امتحان.
فاليوم ستنتهي من هذه السنة الثقيلة، ولن يتبقى لها سوى سنة واحدة فقط.
ابتسمت بخفة، تلك الابتسامة التي لا تولد إلا من شعورٍ نادرٍ بالإنجاز. تناولت حقيبتها، ألقتها على كتفها بحماسٍ واضح، ثم خرجت بخطواتٍ خفيفة، مفعمة بطاقةٍ لم تشعر بها منذ مدة.
في الخارج، كان نولان يعمل.
انحنى يحمل أدواته، ملامحه متعبة لكن ثابتة. لمحها من بعيد، فتوقفت عيناه عندها، وكأن العالم كله اختصر في تلك اللحظة الصغيرة.
لوّح لها.
ابتسمت بيرين فورًا، ولوّحت له بمرحٍ طفوليٍ لم يفارقها تمامًا. استدار نولان ليكمل عمله، لكن ألمًا حادًا غرز في خاصرته فجأة. شهق بخفوت، يده اندفعت تمسك موضع الإصابة. تهاوى قليلًا، كاد أن يفقد توازنه.
تنفس بعمق.
شد على أسنانه.
ثم… أكمل.
رفع رأسه، وعيناه تبعتا طيف بيرين وهي تبتعد بحماسها، فابتسم رغم الألم.
في ذهنه مرت صورة ستيلا في المطبخ، وتيا في المدرسة.
وكأن الحياة… عادت إلى جذورها.
إلى دفءٍ قديمٍ من الحب.
مرّ الامتحان سريعًا.
جلست بيرين بثباتٍ غير معتاد، قلمها يتحرك بثقة، وكأن الأسئلة كانت تنتظرها تحديدًا. لم تتردد، لم ترتبك. أنهته على أكمل وجه.
وعند خروجها، كان أوتيس بانتظارها.
ابتسم فور رؤيتها، وتبادلا حديثًا خفيفًا، عن الامتحان، عن صعوبته، عن الراحة التي تأتي بعد آخر سؤال. ضحكات صغيرة، ونقاشات عابرة، لكنها خففت عنها ثقل الأيام.
انتهى اليوم.
اتجهت بيرين إلى مدرسة تيا، أمسكت يدها الصغيرة، وسارتا معًا.
تيا تتحدث بلا توقف، عن يومها، عن صديقتها، عن أشياء لا يفهمها الكبار غالبًا، بينما بيرين كانت نصف حاضرة.
في موقع العمل…
لم يحتمل نولان.
الألم هذه المرة لم يكن وخزة عابرة.
سقط.
تجمع من حوله العمال، وصوت رئيس العمل كان واضحًا وحازمًا:
“كفى، نولان. ستذهب إلى بيتك.”
حاول الاعتراض، حاول الوقوف، لكن الإصرار كان أقوى منه.
عاد… عن غير عادته.
في المنزل…
لاحظت ستيلا فورًا.
تقدم بخطواتٍ ثقيلة، عرقه يتصبب أكثر من اللازم، وجهه شاحب بطريقةٍ أخافت قلبها. تمدد على الكنبة بصمتٍ متعب.
ركضت نحوه.
قلقها كان واضحًا في عينيها المرتجفتين.
أحضرت كوب ماء بسرعة، جلست قربه، صوتها مكسور:
“نولان…”
في الطريق…
كانت بيرين تسير مع تيا.
لكن عقلها لم يكن هناك.
تسللت تلك اللحظة إلى رأسها بلا استئذان.
حادثتهم…
صوته…
قربه…
تصلبت ملامحها.
انعقد حاجباها بضيقٍ واضح.
لا رغبة لها في التذكر.
لا رغبة لها في استعادة شيءٍ تحاول دفنه كل يوم.
تنهدت بامتعاضٍ صامت.
وكعادتها…
تمنت أن يتأخر في عودته.
أن لا يرجع.
ثم، وسط هذا الصراع الخفي، تسلل سؤالٌ آخر إلى ذهنها:
هل سيصل الرسالة حقًا؟
اقتربت بيرين من باب المنزل، ممسكة بيد تيا التي كانت تقفز فوق البرك الصغيرة، تضحك كلما تناثر الماء حول حذائها.
لكن قلب بيرين…
كان مثقلاً دون سببٍ واضح.
دفعت الباب.
وما إن دخلت—
توقفت.
الهواء نفسه بدا مختلفًا.
ثقيلاً. ساكنًا.
نظرتها سقطت فورًا على الكنبة.
“…أبي؟”
كان نولان مستلقيًا، رأسه مسند للخلف، صدره يعلو ويهبط بسرعةٍ غير طبيعية. جبينه مبلل بالعرق، أكثر مما ينبغي لرجلٍ عاد للتو من العمل.
ستيلا كانت جالسة قربه، كفها على كتفه، وعيناها مليئتان بشيءٍ لم تحاول حتى إخفاءه:
الخوف.
شهقت بيرين بخفوت.
انفلتت يد تيا من يدها.
ركضت.
“ابي!”
صوت الطفلة الصغيرة كان بريئًا حدّ الألم.
جلست بيرين على ركبتيها قربه، يداها ارتجفتا وهي تلامس ذراعه.
“أبي…ماذا جرئ؟”
فتح نولان عينيه ببطء.
ابتسم.
تلك الابتسامة المتعبة التي يحاول بها الآباء دائمًا طمأنة الجميع، حتى حين يكونون على حافة الانهيار.
لكن صوته… خانه.
كان واهنًا. متقطعًا.
نظرت بيرين إلى والدتها بسرعة.
“امي؟”
تنفست ستيلا بعمقٍ مضطرب.
“قد سقط في عمله.”
تجمد قلب بيرين.
“سقط!!؟”
شعرت بيرين بشيءٍ ينقبض داخل صدرها.
ذلك الشعور الثقيل، المخيف، الذي يأتي حين تدرك فجأة أن من تعتمد عليه… ليس بخير.
مدّت يدها تمسح عرق جبينه، كما كان يفعل هو معها حين تمرض.
“لماذا لم إنك متألم؟”
نظر إليها نولان.
طويلاً.
بعينين مليئتين بتعبٍ أعمق من الألم الجسدي.
“ليس كل تعب يُقال يا بيرين.”
ارتجفت شفتاها.
في زاوية الغرفة…
كانت تيا واقفة بصمتٍ غير معتاد، لعبتها الصغيرة بين يديها، تنظر لأبيها بخوفٍ طفوليٍ صامت.
اقتربت بيرين منها، سحبتها بلطف، ضمتها لصدرها.
لكن عينيها…
بقيتا على نولان.
وفي داخلها…
بدأت الأسئلة تتراكم.
عن سقوطه.
عن إصابته القديمة.
عن إصراره المستمر.
عن ذلك التعب الذي لا يشبه “تعب بسيط”.
وشيءٌ آخر تسلل بهدوءٍ مرعب إلى ذهنها:
لو كان هذا بسبب…
(لا.)
هزّت رأسها بخفة.
لكن القلق كان قد استقر.
حلّ الليل ثقيلًا على المنزل.
المطر ما زال ينهمر، لكن بهدوءٍ هذه المرة… كأن السماء أنهكت مثلهم.
الغرفة غارقة بسكونٍ متوتر.
لا يُسمع سوى صوت عقارب الساعة…
وأنفاس نولان.
بيرين كانت مستلقية، لكن النوم كان بعيدًا عنها.
عيناها مفتوحتان في الظلام.
شيءٌ ما… لم يطمئنها.
ثم—
صوت.
خفيف.
مكتوم.
…تأوّه.
انتفضت.
جلست فورًا.
أصغت.
عاد الصوت، أوضح هذه المرة.
متقطّع. موجوع.
“أبي…؟”
نهضت بسرعة، فتحت باب غرفتها بحذر.
ضوء خافت من الصالة.
ورأت—
ستيلا كانت واقفة قرب الكنبة،
تيا نائمة على صدرها الصغير فوق الوسادة الجانبية.
لكن وجه ستيلا…
شاحب.
خائف.
اقتربت بيرين بسرعة.
“امي؟”
استدارت ستيلا، وعيناها دامعتان.
“بيرين…”
نظرت بيرين إلى والدها—
وتجمد الدم في عروقها.
نولان كان يتلوّى.
جبينه غارق بالعرق.
أنفاسه حادة، متسارعة بشكلٍ مخيف.
يده…
مشبوكة بقوة على خاصرته.
مكان الإصابة.
“أبي!”
ركعت قربه.
“أبي ما بك؟!”
فتح عينيه بصعوبة.
صوته خرج مختنقًا:
“…الألم…”
ارتعشت.
لم يكن مجرد تعب.
لم يكن بسيطًا.
كان ألمًا حقيقيًا.
قاسيًا.
نظرت إلى والدتها.
“ساذهب إلى طبيب.”
هزّت ستيلا رأسها بارتباك.
“في هذا الوقت؟ المطر—”
“لا يوجد وقت امي!”
وقفت بيرين فجأة.
قلبها يخفق بعنف.
ارتدت معطفها بسرعة، دون تفكير، دون حتى أن تشعر بالبرد.
التعليقات لهذا الفصل " 98"