بيرين تمشي تحت المطر الغزير، جسدها يرتجف من البرودة ومن صدمة ما حدث قبل قليل. كل خطوة تشعر بأنها ثقيلة، وفكرها يركض بلا توقف، يعيد المشهد مرارًا: قبضته على خصرها، قرب وجهه، دفء حضنه، ونظراته التي اقتربت جدًا. قلبها ما زال ينبض بسرعة، وكأن اللحظة لم تنته بعد.
وصلت إلى البيت أخيرًا، أغلقت الباب خلفها بسرعة، لترتطم جدران الغرفة بهدوء مطبق، وحيدة. جلست على المقعد، ويداها ترتجفان قليلاً، حاولت أن تتنفس بعمق، لكنها لم تستطع تهدئة نفسها. كلما غمضت عينيها، عادت اللحظة نفسها: يده تحميها، قربه، صوته الحاد عندما أمرها بالذهاب إلى البيت.
حاولت أن تفكر بعقلانية: هل كان كل شيء مصادفة؟ أم أن الدوق تعمد أن يصادفها مرات عدة؟ كم مرة قد تصادفوا حقًا منذ البداية؟ لم تستطع إيجاد جواب. كل سؤال يولد لها ألف احتمال، وكل احتمال يجعل قلبها يختنق أكثر.
أثناء جلوسها، حاولت أن تتحدث مع نفسها، أن تخفف من توترها، لكنها لم تجد كلمات. كل شيء بدا محاصرًا في رأسها، المشاعر، الغضب، الخوف، الدهشة، وحتى الفضول الغامض تجاه ما يحدث بينهما. لم تتكلم، تكتمت على كل شيء، كما لو أن التعبير عن مشاعرها سيكشف ما يجب أن يظل مجهولًا الفرق بينهم شاسع ماذا بينه وبينها في نظر الأرستقراطيّن ، قد كانت بلفعل تسمع لقصص العاشقات التي تحصل بين النبلاء والملوك وتنتهي نهايتها بهروب المرأة لعدم رغبة نظرة النبلاء على نبيل بنظرة مختلفة لذلك يتم إرسالها بعيداً …
بتأكيد هي ليست من تلك افعال التي تشمئز منها .
ترغب بتكوين اسرة صغيره مع رجل يحبها لنفسها هي فقط … لا تفكر كما تفكر البقية في الزواج من غني ..وشراء المجوهرات اكثر ما ترغب به حياة هادئ جداً..
مرت دقائق، ثم ساعات، لكنها لم تقدر على إيجاد إجابة، ولم تصدر كلمة واحدة. كل ما تفعله هو إعادة اللحظة في ذهنها، محاولة فهم سبب قربه منها، سبب ما فعله، ولماذا شعرت بالدفء رغم الصدمة.
كانت تدرك شيء واحد فقط: لا أحد يعرف ما يحدث بينهما، ولا حتى هي نفسها بالكامل. كل شيء محاط بالسرية والضبابية، وجو البيت الماطر يعكس حالة قلبها المزدوجة بين الخوف والانجذاب، الحيرة والدهشة.
بيرين جلست هناك، صامتة، تكتم أفكارها ومشاعرها، تاركة الصمت يملأ الغرفة، بينما المطر يستمر بالخارج، يغسل كل شيء، إلا ما في قلبها الذي بقي يترنح بين الصدمة والخوف.
جلس الدوق داخل عربته، الباب مغلق خلفه، صوت المطر المتساقط على السقف والزجاج يملأ المكان، لكنه لم يلتفت إلا لنفسه ولللحظة التي انتهت لتوه. وضع يده على الزجاج البارد، ونظر من نافذة العربة إلى بيرين وهي تتلاشى بين قطرات المطر، الصغيرة في الحجم لكن الكبيرة في أثرها على قلبه.
أغمض عينيه للحظة، واستعاد كل ما حدث قبل ثوانٍ: تلك اللحظة التي اقترب فيها منها، قلبه يتسارع، يده تكاد تلمس خديها وهي تحت صدمتها، الدفء الغريب الذي شعر به، كيف أنفه لم يصدق ما شعرت به، ولم تفعل هي أي شيء سوى صمتها المتماسك، حتى أنها انسحبت بخفة وتركته في موضعه.
ابتسم بخفة لنفسه، ضحكة خفيفة تكاد لا يسمعها أحد سوى المطر، وقال بصوت منخفض، كما لو كان يهمس للهواء:
“رغبت بإيصال تلك الرسالة… وأوصلتِ كل شيء بكلماتك، حتى دون أن تعرفي، بيرين… كل كلمة فيها تصل إلى هنا، إلى داخلي…”
رفع رأسه نحو الزجاج المبلل، يحدق في قطرات المطر التي تتساقط بسرعة، وكأنها تمثل كل لحظة طيش، كل مرة تقابله بها بلا قصد، وكل شعور لم يجرؤ على الإفصاح عنه.
نظر ثانية للشارع المبتل والمطر يتساقط بغزارة، ثم جلس مسترخياً قليلاً، يضع يده على الظرف الذي تخيله، ويهمس لنفسه:
“سأحرص على إيصالها… مهما كلف الأمر.”
مرّت الشهور.
بطيئة عليه.
سريعة على العالم.
وفي يومٍ هادئ…
عاد.
زيّ المعسكر على جسده.
لكن خطواته…
لم تعد كما كانت.
أبطأ.
أثقل.
كأنّ الأرض نفسها تمسكه.
وقف بعيدًا.
ينظر.
إلى منزله.
هناك…
كانت ستيلا تعتني بالحظيرة.
تنثر الحبوب للدجاج.
وتيا…
بدت أطول.
أكبر.
“هل مرّ الوقت بهذه السرعة؟”
وخلفهما…
بيرين.
ابنته الأولى.
فرحته.
ساعدت والدتها بهدوء.
تحمل عنها.
تفعل أكثر مما يجب على فتاةٍ بعمرها.
بيرين…
التي لم تُثقلهم يومًا بطلباتها.
التي كبرت على الصمت.
والتحمّل.
وقف نولان.
بعيدًا.
وامتلأت عيناه بالدموع.
“يجب أن أعمل أكثر…”
“أنا الرجل الوحيد.”
“هذا واجبي.”
مرّت فكرةٌ قديمة في ذهنه…
تمنّى يومًا أن يكون لديه ابن.
لكن بعد ولادة تيا…
لم تعد المصاريف تُحتمل.
فتوقّفوا.
إلا أن…
فرحته بابنتيه
كانت تكفيه…
وأكثر.
تقدّم ببطء.
اقترب من الحظيرة.
وصوته خرج…
ممتلئًا بالشوق:
— “ستيلااا!”
— “بيرينن!”
— “تيااا!”
استداروا.
ثلاثتهم.
نحو مصدر الصوت.
وتجمّد الزمن.
ركضت تيا أولاً.
بقلبها قبل قدميها.
ارتمت في حضنه.
انحنى نولان بسرعة.
احتضنها بقوة.
اتّسخت ركبتاه بالتراب.
لكنه لم يشعر بشيء.
وقفت بيرين في مكانها.
لا تصدّق.
عيناها متسعتان.
وقلبها يخفق بجنون.
أما ستيلا…
فسقط سطل الحبوب من يدها.
وانطلقت نحوه.
احتضنته بشدة.
وانفجرت بالبكاء.
ركضت بيرين أخيرًا.
ودخلت بينهما.
احتضنها نولان بذراعه المرتجفة.
كما لو أنّه يخشى أن تختفي.
كان مشهدًا بسيطًا…
لكنه كامل.
شمسٌ دافئة ظهراً.
دموع.
ضحكات متكسّرة.
وقلوب…
عادت للحياة.
تذكرت بيرين كلمات سيد تومس عن “بداية حديدة”، وابتسمت في سرها، إذ شعرت فجأة بأنها فهمت المعنى الآن: كل شيء يمكن أن يبدأ من جديد، وأن لحظات الغياب والفقدان لا تعني نهاية، بل فرصة للتقارب وفهم الآخرين.
جلس نولان في المنزل براحة، مستندًا على الأريكة، بينما ذهبت بيرين لتحضير الشاي بسرعة، وهي تتحدث معه بخفّة عن تفاصيل الأيام الماضية في المعسكر، والأحداث الصغيرة التي مرّ بها كل منهما. كانت ستيلا تمشي حولهما، تراقب كل شيء بابتسامة دافئة، تشعر بأن اللحظة تستحق أن تُحفظ في الذاكرة.
بعد قليل، وضع نولان كيسًا صغيرًا من النقود على الطاولة الجانبية أمام الكنبة وقال بصوت هادئ:
“هذه نصف ما كنت أريد سداده… سأدبر الباقي لاحقًا، لكن لا تقلقوا، ليس من الضروري أن تشغلوا بالكم الآن.”
أخذت بيرين الكيس برفق، وشعرت بدفء عاطفته يملأ المكان، وابتسمت له بتقدير، بينما كان نولان يراقب رد فعلها بخفة، كما لو كان يطمئن أن الأمور قد عادت إلى طبيعتها في البيت، وأن دفء الأسرة والألفة لا يزال يحيط بهم رغم الغيابات والفترات الطويلة.
جلسوا جميعًا في صمت ممتع لدقائق، وينظرون إلى انعكاسات الضوء على الأرض، والألوان المتناثرة بين الطيف، بينما يختلط شعور الراحة بالامتنان في قلوبهم جميعًا، وكأن المنزل قد استعاد دفئه المفقود، وملأت اللحظة الجو بالسكينة والأمل لمستقبل جديد.
جلس نولان في فناء المنزل صباحًا، الشمس متخفية خلف سحب المطر المتفرقة، ورائحة الأرض الرطبة تعبق في الهواء. رفع كتفه ليحمل صخورًا ثقيلة، يمينًا ويسارًا، محاولة منه لتدريب نفسه على التحمل، بينما تعرق جسده من الجهد المستمر. كل عضلة في جسمه كانت تؤلمه، لكن قلبه لم يتوقف عن الخفقان، وذاكرته عادت فجأة إلى المعسكر، إلى كلمات الدكتور التي ما زالت ترن في أذنه:
“لا تجهد نفسك، نولات… جسدك لا يستطيع معالجة ما أصابك إلا بعملية.”
لكن حينها، لم يكن هناك خيار. لم يكن يستطيع التوقف، لم يكن يستطيع التراجع. لم يكن يعلم أنه في هذه اللحظة، كل تعب وكل عرق، كان يحمل عبئه لأجل شخصين فقط: زوجته وابنته، اللتان رسمت صورتهما في ذهنه على الطاولة، تضحكان، تلعبان، تملأان حياته بالدفء والبهجة رغم الصعاب.
رفع الصخور على كتفه المعاكس للخاصرة، يشعر بالثقل الذي يشبه مسؤولية كل يوم يعيشه، كل لحظة يصر على المضي فيها. ووسط كل هذا التعب، كان يهمس لنفسه بصوت مكتوم، كأنه يحاول أن يقنع قلبه بما يعرفه عقله:
“من أجلهم… من أجلهم…”
تكررت هذه الكلمات في رأسه، كصدى يملأ جسده بالقوة، يذكّره بأن ما يفعله لم يكن لأجله وحده، بل من أجلهم، من أجل أن يضمن لهم حياة أفضل، حياة يستحقونها، حياة لا تتأثر بما لم يكن يعرفه، وما لم يكن يرغب فيه من قبل، وما لم يكن يتخيله أن تكون النتائج بهذه الصعوبة.
تحت كل قطرة عرق، كان نولان يشعر بثقل الأيام الماضية، ولكن في الوقت نفسه، كانت هذه الكلمات تمنحه القدرة على الاستمرار، حتى مع كل ألم وحمل جسدي وروحي، كان يعرف أنه يفعل كل شيء لأجل من يحبهم، ولأجل المستقبل الذي يطمح أن يكون مشرقًا لهم، مهما كلفه الثمن.
التعليقات لهذا الفصل " 97"