ما إن أغلقت بيرين باب المكتبة خلفها، حتى لفحها هواء بارد مشبع برائحة المطر. ضمّت معطفها حول جسدها أكثر، ورفعت المظلّة فوق رأسها. كانت السماء تمطر بغزارة، قطرات كثيفة ترتطم بالأرض كأنها تفرغ شيئًا مكبوتًا منذ زمن.
خطت ببطء.
شارع ميلرن بدا مختلفًا تحت المطر؛ الألوان باهتة، الأرصفة لامعة، وصوت الماء يملأ الفراغ بين المارة القلائل. لم يكن هناك ازدحام، فقط خطوات متعجلة هنا وهناك، وعربات تمر مسرعة تشق البرك الصغيرة.
أما بيرين…
فلم تكن مستعجلة.
كانت تمشي كأنها لا تهرب من شيء ولا تسعى إلى شيء.
خبر انتهاء عملها ظل يثقل صدرها. لم تكن تعتمد على الأجر، لكنه كان مكانًا احتمت به من ضجيج حياتها، من أفكارها، من… نفسها.
تنهدت بخفوت.
انزلقت عيناها إلى الأرض، تراقب انعكاس المصابيح المرتجفة فوق المياه. كل شيء بدا مهتزًا، غير ثابت… تمامًا كداخلها.
همست في سرها:
“بداية جديدة…”
لكن أي بداية؟
هي التي بالكاد تلتقط أنفاسها بين ما حدث في الأيام الماضية. تلك الذكريات التي تلاحقها بلا رحمة… تلك اللحظة عند جذع الشجرة… تلك القبلة التي لم تطلبها… ذلك الارتباك الذي لم تفهمه.
شدّت قبضتها على مقبض المظلّة.
وكأن عقلها يأبى أن يمنحها هدنة.
تسلل صوت الرعد، فارتجف جسدها لا إراديًا. لم يكن خوفًا من الطقس… بل من الفوضى التي تشبهه في داخلها.
مرّت قرب واجهة متجر زجاجية.
انعكست صورتها أمامها.
توقفت.
نظرت إلى نفسها طويلًا.
ملامح هادئة… عيون متعبة… شيء خفي من الحزن لم تعد قادرة على إخفائه حتى عن انعكاسها.
رفعت يدها ببطء، لمست خدّها.
ثم تسللت أصابعها — بلا وعي — إلى ذلك الموضع خلف أذنها.
تجمّدت.
نفس الإحساس…
كأن الذاكرة محفورة في الجلد لا في العقل.
سحبت يدها سريعًا، وكأنها لمست جرحًا.
“لماذا…؟”
سؤال خرج من أعماقها، لا تعرف إن كان موجّهًا لنفسها أم له.
لماذا هو هكذا؟
لماذا تتداخل قسوته مع لحظاتٍ لا تفهمها؟
لماذا ينظر إليها بتلك الطريقة؟
لماذا يربكها… ويؤلمها… في آنٍ واحد؟
شعرت بغصّة.
واصلت السير.
المطر يشتد.
قطرات تتسلل إلى أطراف معطفها، إلى خصلات شعرها. لكنها لم تهتم. كان البلل الخارجي أهون من الثقل الداخلي.
مرّت بجانب حديقة صغيرة.
توقفت تحت ظل شجرة.
خفضت المظلّة قليلًا، تستمع لصوت المطر فوق الأوراق.
صوتٌ غريب…
هادئ رغم العاصفة.
أغمضت عينيها.
للحظة، فقط لحظة، رغبت لو يتوقف كل شيء.
الأفكار.
الذكريات.
ذلك الاسم الذي يتردد في قلبها رغمًا عنها.
فتحت عينيها ببطء.
والسماء ما زالت تمطر.
والمدينة ما زالت تمضي.
أما بيرين…
فكانت واقفة بين المطر والأسئلة، تشعر أن حياتها تقف عند مفترق لا ترى نهايته.
شدّت معطفها.
ورفعت مظلّتها.
ومشت.
وقف الدوق عند النافذة الطويلة في جناحه، يراقب خيوط المطر المنهمرة من السماء الرمادية. كانت القطرات تنزلق على الزجاج ببطء، تتشابك، تنفصل، ثم تختفي… تمامًا كأفكاره.
القصر هادئ على غير العادة.
لا ضجيج سيوف، ولا وقع خطوات مستعجلة، فقط صوت المطر يملأ الفراغ كهمسٍ ثقيل.
شبك يديه خلف ظهره.
عيناه ثابتتان على الخارج، لكن ذهنه بعيد… بعيدٌ جدًا عن حدود الحديقة المبتلّة.
ذلك الوجه…
تلك العينان المرتجفتان.
تلك اللحظة حين كادت تسقط بين يديه.
شدّ فكه.
كيف تحوّلت الأمور بهذه السرعة؟
من غضبٍ… إلى اندفاع… إلى شيء لم يجد له اسمًا حتى الآن.
تنفّس بعمق، لكن الهواء بدا خانقًا رغم برودته.
همس في داخله بسخرية مريرة:
“طيش… مرة أخرى.”
أدار وجهه مبتعدًا عن النافذة، وكأنه يهرب من انعكاس أفكاره على الزجاج.
لكن حتى وهو يدير ظهره للمطر…
لم يستطع أن يدير ظهره لذاكرته.
خطا ببطء نحو الطاولة، حيث تراكمت ملفات وتقارير لم يمسّها منذ ساعات. مدّ يده، قلب إحداها بلا اهتمام، ثم أعادها مكانها.
العمل…
حتى العمل لم يعد كافيًا لإسكات رأسه.
طرقٌ خافت على الباب.
لم يلتفت.
— “تفضل.”
دخل أحد الخدم بانحناءة رسمية.
— “سيدي الدوق… وصلت رسالة عاجلة.”
توقفت أصابع الدوق فوق حافة الطاولة.
التفت ببطء.
ملامحه عادت إلى برودها المعتاد، ذلك القناع الذي لا يسقط أمام أحد.
تناول الرسالة.
فتحها.
قرأ.
وفي كل سطر، كانت عيناه تضيقان أكثر.
مركز الاستكشاف.
رحلة إلزامية.
أسبوعان كاملان.
برفقة القائدين.
صمتٌ ثقيل خيّم على المكان.
خفض الورقة ببطء.
حدّق أمامه دون أن يرى شيئًا محددًا.
أسبوعان…
بعيدًا عن القصر.
بعيدًا عن المدينة.
بعيدًا عن…
قبض على الرسالة فجأة، حتى تجعّدت بين أصابعه.
إلزامية.
لا مجال للاعتذار أو التأجيل.
مسؤوليات الدم والنسب لا تُناقش.
تنفّس بحدة خفيفة.
عاد نحو النافذة.
المطر ما زال يهطل بلا رحمة.
همس بصوتٍ بالكاد سُمع:
“أسبوعان…”
هل هو هروب؟
أم عقوبة؟
أم فرصة ليعيد ترتيب ذلك الفوضى التي بدأت تتسلل إلى داخله دون إذن؟
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة، خالية من أي دفء.
“ربما هذا الأفضل.”
لكن قلبه…
لم يبدُ مقتنعًا كما بدا صوته.
انزلقت عيناه إلى البعيد، عبر الحديقة، عبر الأسوار، عبر المدينة التي تختبئ تحت المطر.
وكأن عقله يعرف تمامًا إلى أين ينظر.
إلى من.
أغمض عينيه للحظة.
ثم فتحهما ببرودٍ مصطنع.
الدوق عاد.
القناع عاد.
والرحلة…
قُررت.
جلست بيرين على حافة سريرها.
الغرفة ساكنة إلا من صوت المطر الخافت على الزجاج.
نظرتها شاردة، تتنقل بين الفراغ والنافذة، إلى أن اتسعت عيناها فجأة.
رفعت كفها وضربت جبينها بخفة.
—
“ما أغباني…”
همست بها بانزعاجٍ صادق من نفسها.
كيف نسيت؟
حفلة الخطوبة…
لياندر…
نهضت بسرعة.
تحركت بخطوات مترددة نحو المكتب الصغير.
جلست.
سحبت ورقة.
أمسكت القلم…
وتوقفت.
ماذا تكتب؟
“تهنئة رسمية؟”
“كلمات صديقة؟”
“شيء بسيط؟”
تنهدت.
بدأت سطرًا…
ثم شطبت.
كتبت جملة أخرى…
ثم مزّقت الورقة.
نظرت إلى الكومة الصغيرة من الأوراق بجانبها بضيق.
—
“لا… مو هيچ.”
همست بها وكأن أحدًا يجادلها.
أعادت المحاولة.
مر الوقت…
والكلمات لا ترضى.
لأن بيرين — كعادتها —
لا تنهي شيئًا إلا إن اقتنعت به تمامًا.
بعد محاولاتٍ عديدة…
توقفت يدها.
سكنت.
ثم بدأت تكتب بهدوءٍ مختلف.
كلمات أبسط.
أصدق.
أقل تصنعًا.
ابتسمت بخفة حين انتهت.
قرأت ما كتبت.
مرة.
مرتين.
ثم هزّت رأسها برضاٍ صغير.
طوت الورقة بعناية.
وضعتها داخل ظرفٍ بسيط.
لا ختم فاخر.
لا زينة.
فقط ورق أبيض نظيف.
مررت أصابعها على حافته وكأنها تثبّت قرارها.
نظرت إلى الساعة.
وتجمّدت.
“مر الوقت…!”
قالتها بذهول.
كان الليل قد بدأ يثقل.
لكن إن لم تُرسلها الآن…
ستبقى معها.
وهي لا تريد ذلك.
ارتدت معطفها بسرعة.
لفّت الوشاح حول عنقها.
تسللت بهدوء كي لا توقظ والدتها.
فتحت الباب…
والهواء البارد لفح وجهها فورًا.
المطر خفيف، لكنه مستمر.
شدّت على الظرف داخل كفها.
واتجهت نحو صندوق ساعي البريد القريب من القصر.
في تلك اللحظة…
كان هو خارج القصر.
واقفًا تحت المظلّة الحجرية.
سيجارته بين أصابعه.
يتابع المطر بصمتٍ ثقيل.
الدخان يصعد ببطء.
وأفكاره…
أكثر اضطرابًا من السماء.
قطّب حاجبيه.
صوت خطوات…
سريعة.
خفيفة.
طفولية تقريبًا.
استدار.
تحت ضوء المصابيح الخافتة…
ظهرت.
معطف صغير.
وشاح داكن.
شعرها ينسدل بخفةٍ رطبة.
تمشي بسرعة وكأنها تهرب من برد الليل.
توقف الدوق.
السيجارة سكنت بين أصابعه.
عيناه ثبتتا عليها دون قصد.
وصلت بيرين إلى صندوق البريد.
أخرجت الظرف.
رفعت يدها…
لكنها توقفت.
شعور غريب.
كأن أحدًا يراقبها.
استدارت.
واتسعت عيناها فورًا.
هو.
مجدداً…
يمشي نحوها.
بخطوات ثابتة.
هادئة.
لا تتوقف.
تجمّدت في مكانها.
الظرف ما زال بين أصابعها.
نبضها تسارع بلا رحمة.
اقترب.
ولم يبطئ.
حتى حين التقت نظرتها بنظرته.
توقف أمامها.
مسافة قصيرة.
قريبة أكثر مما ينبغي.
نظر إليها…
ثم إلى الظرف.
ثم عاد لعينيها.
وقال بهدوءٍ منخفض:
“في هذا الوقت، يا آنسة نولان؟”
ابتلعت ريقها.
نظرت إلى الظرف وكأنها تراه لأول مرة.
—
“كنتُ…”
وتوقفت.
لعنت ارتباكها بصمت.
—
“رسالة تهنئة.”
قالتها أخيرًا.
رفع حاجبًا بخفة.
—
“لمن؟”
—
“لسيد لياندر.”
شيء خفي مرّ في نظرته.
لم يكن انزعاجًا.
ولا دهشة.
بل ذلك الشعور الذي صار يتكرر كلما ذُكر اسم لياندر أمامه…
بسببها.
مدّ يده.
بهدوء.
ترددت بيرين لحظة…
ثم سلّمته الظرف دون مقاومة.
أخذه.
نظر إليه.
ثم قال:
—
“سأحرص على وصولها.”
رفعت نظرها نحوه بسرعة.
لم تتوقع ذلك.
لم تفهم لماذا شعرت بشيءٍ دافئٍ صغير في صدرها…
رغم كل شيء.
أعاد الظرف إلى جيب معطفه.
نظر إليها مطولًا تحت صوت المطر الخافت.
ثم قال:
—
“الليل بارد.”
نبرة منخفضة…
ليست أمرًا.
ولا ملاحظة عابرة.
شيء أقرب للاهتمام.
وقفت صامتة.
لا تعرف ماذا تجيب.
ولا لماذا صار وجوده في هذا الليل…
أكثر إرباكًا من العاصفة نفسها.
مشت بيرين مبتعدة.
خطواتها خفيفة فوق الرصيف المبلل،
وصوت المطر يبتلع كل شيء حولها.
لكنها لم تمشِ بعيدًا.
كانت تتمشى بخطواتها لرحيل وتنظر بنصف نظرة لظرف الذي وضعه في جيبه .
التعليقات لهذا الفصل " 96"