ظلّ هيو واقفًا أمام بيرين، لا يكتفي بإجابتها المقتضبة.
كان يرى ما تحاول إخفاءه.
في شحوب وجهها،
وفي ارتباك أنفاسها،
وفي ذلك الصمت الثقيل الذي لم يشبهها.
— “بيرين، ما الذي حدث؟”
قالها هذه المرة بنبرةٍ أكثر جدية.
أشاحت بنظرها.
— “قلت لك… لا شيء.”
لكن هيو لم يتراجع.
— “أنتِ لستِ بخير.”
صمتت.
— “عيناكِ تقولان غير ذلك.”
ارتجفت أصابعها قليلًا.
— “بيرين…”
كان صوته يلاحقها،
كما لاحقتها الأفكار فجأة.
تدفّقت الذكريات دون استئذان…
تلك الليلة،
قربه القاسي،
نظراته المتناقضة،
كلماته التي جرحتها،
ثم…
تلك القبلة.
اشتدّ صدرها.
— “بيرين، انظري إليّ.”
رفع صوته قليلًا، قلقًا.
وفي لحظةٍ لم تكن محسوبة…
انفجرت.
استدارت نحوه بعينين متوترتين، وصوتٍ مرتجف:
— “اصمت، يا هيو!”
سقطت الكلمة بينهما كشيءٍ مكسور.
تجمّد هيو.
اتسعت عيناه.
لم يكن يتوقعها…
لم يتوقع تلك الحدة الخارجة منها.
ساد صمتٌ ثقيل.
وفي اللحظة التالية…
استوعبت بيرين ما قالت.
اتسعت عيناها بصدمةٍ خافتة،
وتراجع غضبها فجأة.
— “هيو…”
همست.
اقتربت خطوة.
— “أنا… أنا آسفة.”
خفضت رأسها.
— “لم أقصد.”
ظلّ هيو صامتًا لحظة.
كان ينظر إليها…
لا بغضب،
بل بدهشةٍ ممزوجة بشيءٍ آخر.
الشك.
لكن ما رآه في وجهها
بدّد الأسئلة مؤقتًا.
تعبٌ واضح.
وإنهاكٌ لا يمكن تزويره.
تنهد بخفة.
— “لا بأس.”
قالها بهدوءٍ لم يخلُ من قلق.
مدّ ذراعه نحوها.
— “تعالي.”
نظرت إليه بتردد.
— “لن أعيد سؤالك الآن.”
قالها بلطف.
— “لكن لا تبقي وحدكِ بهذه الحالة.”
ترددت لحظة،
ثم أمسكت بذراعه.
قبضة خفيفة، متعبة.
سار بها بين الممرات المضيئة،
ببطءٍ يناسب خطواتها.
حتى وصلا إلى المقاعد القريبة من الحفل.
جلست بيرين، وزفرت أنفاسًا طويلة.
— “والدتكِ وجدَت تيا.”
قالها هيو وهو يقف قربها.
رفعت رأسها بسرعة.
— “حقًا؟”
— “نعم. كانت مع الأطفال قرب النافورة.”
أغمضت عينيها.
وانسحب التوتر من صدرها دفعةً واحدة.
همست بارتياحٍ صادق.
وقف هيو لحظة،
ثم أخرج من جيبه شيئًا صغيرًا.
منديل.
ذلك المنديل.
مدّه نحوها.
— “هذا…”
توقفت بيرين.
عرفته فورًا.
المنديل الذي مسحت به عرقه
في تلك الحادثة.
ارتبكت نظرتها.
— “ما زلت تحتفظ به؟”
ابتسم بخفة.
— “يبدو ذلك.”
أخذته بيدٍ مترددة.
— “شكرًا لك.”
قالتها بصوتٍ خافت.
لكنها لم ترفعه نحو جبينها.
لم تمسح عرقها.
بل…
تسللت أصابعها ببطء
إلى خلف أذنها.
إلى موضع تلك القبلة.
لم تنتبه.
أو ربما…
لم تستطع منع نفسها.
غاصت للحظةٍ في شرودٍ صامت.
إلى أن—
— “بيرين!”
صوتٌ مألوف قطع أفكارها.
رفعت رأسها.
كانت لوسي تقترب،
تمسك بذراع أوتيس،
تبدو متحمسة كعادتها.
— “كنا نبحث عنكِ!”
ضحك أوتيس بخفة.
— “اختفيتِ فجأة.”
ابتسمت بيرين أخيرًا.
ابتسامة حقيقية هذه المرة.
جلسوا حولها،
وتداخلت الأصوات والضحكات.
حديثٌ بعد حديث،
ومزاحٌ خفيف.
وشيئًا فشيئًا…
خفّ التوتر في صدرها.
تلاشى الثقل،
ولو مؤقتًا.
بين الأصدقاء…
بدت الليلة أقل قسوة
وقف أرين في الشرفة العالية،
تحت ضوء القمر الفضيّ،
والحفل يمتدّ أسفله كلوحةٍ صاخبة بالحياة.
ضحكات النبلاء،
صوت الموسيقى،
وقع الكؤوس…
كل شيءٍ كان يسير كما خُطِّط له.
إلا داخله.
ارتكز بكفّيه على الدرابزين البارد،
وعيناه تتجولان بلا هدفٍ حقيقي.
حتى…
توقفتا.
هناك.
بين الجموع.
بيرين.
جالسة.
وحولها—
هيو.
لوسي.
أوتيس.
ضحكةٌ خفيفة ارتسمت على شفتيها.
ضحكة لم يرها منذ…
لا يدري.
تصلّبت ملامحه.
ضاقت عيناه قليلًا.
ظلّ يحدّق.
يراقب التفاصيل الصغيرة التي لم يكن يريد الانتباه لها:
ميلان رأسها وهي تستمع،
حركة يديها الهادئة،
تلك الابتسامة التي بدت…
صادقة.
شعر بشيءٍ غير مريح
ينقبض في صدره.
غيرة.
ساخنة.
مباغتة.
وغير مرحّب بها.
شدّ قبضته على الدرابزين.
— “تبًّا…”
همسها بصوتٍ خافت.
لم تعجبه الفكرة التي تسللت إليه.
أن تكون مرتاحة.
أن تضحك.
أن تجلس بهذه الألفة مع هيو.
هيو تحديدًا.
راقبه بعينٍ حادة.
قربه منها.
انحناؤه الخفيف نحوها.
ذلك الاهتمام الواضح في نظراته.
اشتدّ فكه.
ذكرياتٌ تسللت رغماً عنه:
بيرين بين ذراعيه،
ارتجافها،
دموعها،
نظرتها المرتبكة…
وتلك القبلة التي لم يستوعبها حتى الآن.
أغمض عينيه للحظة.
ثم فتحهما بحدة.
— “ما شأني بها؟”
قالها لنفسه، بنبرةٍ جافة.
لكنه لم يتحرك.
لم يغادر.
بل بقي.
كأن قدميه رفضتا الطاعة.
عاد ينظر إليها.
وفي تلك اللحظة—
رفعت بيرين يدها.
أصابعها تسللت بلا وعي
إلى خلف أذنها.
توقّف الزمن داخله.
عرف تلك الحركة.
عرف معناها.
عرف المكان.
اتسعت عيناه قليلاً.
— “…”
شيءٌ ما تبدّل في نظرته.
لم تكن غيرة فقط بعد الآن.
بل…
ارتباك.
وتلك الوخزة الخفية
التي لم يشأ الاعتراف بها.
ابتعد خطوة عن الدرابزين.
مرّر يده في شعره بضيق.
ثم أطلق ضحكة قصيرة، بلا مرح.
— “هل كانت…”
توقفت العبارة على شفتيه.
هزّ رأسه سريعًا.
كأنّه يطرد فكرةً مزعجة.
لكن الصورة بقيت.
بيرين.
تضحك.
تخفي شيئًا.
وتلمس موضعًا
يعرفه هو جيدًا.
اشتدّ صدره.
استدار بحدة.
ثم توقف.
عاد ينظر مرةً أخيرة.
نظرة طويلة.
غامضة.
مضطربة.
قبل أن يهمس، بصوتٍ منخفض:
— “ما الذي تفعلينه بي… يا آنسة نولان؟”
وغادر الشرفة أخيرًا،
لكنها…
لم تغادر فكره.
امتدّ الحفل،
وتداخلت الأصوات حتى أصبحت خلفيةً بعيدة.
كانت بيرين تقف مع هيو قرب الممر الحجري،
بين أضواءٍ ذهبية تتراقص على العشب.
حديثهما أصبح أخف،
أهدأ،
بعد ذلك التوتر الذي مرّ كنسمةٍ ثقيلة.
نظر هيو إلى الساعة الصغيرة في معصمه،
ثم قال بابتسامةٍ خفيفة:
— أظن أن الوقت تأخر.
هزّت بيرين رأسها موافقة.
ظهرت لوسي وأوتيس بعد لحظات،
تسبقهما ضحكةٌ مشتركة،
ونبرة ألفةٍ بدت أكثر راحة مما بدأت به الأمسية.
تبادل الأربعة كلمات الوداع.
ابتسامات،
عبارات قصيرة،
ووعودٌ بلقاءٍ قريب.
ابتعد هيو أخيرًا،
بعد أن رمق بيرين بنظرةٍ مطمئنة لم تخلُ من القلق.
ولوّحت لوسي بمرح،
قبل أن تسحب أوتيس معها إلى داخل القاعة.
بقيت بيرين وحدها للحظة.
سكنت الموسيقى في أذنها قليلاً،
وكأن الليل اقترب أكثر.
أخذت نفسًا هادئًا،
ثم اتجهت نحو الداخل.
كانت ستيلا تقف قرب مجموعةٍ من الخادمات،
وتحمل تيا التي غلبها النوم بين ذراعيها.
اقتربت بيرين.
وحين انتبهت ستيلا إليها—
ابتسمت.
ابتسامة فخرٍ لم تُخفَ.
— هذه ابنتي… بيرين.
التفتت الأنظار.
وتوقف الحديث للحظةٍ قصيرة.
نظرات دهشةٍ صامتة،
ثم انفرجت الوجوه بإعجابٍ واضح.
— يا إلهي…
— لم أكن أعلم أن لديكِ ابنة بهذه…
تتابعت العبارات.
مدحٌ صادق،
كلمات لطيفة،
ونظرات تقديرٍ لم تعتدها بيرين بهذه الكثافة.
احمرّ وجهها بخفة.
ابتسمت بأدب،
تشكر هذه،
وتومئ لتلك.
مرّ الوقت سريعًا بين الأحاديث.
حتى—
قالت إحدى الخادمات، بنبرةٍ ودودة:
— لا بد أن الخطّاب يصطفّون أمام بابكم.
ضحكةٌ خفيفة سرت بينهن.
تصلّبت بيرين للحظة.
لكنها ابتسمت بسرعة،
وردّت بهدوءٍ لطيف:
— يبدو أن الجميع منشغلٌ بأمورٍ أهم من التفكير بي.
ضحكن.
وتبدد السؤال دون إلحاح.
بعد قليل،
استأذنت بيرين بأدب.
ودّعتهن بابتسامةٍ هادئة،
ثم ابتعدت.
وقفت خلف الباب الكبير،
بعيدًا عن الأضواء المباشرة.
تنتظر.
القاعة خلفها تضجّ بالحياة،
والحديقة أمامها ساكنة تحت القمر.
كانت ستيلا لا تزال تتحدث،
وتيا نائمة بسلامٍ في حضنها.
أسندت بيرين ظهرها إلى الجدار.
وأغمضت عينيها لحظة.
لكن…
ذلك الشعور عاد.
إحساسٌ خفيّ…
أن هناك من يراقبها.
فتحت عينيها سريعًا.
نظرت حولها.
لا أحد قريب.
لا شيء غير الظلال
وأضواءٍ بعيدة.
ضغطت شفتيها بخفة.
— مجرد أوهام…
همستها لنفسها.
هزّت رأسها،
وكأنها تطرد الفكرة.
خرجت ستيلا أخيرًا.
تيا بين ذراعيها،
وابتسامة تعبٍ لطيف على وجهها.
اقتربت بيرين فورًا.
— هل نذهب؟
أومأت ستيلا.
وسارتا معًا نحو الممر الطويل.
خطوات هادئة،
ليلٌ ساكن،
وقمرٌ يرافقهما بصمت.
أما خلفهما…
فقد بقيت نظرةٌ واحدة
لم ترها بيرين.
لكنها…
كانت هناك..
التعليقات لهذا الفصل " 93"