— “لم أتوقع أن تكون الحديقة بهذا الجمال ليلًا،” قالت بيرين.
ابتسم هيو:
— “ولا أنا توقعت أن أراكِ منسجمة مع أجواء كهذه.”
كادت ترد…
لكن وقع خطواتٍ مسرعة قطع حديثهما.
ظهرت ستيلا.
أنفاسها متلاحقة، وملامحها مشدودة.
توقفت أمامهما، ثم أمسكت يد بيرين سريعًا وهمست في أذنها:
— “تيا قد ضاعت.”
تجمدت بيرين.
— “ماذا؟”
— “لا نجدها. يجب أن نبحث فورًا.”
تنهدت بيرين بلا راحة:
— “هذه المشاغبة… لم أكن مثلها حين كنت صغيرة!.”
قالت ستيلا بقلق:
— “ليس الآن بيرين. إنها صغيرة، لا تستطيع الابتعاد كثيرًا.”
هزّت بيرين رأسها، ثم اعتدلت.
تقدم هيو مؤدّيًا التحية لستيلا باحترام.
غادرت ستيلا سريعًا نحو الداخل.
نظر هيو إلى بيرين:
— “ما الخطب؟”
أجابته بإيجاز، ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة رغم قلقها.
ضحك هيو بهدوء:
— “لا أظنك تختلفين عن أختك كثيرًا.”
رفعت حاجبها:
— “عذرًا؟”
— “أنتِ أيضًا قد ضعتِ في تلك الرحلة حين كنا صغارًا.”
اتسعت عيناها، ثم انفجرت ضاحكة:
— “لا أصدق أن والدك اعتمد عليك، وفي النهاية ضعت مع طفلةٍ ضائعة.”
ضحك بدوره.
لحظة قصيرة من خفةٍ نادرة.
— “سأبحث عنها،” قالت بيرين.
— “سأساعدك.”
— “لا، ابقَ هنا. ربما تعود إليك.”
هزّ رأسه على مضض.
ودّعته، ومضت.
تنقلت بيرين بين الممرات،
تمرّ قرب التماثيل والينابيع.
تنظر يمينًا ويسارًا.
لا أثر.
بدأ التعب يتسلل إليها.
تنهدت، ثم جلست على مقعدٍ حجري قرب سياج منخفض.
وضعت يدها على صدرها، تلتقط أنفاسها.
لكن…
لم تكن وحدها.
كان أرين يتمشى في الجهة الأخرى من الحديقة.
خطواته بطيئة، شارده الذهن.
وفجأة…
اصطدم به شيءٌ صغير.
استدار.
طفلة.
سقطت أرضًا، ولعبتها تدحرجت بعيدًا.
وأحد حذائها الصغيرين انفلت من قدمها.
حدق أرين فيها لحظة.
ثم انحنى فورًا.
جلس بمستواها.
ابتسامة خفيفة عبرت وجهه، نادرة، غير متوقعة.
— “هل أنتِ بخير؟”
هزّت الطفلة رأسها.
تعرف عليها.
تيا.
ذلك الشبه الصغير بينها وبين بيرين لم يخطئه.
ساعدها على الوقوف.
اخذ الحذاء الصغير.
— “إلى أين كنتِ تذهبين؟”
قالت :
— “كنت ألعب… ثم اختفى… وأنا أبحث عن أمي.”
ابتسم دون أن يشعر.
وألبسها الحذاء بنفسه.
أمسك بيدها برفق،
وقادها نحو إحدى الخادمات.
— “أعيديها إلى والدتها.”
أومأت الخادمة بفهم، وأخذت تيا.
بقي أرين واقفًا.
ينظر للحظة.
ثم تابع سيره.
لمحت بيرين ظلًا يقترب.
ابتسمت.
ظنت أنه هيو.
نهضت بخفة.
اقتربت بخطواتٍ هادئة.
تخفي ابتسامتها.
وفجأة…
اندفعت نحوه محاولةً إخافته كمزحةٍ طفولية.
لكنها توقفت فجأة.
الضوء الخافت كشف ملامحه.
أرين.
تجمدت.
اتسعت عيناها.
أما هو…
فابتسم.
ابتسامة بطيئة، غامضة، خطرة في هدوئها.
شعرت بيرين أن قلبها هبط دفعةً واحدة.
المزحة تبخرت.
والهواء تغيّر.
قال بهدوءٍ خافت:
— “مساء الخير… آنسة بيرين.”
ابتسم أرين في سرّه وهو ينظر إلى الآنسة الواقفة أمامه.
تأمل شعرها المنسدل على ظهرها، وانسيابه الهادئ تحت ضوء القمر،
ثم انتقلت عيناه إلى فستانها الرمادي؛ تصميمٌ بسيط، كلاسيكي،
تنورته مفتوحة بخفةٍ تحت ركبتيها،
غير أنه — على غير عادته — بدا عليه أجمل مما ينبغي.
توقفت بيرين أمامه،
الخجل يسبق الكلمات إلى ملامحها.
كانت متوترة، مترددة،
وقد أربكها إدراكها لما كادت تفعله قبل لحظات.
ابتعدت نصف خطوة،
ثم انحنت برقةٍ وهي تعتذر:
— “أعتذر… لم أقصد.”
رفع أرين نظره إليها مطولًا.
لم يجب فورًا.
في عينيه ظلّت ذكرى الليلة الماضية،
حادثةٌ لم تغادر ذهنه،
ولا ذاك القرب الذي تجاوز حدوده.
مرّت لحظة صامتة.
نظر حوله بإمعان،
كأنما يفتش عن شيءٍ يبدد ثقل الصمت.
ثم سأل، بنبرةٍ هادئة كسرت السكون:
— “هل جئتِ إلى الحديقة مع أحد؟”
ارتبكت بيرين.
لم ترغب في إخباره أنها جاءت مع والدتها،
ولا أنها لم تكن راغبة أصلًا في الحضور.
ترددت… ثم قالت:
— “مع صديقي.”
توقف أرين.
لحظة قصيرة،
لكنها كانت كافية.
ثبت نظره عليها،
ثم أعاد الكلمة ببطءٍ خافت:
— “آه… صديقكِ.”
لم يكن في صوته شيءٌ واضح،
غير أن شيئًا غير مرئي مرّ في عينيه.
استدار.
بدأ يتمشى بين ظلال الأشجار.
وسارت بيرين خلفه،
بمسافةٍ صغيرة،
خطواتها مترددة،
وصمتها أثقل من أن يُحتمل.
لم يكن هناك ما يُقال.
ولا ما يُفهم.
وفجأة…
تذكرت بيرين.
لياندر.
خطوبته.
توقفت دون أن تشعر،
وقد شبكت كفيها أمامها بتوتر.
استدار أرين نحوها فورًا.
لاحظ التغير.
قالت، محاولةً التماسك:
— “إذا كان ممكنًا…
أتمنى أن ترسل تحياتي ومباركتي إلى السيد لياندر.”
تجمدت ملامح أرين.
تلك العبارة…
أعادت إليه إحساسًا دفينًا،
ذاك الإحساس الذي، بسببِه،
ارتكب فعلته الطائشة في الليلة السابقة.
عاد التوتر إلى فكه.
وتصلبت نظراته.
اقترب خطوة.
ثم قال بصوتٍ منخفض، مشدود:
— “بنفسكِ لا تستطيعين قولها؟”
رفعت بيرين عينيها إليه، متفاجئة.
— “لم أجد فرصة.”
ابتسم…
لكنها لم تكن ابتسامة رضا.
— “غريب،” قال ببرودٍ قاسٍ،
“تجدين الوقت لأصدقائكِ…
وتعجزين عن تهنئة رجلٍ يكنّ لكِ كل هذا التقدير.”
اتسعت عيناها.
لم تفهم.
أو ربما… فهمت أكثر مما ينبغي.
أما هو…
فشيح بوجهه بعيدًا.
كأنما ندم على شيءٍ لم يقله،
أو قال أكثر مما يجب.
بقي الصمت معلقًا بينهما.
ثقيلاً.
حارقًا.
توقفت بيرين للحظة، صمتها مشدود،
لم ترغب بالكلام، ولم ترغب بكسر جو الهدوء بينهما.
نظر إليها أرين مطولًا، كأن صمتها يثيره،
ثم قال بصوتٍ هادئ لكنه حاد:
— “أفهم… لكنكِ تتحدثين عن رسالة؟”
أجابت بيرين بثقة وهدوء:
— “اعذرني، سيدي الدوق، لكن النبلاء هم أول من يذهبون إلى سيد لياندر، لذلك طلبت منك أن ترسل تحياتي له. وإن لم تستطع، فيمكنني كتابة رسالة له… لكن فقط… لا تعتمد إذلالي من فضلك.”
تصلّبت ملامح أرين فورًا،
قبضته تشد أكثر على يديه وهو يرى تلك النظرة التي لم تحمل انكسارًا، بل ثباتًا وصراحة.
— “رسالة، إذا…” همس،
ثم اقترب منها أكثر من اللازم، بينما كانت هي تحاول الابتعاد خطوة خطوة،
حذرًا من الاقتراب الشديد.
همس في أذنها بصوتٍ منخفض، يملؤه الشدة والهيبة:
— “لا يوجد شيء بدون مقابل، يا آنسة نولان…”
في تلك اللحظة، شعرت بيرين وكأن الزمن توقف.
خطوة خلفية، كعب صغير يتحرك للخلف، كادت تتعثر وتسقط على كوعها،
لكن أرين أمسكها في الوقت المناسب، بثبات وسرعة.
وقفوا، نظراتهم تتلاقى، أنفاسهم متقاربة،
وأصوات الليل والحديقة تخفت أمام توتر اللحظة.
ثم، بدون سابق إنذار، اقترب أرين منها أكثر،
تسلل برفق ليضع قبلة ناعمة خلف أذنها، دون أن تشعر،
مُحدثًا صدمة خفيفة في قلب بيرين،
بينما استمرت يده ثابتة على خصرها، تحميها، تمنعها من السقوط.
ارتجفت، ثم ابتعدت بسرعة
لتؤكد لنفسها ألا تتكرر تلك اللحظة مرة أخرى.
ساد صمت ثقيل بينهما،
أرين وضع يديه في جيوبه، ناظرًا إليها بصمت،
بيرين انحنت قليلًا باحترام،
ثم بدأت بالرحيل، تحت ضوء القمر المتلألئ،
تتركه واقفًا هناك، وعيناه تتبعها حتى اختفت من أمامه.
عاد أرين بخطواتٍ ثابتة،
تلك الخطوات التي اعتاد عليها الجميع… واعتادوا معها صمته وهيبته.
التعليقات لهذا الفصل " 92"