لم يكن المساء ثقيلاً كما بدا في صدر بيرين.
سارت بخطوات مترددة،
وقلبها يعيد تلك الجملة القاسية مرارًا، كما لو أنها نُقشت في داخلها:
“من أمثالكِ، لو عملوا طوال حياتهم، فلم يحصلوا على راحة… فذلك هو قدركم.”
شدّت حقيبتها إلى صدرها،
تحاول أن تحبس تلك الغصة التي أخذت تتسع في حلقها.
لم يكن صوته غاضبًا…
بل كان باردًا،
وتلك البرودة تحديدًا هي ما جعل الكلمات أكثر إيلامًا.
قررت ترك الأمر يمر بهدوء فلا ترغب بمواجهات اخرى وأحاديث لا ترغب بسماعها من الأساس..
جلست بيرين في القاعة كعادتها،
لكنها لم تكن حاضرة كما ينبغي.
أصوات الطلبة تتعالى من حولها؛
ضحكات، همسات، نقاشات عابرة…
وهي ساكنة.
نظرتها معلّقة في نقطة بعيدة،
وعقلها أسير تلك الكلمات.
ضاق صدرها ببطء،
وشعرت بحرقة خفيفة تتسلل إلى أنفها،
إشارة خائنة لانكسارٍ تحاول كتمانه.
بدأت تقارن نفسها بمن حولها:
ملابس أنيقة،
ضحكات واثقة،
أحاديث لا تعرف القلق…
ثم تذكّرت أهلها.
تذكّرت بساطة بيتهم،
وتعب والديها،
وصمت احتياجاتها التي لم تجرؤ يومًا على الإفصاح عنها.
فتلاشت المقارنة.
ليس خجلاً…
بل وفاءً.
قطع شرودها صوت الجرس،
فانتفضت بخفة،
وأسرعت خارج القاعة متجهة إلى لوسي.
في تلك الأثناء،
دخل هيو قاعة بيرين باحثًا عنها.
توقّف حين لمح شابًا يهمّ بالمغادرة قد عرفه وتذكر حين كان يمشي مع بيرين ..
– من أنت؟
التفت أوتيس إليه بهدوء:
— أوتيس.
أومأ هيو، ثم سأله مباشرة:
— هل تعرف بيرين؟
ارتسمت الدهشة على ملامح أوتيس:
— وهل تعرفها أنت؟
أجابه بثقة امتزجت بشيء من التوتر:
— أكثر مما تظن.
تريّث أوتيس لحظة، ثم قال:
— لا… لكنني رأيتها تخرج مسرعة ذات يوم، وحاولت اللحاق بها.
سارا معًا في الممر.
حديث متردد تحوّل تدريجيًا إلى تعارف،
وتعارف إلى ارتياحٍ غير متوقّع.
جلسا قرب شجرة،
على حجارة قديمة تآلفت مع ظل المكان.
تبادلا أطراف الحديث:
عن الجامعة،
عن الأساتذة،
عن صعوبة الدراسة…
وكان اسم بيرين يعبر بين الجمل
بصورة طبيعية، غير مقصودة.
أما بيرين،
فكانت تجوب الممرات باحثة عن لوسي.
سألت هذا،
ونظرت إلى ذاك…
حتى قيل لها:
— لوسي؟ لم تأتِ اليوم. إنها مريضة.
تسرّب القلق إلى قلبها.
طريق بيت لوسي طويل،
لكن فكرة الاطمئنان عليها
بدت أهم من التعب.
في مكانٍ آخر،
كان الدوق أرين غارقًا في عمله.
ملفات تتكدّس،
قرارات تنتظر توقيعه.
وأي صورةٍ تحاول التسلل إلى ذهنه
كان يوأدها بصرامة:
العمل.
فقط العمل.
أصبح أكثر برودًا
يومًا بعد يوم.
التقت بيرين بهيو وأوتيس صدفة.
توقّفت أمامهما باستغراب خفيف:
— هل تعرفان بعضكما؟
ابتسما معًا.
ضحك أوتيس قائلاً:
— أنتِ سبب تعارفنا.
رفعت حاجبيها بدهشة بسيطة،
لكنها لم تمنح الأمر اهتمامًا كبيرًا.
سرعان ما اندمجوا في الحديث:
عن المحاضرات،
عن المكاتب،
وعن تذمّر هيو المعتاد من تدريسه الصعب.
ضحكت بيرين.
ضحك أوتيس.
ومرّ اليوم أخفّ مما توقعت.
عند المغادرة،
ودّعت أوتيس.
همّت بالرحيل،
لكنها توقفت فجأة.
لوسي.
استدارت مسرعة،
إلا أن هيو أوقفها:
— إلى أين؟
— سأذهب لرؤية لوسي.
تردد.
ارتبك.
تساءل إن كان يرافقها…
لكنها سبقت قراره،
ومضت.
بقي واقفًا.
يديه جامدة في الهواء،
كأنها نسيت سبب امتدادها
قبض عليهما ببطء.
ثم استدار.
استقلت بيرين عربة.
وذكرت العنوان
حين وصلت،
بدت ملامح الحي مختلفة.
بسيطة…
لكنها جميلة.
زهور تزيّن الأبواب،
هدوء دافئ،
وأثر حياةٍ مطمئنة.
تمنت، ولو للحظة،
أن تعيش هنا.
بحثت بعينيها عن الباب الموصوف.
طراز كلاسيكي.
وأعشاب بنية عند الحواف.
وجدته.
طرقت.
لم يُجب أحد.
فضغطت الجرس.
خرجت والدة لوسي بابتسامة لطيفة:
نظرت اليها نظرة قصيرة وسئلت .
— لا بد أنكِ بيرين. كثيرًا ما تحدثت لوسي عنكِ.
ابتسمت بيرين بخجلٍ مهذب.
— أيمكنني رؤيتها؟
— بالطبع.
دخلت الغرفة.
بسيطة،
مرتبة
تحمل روح لوسي الهادئة.
كانت لوسي واقفة، تبتسم.
جلسـتا.
تبادلا الحديث.
ثم قالت لوسي فجأة:
— أنا معجبة بشخصٍ ما.
مالت بيرين نحوها بحماس طفولي:
— حقًا؟ ها! ها!… جميل، جميل! ومن هو؟
ضحكت لوسي بخجل:
— لا أستطيع القول… لكنه من الجامعة.
تلاشى الحماس تدريجيًا.
عادت الكلمات إلى ذهن بيرين:
“من أمثالكم لو عملوا طوال حياتهم… فهذا قدركم.”
اشتدّ ضغطها على الوسادة.
ساد الصمت.
— ما الخطب؟ هل يزعجك شيء؟
هزّت رأسها:
— لا…
ثم قالت بتردد:
— لوسي… لو كنتِ مكاني، وقال لكِ شخصٌ أعلى منكِ منزلةً…
وتوقفت.
ارتبكت لوسي وسئلتها وهي قلقة
– من من قال هذا هل شخص اعرفه ؟
لم تستطع قول الحقيقة.
فلجأت إلى الكذب.
– لا فقط اقول مَثل …
تنهدت لوسي براحة:
— لا أعلم… لكنني سأبتعد. وإن ظهر مجددًا…
لم تكمل لوسي كلتمها الى اجابت بيرين مقاطعة كلامها حين قالت اخر كلماتها .
– واذا استمر بظهور ! فما بيدي حيلة ؟
ابتسمت بثبات:
— سأحافظ على كرامتي.
ألقي تحية،
وأجيب بوضوح،
وأرحل.
سمعت بيرين كلامها.
وظلت تنظر إلى الأرض.
مرّت ساعة.
ودّعت صديقتها بابتسامة صادقة،
وحضنتها.
في الخارج،
كان الغروب ينسج ألوانه على الطرقات.
برتقالي،
أحمر،
وأصفر ذائب في الضوء.
تنظر من نافذة العربة على الوان سماء .
خرجت بيرين حين وصولها الى البوابة الرئيسية لدخول
سارت بيرين ببطء.
تفكر.
حتى دوّى صهيل حصان.
انتبهت .
تنحّت سريعًا.
رفعت رأسها…
وتشابكت النظرات.
نظرتها…
ونظرته من نافذة العربة.
لحظة قصيرة.
صامتة.
ثم انصرف ببصره.
ومضت العربة.
وبقيت هي واقفة،
تراقب الرحيل.
دخلت المنزل.
خلعت حذاءها بهدوء.
تسمع توبيخ ستيلا لتيا المعتاد ..
ألقت جسدها المتعب على السرير.
لوسي…
كلماته…
نظرته…
توقّف كل شيء
حين غلبها النوم..
التعليقات لهذا الفصل " 52"