في صباحٍ باكر، خرجت من البيت تحمل في حقيبتها الصغيرة كيسًا قماشيًا ملفوفًا بعناية.
كانت خطواتها ثابتة على غير عادتها.
وقلبها فقط…
هو من كان يرتجف.
ذهبت وحدها.
وقفت أمام ذلك المكتب الضيق الذي لطالما شعرت بالاختناق وهي تراه.
المكان الذي ذُكرت فيه الديون مرارًا، وكأنها وصمة لا تنفصل عن اسم عائلتها.
مدّت يدها أخيرًا.
وأخرجت المال.
كل ما جمعته.
كل ما أنهك جسدها.
كل ما نزف من أيامها وكرامتها وصبرها.
حتى حين كانت أصابعها تضع القطع والأوراق فوق الطاولة، شعرت كأنها لا تضع مالًا…
بل تضع قطعًا من نفسها.
لكنها فعلت.
وسدّدت.
كل شيء.
وبعد أن انتهى الرجل من العدّ أخيرًا، أخبرها ببرود جاف أن الديون قد أُغلقت.
ولأول مرة منذ وفاة والدها…
شعرت بيرين أن شيئًا ثقيلًا جدًا قد انزاح عن صدرها.
ليس كله.
لكن جزءًا كبيرًا منه.
جزءًا كان يخنقها ليلًا ونهارًا.
خرجت من هناك وهي لا تعرف إن كانت تريد أن تضحك أم تبكي.
كل ما عرفته أنها مشت ببطء.
ثم توقفت في آخر الزقاق.
ووضعت يدها على صدرها.
وأغمضت عينيها.
انتهى.
أخيرًا…
انتهى.
حين عادت إلى البيت، وجدت والدتها منشغلة بترتيب بعض الأغطية القديمة.
رفعت ستيلا رأسها عندما سمعت صوت الباب.
ثم توقفت حين رأت ملامح بيرين.
كان هناك شيء مختلف في وجهها اليوم.
شيء خفيف…
لكن واضح.
تقدمت بيرين نحوها ببطء.
ثم جلست قربها.
وبقيت صامتة للحظات، كأنها تحاول أن تجد الطريقة المناسبة لقول ما في قلبها.
نظرت إليها ستيلا باستغراب بسيط.
“ما الأمر؟”
رفعت بيرين عينيها إليها أخيرًا.
وكان في نظرتها شيء مرتبك، صغير… لكنه مفعم بأمل لم يظهر على وجهها منذ أشهر.
ثم قالت بصوت خافت:
“أمي…”
توقفت.
ثم بللت شفتيها قليلًا.
وأكملت:
“لقد سدّدت الديون.”
ساد صمت كامل.
صمت طويل لدرجة أن بيرين ظنت لثانية أن والدتها لم تستوعب ما قالت.
لكن ستيلا—
رمشت ببطء.
ثم حدقت بها كأنها لم تسمع جيدًا.
“ماذا؟”
ابتسمت بيرين ابتسامة صغيرة، مترددة.
تلك الابتسامة التي تخرج حين لا يصدق الإنسان ما يقوله حتى بعد أن يحدث.
“سدّدتها.”
ثم أضافت بخفوت:
“كلها.”
انفلت الغطاء من يد ستيلا وسقط على حجرها.
وبقيت تنظر إليها دون كلام.
وكأن عقلها كان يحتاج وقتًا ليلحق بقلبها.
ثم رفعت يدها ببطء إلى فمها.
وعيناها اتسعتا.
“بيرين…”
لم تعرف كيف تكمل.
ولم تحتج إلى ذلك.
لأن بيرين فهمت كل ما في صوتها.
كل الدهشة.
كل الارتباك.
كل الراحة التي لم تجرؤ أيٌّ منهما على تخيلها من قبل.
قالت بيرين وهي تخفض عينيها قليلًا:
“وبقي معنا مال يكفي لفترة.”
ثم رفعت نظرها إليها من جديد.
“إذا شددنا على أنفسنا قليلًا… يمكننا أن نبدأ من جديد.”
كانت كلماتها بسيطة.
لكن وقعها على ستيلا كان أكبر من أن يقال.
ظلت تنظر إلى ابنتها بصمت.
ثم قالت أخيرًا، ببطء:
“أنتِ… تريدين الرحيل؟”
توقفت بيرين لثانية.
ثم هزّت رأسها.
“نعم.”
قالتها بهدوء هذه المرة.
“أريد أن نرحل.”
نظرت إلى الأرض قليلًا.
ثم أكملت بصوت أخفض:
“إلى مكان لا يعرفنا فيه أحد.”
“مكان أستطيع فيه أن أعمل بهدوء… ونعيش فيه بهدوء.”
“مكان لا يذكّرنا بكل شيء كل يوم.”
بقيت ستيلا صامتة.
ثم أطرقت قليلًا وكأنها تفكر في الأمر بعمق.
كان واضحًا أنها مرتبكة.
فكرة الرحيل ليست صغيرة.
ولا سهلة.
ولا يمكن اتخاذها بين لحظة وأخرى.
لكنها أيضًا…
لم تكن فكرة سيئة.
بل ربما كانت أول فكرة تمنحهما نجاة حقيقية.
قالت أخيرًا بعد تفكير طويل:
“إن كان الأمر كذلك…”
ثم رفعت عينيها إلى بيرين.
“فانتظري أسبوعين.”
رمشت بيرين.
فأكملت ستيلا:
“سنرتب أمر السفينة أولًا.”
“ونتأكد من المال الذي معنا… ومن حاجتنا الفعلية.”
ثم تنهدت بخفة.
“إن كنا سنرحل… فعلينا أن نرحل بشكل لا يضطرنا إلى العودة.”
اتسعت عينا بيرين قليلًا.
ثم، ولأول مرة منذ مدة طويلة جدًا—
ابتسمت.
ابتسامة حقيقية.
ناعمة.
مليئة بشيء كاد يكون منسيًا:
النجاة.
“حقًا؟”
هزّت ستيلا رأسها ببطء.
“نعم.”
لكن بيرين، بعد تلك اللحظة القصيرة من الفرح، شعرت بشيء آخر يهبط في قلبها.
شيء أثقل.
أبطأ.
أكثر ألمًا.
أصدقاؤها.
لوسي.
هيو.
اوتيس.
إيليانا.
حتى تلك الأيام التي كانت تبدو مجرد تعب… صار لها شكل مألوف في قلبها.
الرحيل لا يعني فقط النجاة.
بل يعني أيضًا…
الوداع.
انخفضت ابتسامتها قليلًا.
ثم قالت بصوت أخفض:
“لكن…”
نظرت إلى والدتها.
ثم أضافت:
“لا أريدك أن تخبري أحدًا.”
عقدت ستيلا حاجبيها.
“أحدًا؟”
هزّت بيرين رأسها.
“أحدًا.”
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة، لكنها كانت مشوبة بتردد موجع.
“ليس الآن على الأقل.”
راقبتها ستيلا لثوانٍ.
ورغم أنها لم تسأل كثيرًا…
إلا أنها فهمت.
فهمت أن في قلب ابنتها أشياء لا تقولها.
أشياء لم تعد تخص التعب أو الديون فقط.
بل تخص أناسًا…
وتعلّقًا…
وألمًا لا تريد تسميته.
لذلك قالت بهدوء:
“كما تريدين.”
ثم مدت يدها وربتت على كفها.
“لكن لا تؤخري نفسك كثيرًا يا بيرين.”
خفضت بيرين نظرها إلى يد والدتها فوق يدها.
ثم همست:
“لن أفعل.”
لكنها لم تكن متأكدة إن كانت تقول الحقيقة فعلًا.
في القصر
وفي اليوم التالي…
عادت بيرين إلى القصر.
لكن بشيء مختلف تمامًا.
لم تكن غاضبة.
لم تكن متحفزة.
لم تكن تنظر إلى الممرات وكأنها ساحة حرب.
ولم تعد تحمل ذلك التوتر الحاد الذي كان يسبق كل لقاء بينهما.
بل كانت…
هادئة.
بشكل أربك الجميع.
وأربكه هو أكثر من أي أحد.
حين كانت تُنادى—
تلتفت.
تستمع.
تنفذ المطلوب منها.
ثم تخرج.
بلا اعتراض.
بلا نظرات مشتعلة.
بلا ارتجاف واضح.
وبلا تلك الحدة الصغيرة التي كانت تظهر منها كلما اقترب منها.
في البداية، ظن آرين أن هذا أمر جيد.
بل أكثر من جيد.
أخيرًا…
توقفت عن النظر إليه وكأنه مصيبة تمشي على قدمين.
وأخيرًا…
خفّت حدتها نحوه.
وأخيرًا…
لم يعد كل لقاء بينهما ينتهي بشعور خانق في صدره.
أو هكذا ظن.
لكن مع مرور الساعات…
بدأ يكتشف شيئًا آخر.
شيئًا لم يَرُق له إطلاقًا.
ذلك الهدوء لم يكن راحة.
بل…
مسافة.
كانت بيرين تتصرف معه كما لو أنه لم يعد يهمها أصلًا.
كما لو أنها رتبت نفسها داخليًا.
وحسمت أمرًا ما.
وأغلقت بابًا ما.
دون أن تخبره.
ودون أن تمنحه حتى فرصة ليعرف ما هو.
وحين أدرك هذا…
لم يشعر بالراحة.
بل بشيء أثقل.
أقسى.
أكثر توترًا.
كان يجلس أحيانًا خلف مكتبه، يناديها فقط لسبب صغير.
كتاب.
ملف.
صينية شاي لم يكن يحتاجها أصلًا.
ثم يراقبها بصمت.
تدخل.
تنفذ.
وتخرج.
لا شيء في عينيها يطول عنده.
لا شيء في صوتها يعلق به.
لا شيء.
وهذا الـ لا شيء…
كان يثير أعصابه أكثر مما يجب.
في إحدى المرات، ناولته ملفًا بهدوء.
فمد يده وأخذه منها.
وللحظة قصيرة جدًا، لامست أصابعه أصابعها.
لكنها لم ترتبك.
لم تسحب يدها بعجلة.
لم تتجمد.
بل فقط…
أفلتت الملف.
ثم انحنت برأسها بخفة.
وخرجت.
بقيت عيناه معلقتين على الباب المغلق بعدها.
طويلًا.
أطول مما ينبغي.
ثم أنزل نظره أخيرًا إلى يده.
إلى المكان الذي لامست فيه أصابعها جلده.
وشدّ فكه بصمت.
لماذا لم تعد تتأثر؟
ولماذا يزعجه هذا؟
في تلك الليلة…
جلس وحده في غرفته.
صامتًا.
والقصر هادئ من حوله.
وكان أمامه على الطاولة شيء صغير جدًا…
لكنه لم يكن عاديًا بالنسبة له.
سوار أبيض.
ذلك السوار الذي أخذه منها في تلك الرحلة.
ولم يُعده.
ولا حتى حاول.
بقي معه طوال هذا الوقت.
في درج.
ثم في جيب.
ثم في معصمه أحيانًا حين لا يراه أحد.
وكأنه شيء سخيف لا يستطيع التخلص منه.
أو ربما…
لا يريد.
مدّ يده إليه.
ثم أمسكه بين أصابعه ببطء.
وأدار الخيط الأبيض حول إصبعه مرة.
ثم مرتين.
ثم ثبتت عيناه عليه.
صمت طويلًا.
ثم أراح ظهره إلى الكرسي.
ورفع يده إلى جبينه.
وأغمض عينيه.
منذ متى؟
منذ متى بدأ هذا كلّه؟
منذ متى بدأ يلتفت إلى خطواتها؟
إلى تعب عينيها؟
إلى صوتها حين تحاول أن تكون قوية؟
إلى الطريقة التي تضغط بها على نفسها حتى لا تنهار؟
إلى كيف تهتز حين تبكي…
لكنها ترفع رأسها رغم ذلك؟
تذكر تلك الليلة.
المطر.
ارتجافها.
كيف دفعت صدره وهي تبكي.
كيف صرخت في وجهه دون خوف.
وكيف…
حين انصرف الناس أخيرًا وابتعدت الأنظار…
ارتمت في حضنه.
فتح عينيه ببطء.
وثبتت نظراته في الفراغ.
ذلك المشهد لم يفارقه.
ولا للحظة.
رأسها المدفون في صدره.
دموعها.
ارتجافها.
وأصابعه وهي تمر على شعرها المبتل لتُهدئها.
شدّ يده على السوار قليلًا.
ثم همس لنفسه بصوت خافت جدًا:
“… لا.”
لكن النفي لم يعد يقنعه.
ولا يوقف شيئًا.
أنزل السوار إلى الطاولة ببطء.
ثم مرر أصابعه على وجهه بضيق.
كأنه يريد أن يبعد الفكرة بالقوة.
لكنها بقيت.
أوضح من أي وقت مضى.
أثقل من أي وقت مضى.
وأخطر من أي وقت مضى.
لقد بدأ يحبها.
أو ربما…
لم يبدأ الآن أصلًا.
ربما كان الأمر يتكوّن داخله منذ وقت طويل…
ببطء.
بشكل خفي.
حتى صار الآن أوضح من أن يُنكر.
لكن المشكلة لم تكن هنا.
المشكلة أنه لا يعتقد—
ولا يملك سببًا واحدًا يجعله يعتقد—
أنها تبادله ذلك.
بل على العكس.
كل ما يراه منها مؤخرًا يقول شيئًا واحدًا فقط:
أنها تبتعد.
رفع رأسه قليلًا.
ونظر إلى رفوف الكتب المقابلة.
فكر للحظة أن يعطيها شيئًا.
أي شيء.
شيئًا لا يكون فجًّا.
ولا واضحًا.
ولا يفضحه.
لكنه توقّف.
لأنه لا يعرف أصلًا ماذا تحب النساء عادة.
الحُلي؟
العطور؟
الأقمشة؟
كل هذا لا يعرف عنه شيئًا.
ولا يهمه.
لكن…
هو يعرف شيئًا واحدًا فقط.
ما الذي تحبه هي.
الكتب.
الطريقة التي تتغير بها عيناها حين ترى كتابًا.
الطريقة التي تنسى بها نفسها للحظات إذا وقعت على عنوان يجذبها.
تلك اللمعة الصغيرة التي لا تظهر لها كثيرًا…
إلا أمام الصفحات.
رفع عينيه أخيرًا إلى الرفوف العالية.
وظل صامتًا طويلًا.
يفكر.
يفكر كما لو أنه يبحث عن طريقة…
لا ليُسعدها فقط.
بل ليمنعها من الابتعاد أكثر.
وفي الجهة الأخرى من القصر…
كانت بيرين تعمل بهدوء.
وقلبها فقط هو من يعرف الحقيقة:
أنا لن أبقى هنا طويلًا.
لم يكمل شرها الا وقد نادتها الخادمات لبعض المهام ..
عند غروب شمس كانت اخيرًا انتهت من اخذ ألافرشة البيضاء ، وتعود بهم الى المخزن .
توقفت حينما رأته مسند بظهره الى تمثال ، توقفت ووضعت سلة على ارض مما تصادمت الاعشاب بها .
انحنت بخفة وسئلته ان كان يحتاج شيئاً.
الا انه قد استغرب من فعلتها تلك عن سائر الأيام..
وقف امامها مما ارتبكت قليلا واخرج من جيبه ققازان .
مدها نحوها ، لكنها قد استغرب ونظرت له وهزت براسها :
–أنها ليست لي .
_ اعرف .
“؟”
_خذيها .
مدت بيرين يدها تخت استغرابها ولتسئله ما دافع هذا .
الا أنه قد مشى لرحيل وتوقف قبل ان يستدير .
_لا تؤذي اصابعك في المرة القادمة .
توقفت لحظة ونظرت ليدها كانها فهمت ما يقوله .. هل لاحظ اخيرًا جروح يدي بسبب العشب واشواك الحديقة ؟
في صباح اليوم التالي،
استيقظت بيرين باكرًا كما اعتادت، قبل أن تستيقظ الشمس تمامًا، وقبل أن تمتلئ أروقة القصر بأصوات الخدم وحركة النهار الثقيلة.
كان البرد لا يزال عالقًا في أطراف الصباح، والهواء يلسع يديها رغم القفازات التي وضعتها بتردد قبل أن تبدأ عملها.
توقفت للحظة وهي تنظر إليهما.
القفازات.
ثم انتقلت عيناها إلى الكتاب الموضوع بعناية فوق الطاولة الصغيرة قرب سريرها.
ذلك الكتاب أيضًا الذي قد اعطاها مرة وطلب منها قرأته .
شدّت أنفاسها بهدوء، ثم صرفت نظرها بسرعة وكأنها تحاول إقناع نفسها أن الأمر لا يعني شيئًا.
لا بد أن ذلك مجرد… نزوة غريبة من رجل اعتاد أن يفعل ما يشاء.
وربما لا يعني أي شيء أصلًا.
بل من المؤكد أنه لا يعني شيئًا.
فما الذي قد يدفع رجلًا مثل الدوق آرين للاهتمام بفتاة مثلها؟
خفضت بصرها، ثم تمتمت في سرّها بمرارة خفيفة:
“هذا مستحيل.”
ولأنها لم تكن تملك رفاهية التفكير طويلًا، نهضت، رتبت نفسها، ثم خرجت لتكمل يومًا جديدًا من العمل.
مرّت ساعات الصباح الأولى سريعة وثقيلة.
تنقلت بيرين بين المهام التي أوكلت إليها، من ترتيب الممرات إلى حمل بعض الأغراض، ثم أُرسلت أخيرًا إلى مكتب الدوق لتنظيف الرفوف العالية وترتيب بعض الكتب والملفات.
وكان ذلك آخر مكان كانت ترغب في التواجد فيه.
دخلت المكتب بهدوء، وقد بدا المكان كما اعتادته دائمًا؛
واسعًا، أنيقًا، وهادئًا على نحو يبعث في النفس رهبة خفية.
الستائر الداكنة نصف مسدلة، وضوء النهار يتسلل بخفة عبر الزجاج الطويل، منسكبًا على الأثاث الخشبي الفاخر، وعلى الطاولة الكبيرة في وسط الغرفة.
وكان هو هناك.
يجلس خلف مكتبه.
آرين.
لم ترفع بيرين بصرها إليه إلا لمحة قصيرة سريعة، ثم انحنت بأدب بسيط.
“سيدي الدوق.”
ذلك الصمت الثقيل الذي بات يتكرر بينهما مؤخرًا، صمت لا هو مريح… ولا هو عابر.
صمت يجعلها تشعر بشيء غير مفهوم يزحف إلى صدرها كلما طال.
ولهذا اختارت أن تنشغل بعملها فورًا.
أخذت قطعة القماش، وبدأت تمسح الغبار عن الرفوف العالية بحركات هادئة، متنقلة من رف إلى آخر، تحاول أن تبدو مركزة كليًا فيما تفعل، وكأن وجوده في المكان لا يعنيها بشيء.
لكن الحقيقة كانت أن وجوده صار يربكها أكثر مما تريد الاعتراف به.
ولم يكن ما يربكها هو الرجل ذاته…
بل تبدله.
تلك التصرفات الصغيرة التي لا تشبهه.
تلك النظرات التي تسبق كلامه أحيانًا.
وذلك الشعور الغريب بأنها… باتت تُلاحظ.
كانت تكره هذا الشعور.
ولهذا لم تنتبه أصلًا إلى أن آرين لم يكن يقرأ ما أمامه.
بل كان ينظر إليها.
ينظر إليها منذ لحظة دخولها.
كانت تقف على أطراف قدميها قليلًا لتصل إلى الرف الأعلى، وترفع ذراعها وهي تنفض الغبار عن أطراف الخشب المصقول، بينما تسقط بعض خصلات شعرها على جانب وجهها دون أن تكترث.
كان يراقب تفاصيلها بصمت،
من انحناءة كتفها المتعبة،
إلى أصابعها النحيلة التي تمسك بالقماش،
إلى ذلك التركيز الصادق على وجهها وكأنها تؤدي شيئًا أهم بكثير من مجرد عمل بسيط.
لم يكن يعرف متى صار يراقبها بهذه الطريقة.
ولا متى أصبح حضورها داخل الغرفة كافيًا ليبعثر سكونه.
لكنه كان يعرف شيئًا واحدًا فقط:
أن الصمت بينهما بات يضايقه.
فقال أخيرًا، بصوت هادئ كمن يرمي سؤالًا عابرًا:
“أيّ العملين تفضلين أكثر؟”
توقفت يد بيرين للحظة، لكنها لم تلتفت.
“عذرًا؟”
قال وهو يثبت نظره عليها:
“عملكِ هنا… أم عملكِ في محل الزهور؟”
سكنت للحظة.
كان السؤال بسيطًا في ظاهره…
لكنه لم يكن كذلك بالنسبة لها.
لأنها، ومنذ بدأت العمل في محل الزهور، لم تسمح لنفسها أصلًا بأن تفكر أيهما تحب أكثر.
كانت تعرف جيدًا أن التفضيل رفاهية، وهي لم تعش يومًا بما يكفي لتملك رفاهية الاختيار.
لذا عادت تحرك يدها ببطء، وأكملت مسح الرف، ثم قالت بهدوء:
“الحياة لا تهدينا دائمًا ما نحب، سيدي.”
سكتت لحظة، ثم أضافت وهي تواصل عملها:
“لكنني أظن… أنني سأحب أي شيء، إن استطعت أن أتقنه. ففي النهاية… يظل هذا عملي.”
ساد الصمت.
لكن هذه المرة لم يكن صمتًا فارغًا.
رفع آرين بصره إليها ببطء، وكأن كلماتها علقت في داخله في موضع لم يتوقعه.
كانت إجابتها بسيطة جدًا…
وموجعة جدًا.
لأنها بدت كإجابة فتاة لم تعتد أن تُسأل أصلًا عما تريد.
فتاة لا تحلم كثيرًا، لا لأنها لا تملك قلبًا…
بل لأنها تعرف أن الأحلام قد تكون رفاهية قاسية للفقراء.
شعر بشيء ينقبض داخله.
وظلت عيناه معلقتين بها، تتابعانها وهي تواصل تنظيف الرفوف دون أن تلاحظ شيئًا من ذلك.
ثم قال فجأة:
“يمكنكِ الذهاب إلى محل الزهور الآن.”
توقفت.
توقفت يدها تمامًا في الهواء، بينما بقيت قطعة القماش بين أصابعها دون حركة.
استدارت ببطء نحوه، كأنها لم تتأكد أنها سمعت ما سمعت.
“ماذا؟”
كان آرين لا يزال جالسًا مكانه، لكن عينيه كانتا مثبتتين عليها مباشرة.
قال بنبرة هادئة جدًا:
“قلت إنكِ تستطيعين الذهاب الآن.”
اتسعت عيناها بوضوح.
للحظة، ظنت أنه يسخر منها.
هو نفسه من جعل ساعاتها في القصر أطول.
هو نفسه من أثقل عليها العمل طوال الشهرين الماضيين حتى لا تتمكن من المغادرة بسهولة.
فكيف…؟
كيف يقول هذا الآن بهذه البساطة؟
تعلقت أنفاسها في صدرها، ثم خرج صوتها مترددًا على نحو لم تستطع إخفاءه:
“ح… حقًا؟”
بقي آرين ينظر إليها.
ينظر مباشرة إلى عينيها الخضراوين الداكنتين، وقد ارتسمت فيهما تلك الدهشة الصافية التي لم يحاول أن يخفي افتتانه بها.
ثم قال، ببرود متعمد أخفى خلفه شيئًا آخر:
“إن لم تذهبي الآن… فربما أغيّر رأيي.”
ظلت بيرين تحدق فيه لثانيتين كاملتين، وكأن عقلها لم يستوعب بعد ما حدث.
ثم…
ولأول مرة منذ وقت طويل،
ارتسمت على وجهها ابتسامة حقيقية.
ابتسامة خرجت منها بلا حذر، بلا تفكير، بلا مقاومة.
ابتسامة صغيرة أولًا…
ثم اتسعت على نحو دافئ ومشرق حتى غيّرت ملامحها كلها.
توقفت الدنيا في عيني آرين للحظة.
لأنه، رغم كل ما رآه منها سابقًا…
رغم كل النظرات العابرة، والردود المرتبكة، والامتعاض الصامت، والانحناءات الرسمية الباردة…
لم تكن قد ابتسمت له هكذا من قبل.
أبدًا.
كانت تلك الابتسامة نفسها التي تمنحها للآخرين بسهولة…
التي طالما رآها وهي تتحدث مع هيو، أو تضحك مع لوسي، أو تلين بها ملامحها في محل الزهور…
لكنه الآن،
لأول مرة،
كان هو سببها.
وشيء ما تحرك في داخله بعنف أربكه هو نفسه.
شيء دافئ… وحاد… وغريب.
حتى إنه لم يدرك أنه ظل يحدق بها أطول مما ينبغي.
أما بيرين، فلم تلاحظ شيئًا من ذلك.
كانت لا تزال تحت وقع المفاجأة، وقد أشرقت ملامحها دون وعي، ثم قالت بسرعة وعفوية نادرة:
“شكرًا لك، سيدي.”
وكان في صوتها من الصدق ما جعل قلبه يضطرب على نحو لم يعجبه.
أخفضت رأسها بانحناءة صغيرة، لكن ابتسامتها لم تختفِ.
بل بقيت على شفتيها، مشرقة، حيّة، وناعمة إلى درجة جعلته يشعر بشيء يشبه الخسارة وهو يفكر أنها… لا تعرف ماذا فعلت به الآن.
ثم استدارت مسرعة، تكاد تخطئ في خطواتها من استعجالها، وخرجت من المكتب بخفة لم تكن عليها حين دخلت.
وبقي آرين وحده.
ساكنًا.
صامتًا.
ينظر إلى الباب الذي أُغلق خلفها منذ ثوانٍ…
وكأنه ما زال يرى أثر ابتسامتها في الهواء.
مرّت لحظة طويلة.
ثم أرخى ظهره ببطء إلى المقعد، وأدار وجهه قليلًا نحو النافذة، قبل أن يرفع يده إلى فمه في حركة شاردة، كأنه يحاول استيعاب ما شعر به للتو.
لقد سمح لها بالذهاب لأنه أراد أن يراها سعيدة.
فقط… سعيدة.
لكن ما لم يحسب حسابه أبدًا،
هو أن مجرد ابتسامة واحدة منها…
قد تكون كافية لإرباك قلبه بهذه الصورة.
خفض بصره أخيرًا، وتمتم بصوت خافت، كأنه يخاطب نفسه باستهجان:
“…ما هذا؟.”
لكنه، وللمرة الأولى،
لم يكن يعني بذلك انزعاجه.
بل العكس تمامًا.
في الجهة الأخرى،
كانت بيرين تهرول تقريبًا في الممرات، قابضة على طرف تنورتها قليلًا كي لا تعيقها خطواتها، وابتسامتها لا تزال عالقة على شفتيها رغم محاولتها كبحها.
كانت فرحتها أكبر من أن تخفيها.
حتى إنها حين خرجت من القصر أخيرًا، واستقبلها هواء النهار المنعش، توقفت للحظة فقط… ثم رفعت وجهها قليلًا نحو السماء وكأنها تلتقط نفسًا حقيقيًا بعد أيام طويلة من الاختناق.
لكن،
وسط تلك الفرحة الخفيفة،
تسلل إلى داخلها شيء آخر…
شيء صغير… مرتبك… وغير مفهوم.
لماذا فعل ذلك؟
لماذا تغيّر فجأة؟
ولماذا…
لماذا كانت تلك اللحظة، البسيطة جدًا،
كافية لتجعل قلبها يخفق بطريقة غريبة لم تعجبها؟
شدّت قبضتها على حقيبتها الصغيرة، ثم هزّت رأسها وكأنها تطرد الفكرة عن عمد.
“لا معنى لذلك.”
نعم، لا معنى له إطلاقًا.
إنه فقط… سمح لها بالذهاب.
هذا كل شيء.
لا أكثر.
ولا ينبغي أن يكون أكثر.
ومع ذلك…
لم تستطع، وهي تسرع نحو محل الزهور،
أن تمنع نفسها من تذكر نظراته الأخيرة قبل أن تخرج.
تلك النظرة التي لم تفهمها.
والتي، بطريقة ما…
جعلتها ترغب في ألّا تفهمها أصلًا.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 123"