الخدم يتحركون في الممرات، الأبواب تُفتح وتُغلق، صوت الأواني يأتي خافتًا من بعيد، وأشعة النهار الشاحبة تتسلل من النوافذ العالية لترسم خطوطًا باهتة على الأرض الرخامية.
كل شيء طبيعي.
إلا شيء واحد فقط…
أنها لم تكن هناك.
كان آرين يجلس خلف مكتبه.
أمامه أوراق كثيرة.
رسائل.
ملفات.
تقارير.
أمور يفترض أن يقرأها منذ الصباح.
لكن نظره لم يثبت على سطر واحد أكثر من ثوانٍ معدودة.
كان يعيد القراءة.
ثم ينسى ما قرأ.
ثم يرمي الورقة جانبًا وكأن الخطأ فيها، لا فيه.
مرّت خادمة قرب الباب الخارجي للممر.
ارتفع نظره فورًا.
ثم عاد وانخفض حين أدرك أنها ليست هي.
شدّ فكه بصمت.
ثم مد يده نحو قلمه.
لكن أصابعه توقفت في منتصف الطريق.
ما الذي يفعله بالضبط؟
ولماذا ينتبه لكل وقع خطوات في هذا الطابق؟
زفر ببطء.
ثم أعاد ظهره إلى الكرسي.
وأجبر نفسه على فتح ملف آخر.
قرأ العنوان.
ثم السطر الأول.
ثم السطر الثاني.
لكن عقله كان في مكان آخر.
هل لم تأتِ بعد؟
أم أنها تعمل في الجهة الخلفية؟
أم أنها تتعمد ألا تمر من هنا؟
توقفت يده فوق الصفحة.
ثم انخفضت ببطء.
وأغلق الملف.
صمت للحظات.
ثم ضغط بإصبعه على طرف المكتب مرة.
مرتين.
ثلاثًا.
إلى أن رفع رأسه أخيرًا وقال ببرود ظاهر لا يشبه ما في داخله:
“من في الخارج؟”
فتح أحد المساعدين الباب فورًا.
“نعم، سيدي؟”
نظر إليه آرين نظرة مستقيمة.
ثم قال، بنبرة عادية جدًا لو سمعها شخص لا يعرفه:
“أين الفتاة التي كانت تعمل في الحديقة مؤخرًا؟”
توقف المساعد لثانية.
ثم قال:
“الآنسة بيرين نولان؟”
لم يجب آرين.
وهذا كان كافيًا.
فأكمل المساعد بسرعة:
“لقد أخذت إجازة اليوم، سيدي.”
ساد الصمت.
ثانية واحدة فقط.
لكنها كانت كافية لأن تتبدل نظرة آرين قليلًا.
ضاقت عيناه.
“إجازة؟”
“نعم، سيدي.”
قالها المساعد بحذر.
“بإذن من السيدة ماريان.”
انحنى آرين قليلًا في مكانه.
وأراح مرفقه على طرف الكرسي.
إذن…
هي لم تتأخر.
بل لم تأتِ أصلًا.
بقي صامتًا للحظة.
ثم قال أخيرًا:
“يمكنك الانصراف.”
“حاضر، سيدي.”
أغلق المساعد الباب وراءه.
وعاد السكون إلى الغرفة.
لكن السكون هذه المرة…
لم يكن هادئًا.
أدار آرين وجهه ببطء نحو النافذة.
الحديقة ظاهرة بوضوح من هنا.
ذلك المسار الحجري الذي اعتاد أن يلمحها فيه.
تلك الزاوية القريبة من الشجرة التي جلست تحتها مرة وهي ترتجف.
وتلك المسافة القصيرة التي كانت تتحرك فيها وهي تحمل السلال أو تقص الأعشاب أو تنفض الغبار عن المزروعات الصغيرة.
كل شيء في مكانه.
إلا هي.
شدّ يده على ذراع الكرسي.
ثم أفلتها.
وعقد حاجبيه ببطء.
لماذا يزعجه هذا؟
إنها مجرد خادمة مؤقتة.
فتاة جاءت لتعمل بضعة أشهر ثم ترحل.
وجودها أو غيابها لا يعنيه.
ولا يجب أن يعنيه.
ولا يملك حتى سببًا رسميًا يبرر هذا الضيق السخيف الذي يزحف داخله منذ الصباح.
لكن رغم ذلك…
كان يشعر وكأن القصر كله أصبح أكثر فراغًا مما يجب.
وهذا وحده…
أزعجه أكثر.
خفض رأسه قليلًا.
ثم همس في نفسه ببرود أقرب إلى الإنكار:
“ليست مشكلتي إن غابت.”
لكن العبارة لم تُقنعه حتى هو.
رفع يده إلى ربطة عنقه.
وشدّها قليلًا.
ثم وقف من مكانه دفعة واحدة.
وتقدم نحو النافذة.
نظر إلى الحديقة مرة أخرى.
ثم همس هذه المرة بصوت أخفض:
“… فأين ذهبتِ إذًا؟”
انتهى الحديث أخيرًا بعد وقت قصير.
وبعد أن تبادلت بيرين بعض الكلمات الأخف معهما، عاد الجو في المحل أكثر هدوءًا.
اضطرت لوسي أن تغادر أولًا، فقد كانت لديها زيارة قصيرة لعمتها في الجهة الأخرى من الشارع.
أما هيو، فخرج معها حتى الباب.
ثم استدار ليلحق بها لبضع خطوات.
كان الهواء في الخارج باردًا، والنهار مائلًا إلى الشحوب.
وأصوات العربات المارة تأتي متقطعة من آخر الشارع.
سارا قليلًا بصمت.
إلى أن التفتت لوسي إليه أخيرًا.
ونظرت إليه نظرة جانبية خفيفة.
ثم قالت:
“أنت ما زلت تحبها.”
توقفت خطوات هيو للحظة.
ثم أطلق ضحكة قصيرة جدًا.
ليست ضحكة إنكار حقيقي.
بل ضحكة شخص ضُبط متلبسًا بشيء كان واضحًا للجميع أصلًا.
رفع يديه إلى جيبي معطفه.
ثم قال دون أن ينظر إليها مباشرة:
“هل أبدو بهذا الوضوح؟”
رفعت لوسي حاجبًا.
“للأسف، نعم.”
خفض هيو رأسه قليلًا.
ثم زفر بخفة.
وبدا للحظة أصغر سنًا مما هو عليه فعلًا.
كأن التعب الذي يحمله لم يعد قابلًا للإخفاء.
قال أخيرًا:
“كنت أظن…”
ثم سكت.
فعادت لوسي تنظر إليه بهدوء.
فأكمل بعد لحظة:
“كنت أظن أنني إذا بقيت قربها بما يكفي…”
شدّ فكه قليلًا.
ثم ابتسم ابتسامة باهتة لا تشبه الفرح.
“فسأصبح الخيار الطبيعي يومًا ما.”
توقفت لوسي عن المشي تمامًا.
ونظرت إليه.
أما هو، فبقي ينظر أمامه.
إلى الطريق.
إلى المارة.
إلى أي شيء عداها.
كأنه لا يريد أن يُرى وجهه وهو يقول هذا.
قال بصوت أخفض:
“أعرفها منذ طفولتنا.”
ثم أطلق زفرة قصيرة.
“أعرف متى تبتسم وهي متعبة. وأعرف متى تكذب حين تقول إنها بخير. وأعرف كيف تصمت حين ينكسر شيء داخلها.”
رفع رأسه قليلًا.
وعيناه مثبتتان على الفراغ أمامه.
“وأعرف أيضًا… أنها لا تنظر إليّ كما أنظر إليها.”
لأول مرة منذ مدة، لم تجد لوسي مزحة جاهزة.
ولا تعليقًا خفيفًا.
بل شعرت بشيء من الأسف الحقيقي نحوه.
لأنه لم يكن يتحدث الآن كصديق طفولة غيور فقط.
بل كرجل انتظر طويلًا…
ثم بدأ يفهم أن الانتظار وحده لا يغيّر شيئًا.
قالت لوسي أخيرًا بصوت هادئ:
“هيو…”
لكنه هز رأسه بخفة.
وقاطعها قبل أن تكمل.
“لا بأس.”
ثم ابتسم ابتسامة صغيرة، متعبة.
“أو على الأقل… سأتعامل مع الأمر.”
التفت إليها هذه المرة.
وأضاف بنبرة أخف، لكنها صادقة:
“أنا فقط أريدها بخير.”
صمت قليلًا.
ثم قال، كأن الجملة خرجت منه رغمًا عنه:
“حتى لو لم تكن معي.”
نظرت إليه لوسي طويلًا.
ثم ابتسمت له ابتسامة هادئة.
ليست ساخرة.
ولا لعوبة كعادتها.
بل ابتسامة تفهم.
“هذا مؤلم.”
ضحك هيو بخفوت.
“شكرًا لتوصيفك اللطيف.”
رفعت كتفيها.
“أنا صادقة.”
سارا من جديد.
ثم قالت لوسي بعد لحظة:
“لكنني أظن أنها تحتاجك الآن.”
نظر إليها هيو سريعًا.
فأكملت:
“ليس كحبيب.”
ثم أمالت رأسها قليلًا.
“بل كشخص لا يضغط عليها.”
سكت هيو.
وفهم.
وهذا وحده جعله يزفر مرة أخرى.
ثم هز رأسه ببطء.
“أستطيع فعل ذلك.”
رفعت لوسي يدها لتوقف عربة صغيرة تمر قرب الرصيف.
لكنها قبل أن تصعد التفتت إليه مرة أخيرة.
ثم قالت بنبرة خفيفة، تحمل شيئًا من الدعابة هذه المرة:
“لكن لو جرحتها يومًا ما، سأقف ضدك.”
اتسعت عينا هيو قليلًا.
ثم ضحك فعلًا.
“حتى وأنتِ أصغر مني؟”
“خصوصًا لأنني أصغر منك.”
قالتها لوسي بثقة مضحكة.
فابتسم أخيرًا بشكل أوضح.
ثم هز رأسه.
“اذهبي.”
ابتسمت له.
ثم صعدت.
ورحلت العربة.
وقف هيو مكانه بعد رحيلها.
يداه في جيبيه.
وعيناه على الشارع الممتد أمامه.
ثم التفت ببطء نحو واجهة محل الزهور.
ورأى من خلف الزجاج بيرين تتحرك بهدوء داخل المكان.
ترتب شيئًا على الطاولة.
وتخفض رأسها لتقص ورقًا زائدًا عن ساق وردة بيضاء.
وكانت تبدو…
هادئة.
أهدأ مما كانت عليه في الأيام الماضية.
وهذا وحده كان كافيًا لأن يبتلع ما تبقى من كلامه.
خفض نظره قليلًا.
ثم همس لنفسه بصوت يكاد لا يُسمع:
“سأبقى فقط… إلى أن لا تعودي تحتاجينني.”
لكن شيئًا ما في قلبه—
كان يعرف أن أصعب جزء في ذلك…
هو أن يبقى قريبًا منها بما يكفي ليحميها،
وبعيدًا عنها بما يكفي كي لا يطلبها لنفسه.
عادت بيرين إلى القصر في صباح اليوم التالي.
لم تكن ترغب بذلك.
لكن الحياة لم تكن تمنحها رفاهية أن تختار ما ترغب به أصلًا.
لذا ارتدت ملابس العمل البسيطة، رفعت شعرها كيفما اتفق، وأخفت ما استطاعت من إرهاقها خلف وجه هادئ لا يقول شيئًا.
كانت تظن أن الأيام ستعود إلى رتابتها السابقة.
قليل من العمل.
قليل من التعب.
وقليل من التجاهل الذي اعتادت عليه.
لكنها بدأت تلاحظ شيئًا منذ الساعات الأولى.
أن أعمالها ازدادت.
في البداية، أقنعت نفسها أنها تبالغ.
ربما كان اليوم مزدحمًا فقط.
ربما غابت خادمة أخرى.
ربما كانت مجرد مصادفة.
لكن المصادفات لا تتكرر بهذه الدقة.
كلما أنهت شيئًا—
ظهر شيء آخر.
وكلما مرّت من الجناح القريب من مكتب الدوق—
كان هناك عمل جديد بانتظارها.
تنظيف إطار نافذة.
ترتيب رف صغير.
تبديل ماء المزهرية.
إزالة الغبار عن تمثال رخامي لا يراه أحد أصلًا.
ثم مسح أطراف الرفوف الخشبية العالية.
ثم إعادة ترتيب بعض الملفات الموضوعة في الردهة الخارجية.
كلها أشياء بسيطة… لكنها كثيرة.
وكثرتها وحدها كانت كافية لتُشعرها بما لا تريد الاعتراف به.
أن هذا ليس عبثًا.
شدّت بيرين يدها على قطعة القماش المبللة وهي تمسح حافة الطاولة الطويلة.
وعيناها لا ترتفعان.
لكن داخلها كان يغلي.
كانت تعرف.
تعرف تمامًا من يفعل هذا.
وتعرف أيضًا أنه يفعل ذلك لأنه يستطيع فقط.
وهذا أكثر ما كان يثير غيظها.
لكنها لم تُظهر شيئًا.
لم تتذمر.
لم تعترض.
بل أكملت العمل وكأنها لا ترى اللعبة التي يلعبها معها.
وكأنها لا تفهم الرسالة المختبئة خلف كل مهمة إضافية توضع في طريقها.
حين انتهت أخيرًا من تنظيف الردهة القريبة من مكتبه، كانت تحمل سطل الماء بيد، وقطعة القماش بالأخرى.
أنفاسها أثقل بقليل.
وكتفاها متصلبان من الجهد.
لكنها وقفت مستقيمة رغم ذلك.
وألقت نظرة سريعة على الأرضية اللامعة التي أنهتها قبل لحظات.
نظيفة.
مرتبة.
ولا ينقصها شيء.
فاستدارت لتغادر.
“لم تنظفي هناك جيدًا.”
توقف كل شيء.
حتى صوت خطواتها.
حتى الماء الذي كان يهتز بخفة داخل السطل.
تجمد للحظة.
ثم أغلقت بيرين عينيها ببطء.
كأنها تعدّ في داخلها حتى لا تنفجر.
استدارت ببطء شديد.
وكان هو هناك.
واقفًا عند عتبة الباب الداخلي لمكتبه.
إحدى يديه في جيب معطفه.
والأخرى مرتخية إلى جانبه.
ملامحه هادئة إلى درجة مستفزة.
وعيناه مثبتتان عليها بثبات بارد.
اتبعت بيرين نظرته.
إلى الزاوية البعيدة من الأرضية.
بقعة صغيرة.
لا تكاد تُرى أصلًا.
لكنها موجودة.
وكان هذا كافيًا.
شدّت أصابعها على مقبض السطل بقوة أكبر.
حتى ابيضّت مفاصلها.
ثم مشت نحو تلك الزاوية دون كلمة.
جثت قليلًا.
وعصرت قطعة القماش أكثر من اللازم.
ثم بدأت تمسح البقعة بقوة أوضح من اللازم أيضًا.
كأنها لا تمسح أرضية.
بل تحاول سحق شيء آخر تمامًا.
شيء لا يمكن لمسه.
ولا قوله.
كان آرين يراقبها بصمت.
صمت طويل.
مزعج.
حتى نطق أخيرًا، بصوته المنخفض الهادئ:
“أنتِ غاضبة.”
توقفت يدها للحظة.
لكنها لم ترفع رأسها.
قالت ببرود حاولت تثبيته:
“لا، سيدي.”
بقي صامتًا لثانية.
ثم قال:
“لأنه رحل؟”
تجمدت أصابعها.
ببطء شديد جدًا.
رفعت عينيها نحوه.
ولم تحتج أن تسأله عمّن يقصد.
فهي عرفت فورًا.
ليونارد.
اشتعل شيء في صدرها فورًا.
ذلك النوع من الغضب الذي يأتي من جرحٍ لم يُغلق بعد.
لكنها لم تصرخ.
ولم تبرر.
بل وقفت ببطء.
ثم رفعت السطل معها.
ونظرت إليه نظرة هادئة أكثر مما ينبغي.
وهذا وحده جعلها أخطر.
قالت بصوت ثابت:
“السيد ليونارد…”
ثم أمالت رأسها قليلًا.
“لم أختره زوجًا.”
توقفت لحظة.
ثم أضافت، وكأنها تلقي جملة عادية لا أكثر:
“لكن غيره…”
التقت عيناها بعينيه مباشرة.
“يمكنني أن أتزوجه.”
ساد الصمت.
صمت ثقيل جدًا هذه المرة.
وكأن الهواء نفسه أصبح أكثر حدة.
لكنها لم تتوقف.
كأنها— ولأول مرة— قررت أن تؤذيه بالكلمات كما آذاها بالأفعال.
فقالت وهي تنظر حولها إلى القصر الواسع من خلف النوافذ الطويلة:
“سأنتهي من هذا كله يومًا ما.”
ثم عادت بعينيها إليه.
“وسأخرج من هنا.”
ابتسم آرين.
لكنها لم تكن ابتسامة ارتياح.
ولا حتى سخرية خفيفة.
بل شيء أهدأ…
وأخطر.
ابتسامة رجل لم تعجبه الجملة الأخيرة أبدًا.
وخلف هدوئه، كان شيء آخر قد بدأ يشتعل.
رأته يتحرك.
خطوة واحدة فقط.
فتراجعت بيرين تلقائيًا.
ثم خطوة أخرى.
فتراجعت ثانية.
كان وجهه لا يزال هادئًا.
لكن عينيه لم تكونا كذلك.
وهذا ما أخافها أكثر.
“توقّف.”
خرجت الكلمة منها أسرع مما أرادت.
لكنه لم يتوقف.
بل واصل التقدم حتى لم يبقَ بينهما إلا مسافة قصيرة جدًا.
أقصر من أن تشعر معها بالأمان.
تراجعت بيرين خطوة أخرى.
لكن حافة الطاولة الصغيرة خلفها منعتها من المزيد.
اتسعت عيناها.
وشدّت يدها على السطل أكثر.
لكن قبل أن تفعل شيئًا—
رفع آرين يديه.
وأمسك وجهها بين كفيه.
شهقت بيرين.
وتيبس جسدها كله.
كان دفء كفيه صادمًا أكثر من قسوته.
وأصابعه ثابتة على جانبي وجهها.
تمنعها من الالتفات.
من الهرب.
من النظر بعيدًا.
“سيدي—”
لكن صوتها انكسر قبل أن يكتمل.
لأن نظرته كانت غريبة.
غاضبة.
ومشدودة.
وكأن شيئًا في داخله انقطع منذ الليلة الماضية ولم يعد يعرف كيف يعيده إلى مكانه.
ثم قال بصوت منخفض جدًا…
لكنه خرج كأمر:
“ابتسمي.”
تسارعت أنفاسها.
“ماذا…؟”
اقترب قليلًا.
وشدّ نظرته عليها أكثر.
“ابتسمي لي يا بيرين.”
اتسعت عيناها أكثر.
لم تفهم.
أو ربما فهمت أكثر مما يجب.
تذكرت فجأة—
ضحكتها مع هيو.
ابتسامتها في محل الزهور.
تلك اللحظة التي رآها فيها مع غيره.
والآن…
كان يطلب منها شيئًا لم تمنحه له يومًا.
حاولت أن تدفع يديه بعيدًا.
لكن قبضته على وجهها لم تكن مؤذية…
فقط حاسمة.
وذلك جعل الأمر أسوأ.
“اتركني—”
همستها خرجت مرتجفة.
لكنها لم تُزحزحه.
نظر إليها آرين لحظة طويلة.
ثم تحركت يداه ببطء.
نزولًا من وجنتيها.
إلى ما تحت أذنيها.
ثم إلى كتفيها.
وبقيت أنفاس بيرين عالقة في صدرها.
جسدها مشدود.
وعيناها عليه بخوف لم تستطع إخفاءه.
ثم، وكأنه لم يفهم بنفسه لماذا يفعل ما يفعل—
سحبها نحوه فجأة.
فاصطدم جسدها بصدره.
واختفى ما بقي من المسافة بينهما.
تجمدت بيرين في مكانها.
شعرت بذراعيه تطوقانها.
ليس بعنفٍ صريح…
لكن بقوة كافية لتربكها.
لتخيفها.
لتكسر آخر ما بقي لها من قدرة على التفكير.
“اتركني…”
خرجت هذه المرة أوضح.
لكنها لم تكن صرخة.
بل رجاء مرتبك.
مكسور.
حاولت أن تدفعه.
وضعت كفيها على صدره.
لكن ذراعيها كانتا أضعف من أن تزيحاه فعلًا.
وخوفها كان أكبر من قدرتها على المقاومة.
وبدأت تشعر بالارتجاف يتسلل إلى أطرافها.
ذلك النوع من الارتجاف الذي يأتي حين لا يفهم الجسد إن كان يجب أن يقاتل… أم يهرب… أم يتجمد فقط.
وببطء…
بطءٍ أزعجه هو نفسه—
بدأ يشعر بذلك.
شعر بارتجافها.
بأنفاسها المضطربة.
بصلابة جسدها المرتعب بين ذراعيه.
ورأى أخيرًا…
أنه لم يعد يرى الغضب في عينيها فقط.
بل الخوف.
وهذا وحده—
كان كافيًا ليصفعه داخليًا.
اتسعت عيناه قليلًا.
ثم أفلتها فورًا.
وكأن لمسة النار انتقلت إليه هو هذه المرة.
تراجعت بيرين خطوة للخلف مباشرة.
ثم أخرى.
ثم أمسكت السطل بيدين مرتجفتين.
كانت أنفاسها غير منتظمة.
وعيناها لا تزالان متسعتين.
ولا تجرؤان على النظر إليه أكثر من لحظة.
أما هو…
فبقي واقفًا مكانه..
نظر إلى يديه للحظة قصيرة.
ثم عاد بنظره إليها.
لكن الكلمات لم تخرج.
ولأول مرة منذ عرفته…
لم يكن لديه شيء بارد يقوله.
لم تنتظر بيرين.
استدارت بسرعة.
كانت تفكر الى كم مرة يحصل هذا؟
وكادت تتعثر في خطواتها.
ثم خرجت من الردهة وهي تقبض على السطل بقوة وكأنه الشيء الوحيد الذي يبقيها ثابتة.
مشت بسرعة.
بسرعة أكبر من أن تبدو طبيعية.
وكتفاها مشدودان.
وأنفاسها تتلاحق.
ولم تتوقف حتى خرجت من ذلك الجناح كله.
في طريق العودة إلى المنزل
لم تتذكر بيرين كيف أنهت ما تبقى من يومها.
ولا كيف خرجت من القصر.
ولا كيف مشت كل ذلك الطريق.
كل ما كانت تعرفه…
أن يديها كانتا لا تزالان ترتجفان.
وأن صدرها كان ضيقًا.
وأن شيئًا ما فيها…
لم يعد يشعر بالأمان هناك.
حين وصلت إلى المنزل، دفعت الباب بهدوء.
ودخلت.
وكان المكان ساكنًا.
لكنها لم تقل شيئًا.
لم تخلع حذاءها حتى بشكل صحيح.
لم ترفع نظرها.
بل مشت مباشرة إلى الداخل.
وكأنها تخشى أن يتبعها ذلك الشعور حتى هنا.
وفي غرفتها…
ثم جلست على طرف السرير.
وحدقت في الفراغ.
لفترة طويلة جدًا.
قبل أن ترفع يديها ببطء…
وتلمس وجنتيها.
المكان الذي أمسكها منه.
فتنخفض أنفاسها مجددًا.
وتغمض عينيها بقوة.
ثم همست، بصوت متعب جدًا:
“… أريد أن أخرج من هذا القصر.”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 122"