كان صاحب المحل، السيد ادريان يقف قرب الطاولة الطويلة يفرز بعض الزهور الموردة، شاربه الملتف الخفيف يتحرك كلما تمتم لنفسه بشيء عن ترتيب السيقان.
رفع رأسه حين رآها.
“آه، آنسة بيرين. باكرًا اليوم.”
حاولت بيرين أن تبتسم.
“نعم، سيدي. ظننت أنني قد أساعد في الترتيب قبل الزبائن.”
نظر إليها ليونيل لحظة.
ثم هز رأسه بقبول.
“جيد. إذًا خذي هذه الورود البيضاء أولًا. سنرتبها في الواجهة.”
“حسنًا.”
بدأت تعمل فورًا.
وكان ذلك أفضل شيء يمكن أن تفعله الآن.
أن تتحرك.
أن ترتب.
أن تقص.
أن تربط.
أن تفكر في شيء بسيط وواضح ومحدد مثل طول الساق أو زاوية الشريط أو كمية الماء داخل المزهرية.
لا في رجل يقف بعينيه الباردتين داخل رأسها رغمًا عنها.
مرّ بعض الوقت.
والعمل في المحل أخذ ينساب بهدوء.
دخلت امرأة عجوز واشترت باقة صغيرة.
ثم طفل أراد وردة واحدة لأمه.
ثم شابة تجهز لزيارة مريضة.
وكانت بيرين تتعامل معهم بلطف طبيعي، وتشرح وتلف وتربط وتبتسم بخفة حين يلزم الأمر.
وللمرة الأولى منذ يومين—
شعرت أنها قادرة على التنفس.
ليس لأنها نسيت.
بل لأنها توقفت عن التفكير للحظات.
وهذا وحده كان رحمة.
المعطف… ثم الباب
حين خفّ الزحام أخيرًا قليلًا، وقفت بيرين قرب المدخل الداخلي للمحل.
رفعت يديها إلى معطفها الخارجي.
فقد بدأت حرارة المكان تدفئ أطرافها أخيرًا.
نزعت المعطف ببطء.
ثم رفعت ذراعيها لتعلّقه على العلاقة الخشبية الطويلة القريبة من الباب الجانبي.
ارتفعت أطراف أصابعها.
والقماش انسدل من يديها برفق.
لكن—
قبل أن تضعه تمامًا،
انفتح الباب فجأة.
باندفاعة أسرع من المعتاد.
فتوقفت.
والتفتت فورًا.
دخل هيو أولًا.
أنفاسه أسرع من الطبيعي.
ملامحه مشدودة.
وعيناه تبحثان عنها بسرعة واضحة ما إن دخل.
وخلفه مباشرة—
كانت لوسي.
شعرها مرتبك قليلًا، ووجهها يحمل قلقًا حقيقيًا.
وكأن الاثنين وصلا إلى هنا بعد أن قطعا الطريق على عجلة.
ما إن وقعت عينا هيو عليها—
حتى اتجه نحوها فورًا.
“بيرين.”
قال اسمها بصوت خرج أخفض من المعتاد.
لكنه مشحون.
ثم توقف أمامها مباشرة.
ونظر إلى وجهها.
كأنه يتأكد بنفسه أنها بخير.
أو يحاول أن يقرأ ما لا تقوله.
عقدت بيرين حاجبيها قليلًا.
ولا تزال يدها ممسكة بطرف المعطف.
“… هيو؟”
ثم انتقلت عيناها إلى لوسي.
“لوسي؟”
اقتربت لوسي خطوتين كذلك.
وكان واضحًا عليها التوتر.
لكنها تركت لهيو الكلام أولًا.
أما هو—
فنظر إليها طويلًا.
ثم سألها أخيرًا بصوت واضح، قلق، ومستعجل:
“ماذا جرى؟”
تجمدت بيرين مكانها.
ولثانية كاملة—
لم تفهم.
أخفضت المعطف قليلًا عن العلاقة.
ثم رمشت مرة.
“… ماذا؟”
شدّ هيو فكه قليلًا.
وكانت نبرته هذه المرة أهدأ، لكنها لم تفقد حدتها:
“منذ البارحة وأنتِ لا تردين كما يجب ، ونظرات ليونارد لمحل زهور ليست كما كانت فسابق؟
توقفت أنفاس بيرين قليلًا.
ظلّ السؤال معلّقًا في هواء محل الزهور للحظات.
“ماذا جرى؟”
كانت يد بيرين ما تزال ممسكة بطرف معطفها.
وعيناها انتقلتا بين هيو ولوسي.
رأت القلق في ملامحهما بوضوح.
ورأت أيضًا شيئًا آخر…
ذلك النوع من الاهتمام الذي يجعل الكذب أصعب.
لكن قول الحقيقة…
كان مستحيلًا.
كيف يمكنها أن تقول ما حدث؟
كيف تصف شيئًا لا تفهمه هي نفسها؟
كيف تقول إن كل شيء انهار لأن رجلًا لا يفهم حدوده قرر أن يتدخل مجددًا؟
وكيف تشرح نظرة آرين…
أو صوته…
أو تلك الفوضى التي تركها في داخلها؟
لا.
هذا ليس شيئًا تريد لأحد أن يعرفه.
خفضت بيرين المعطف عن العلاقة أخيرًا.
ثم وضعته بهدوء.
واستدارت نحوهما.
وأجبرت نفسها على أن يبدو صوتها طبيعيًا.
“لا شيء خطير.”
لم يقتنع هيو.
ظهر ذلك فورًا في عينيه.
أما لوسي، فقد ظلت تنظر إليها بترقب.
فأخذت بيرين نفسًا خفيفًا.
ثم قالت، بنبرة حاولت أن تجعلها أبسط مما تشعر:
“فقط…”
توقفت لحظة.
ثم أكملت:
“اتضح أننا لم نكن مناسبين لبعض.”
ساد صمت قصير.
وكأن الجملة كانت أخف من التوتر الذي جاءا به.
رفعت لوسي حاجبيها قليلًا.
أما هيو—
فتصلبت ملامحه للحظة قصيرة جدًا.
ثم، وبشكل لا إرادي تقريبًا…
أنزل كتفيه.
ورفع يديه خلف رقبته.
وأطلق زفرة صغيرة.
زفرة من شخص كان يحبس توترًا لم يعترف به حتى لنفسه.
ثم أشاح بنظره قليلًا نحو أرجاء المحل، كأنه يحاول أن يخفي ارتياحه المفاجئ.
ولم يفته ذلك على لوسي..
أما هيو، فتنحنح قليلًا حين أدرك ربما أنه كشف نفسه أكثر مما أراد.
ثم قال بصوت بدا محاولًا أن يكون عاديًا:
“حسنًا…”
وأخفض يديه.
“هذا يحدث.”
ثم أضاف بسرعة، كأنه يريد أن يبدو متزنًا:
“أقصد… من الأفضل أن تعرفي هذا الآن بدلًا من أن يتعقد الأمر لاحقًا.”
راقبته بيرين بصمت.
ثم هزت رأسها بخفة.
“نعم.”
قالتها فقط.
لا أكثر.
لكن لوسي، بخلافه، لم تحاول النبش في الأمر أكثر.
ربما لأنها التقطت شيئًا في وجه بيرين يقول بوضوح:
هذا كل ما سأقوله.
لذا تحركت بنعومة لتغيّر مسار الحديث تمامًا.
اقتربت خطوة.
ثم قالت بابتسامة خفيفة:
“بصراحة، هذا أفضل من بعض النهايات التي رأيتها.”
التفتت إليها بيرين.
فأكملت لوسي وهي ترفع كتفيها بمزاح لطيف:
“على الأقل لم يختفِ فجأة، أو يتزوج ويهرب أو يكتشف فجأة أنه يريد أن يسافر ويترك كل شيء.”
رفعت بيرين حاجبًا.
“حدث هذا فعلًا؟”
“أوتيس أخبرني به.”
قالتها لوسي بسرعة.
“ويبدو أنه كان مستمتعًا جدًا وهو يسرد التفاصيل.”
هنا فقط—
تحرك طرف فم بيرين فعلًا.
ابتسامة صغيرة.
خفيفة جدًا.
لكنها حقيقية.
لاحظتها لوسي فورًا.
فابتسمت هي الأخرى وكأنها أنجزت شيئًا.
أما هيو، فوقف ينظر بينهما لثوانٍ.
ثم قال بتنهيدة قصيرة:
“أوتيس يعرف أناسًا أغرب من الروايات.”
ضحكت لوسي بخفة.
“لأنه نصف وقته يعيش داخل الروايات أصلًا.”
ردّ هيو بنبرة مستسلمة:
“وهذا صحيح أيضًا.”
انخفض التوتر في المكان قليلًا.
وشعرت بيرين، أن صدرها ارتخى مقدارًا صغيرًا.
ليس لأنها بخير.
بل لأن أحدًا لم يضغط على الجرح.
وهذا وحده كان مريحًا.
استندت بخفة إلى طرف الطاولة الخشبية القريبة.
ثم نظرت إلى لوسي.
“بالمناسبة…”
رفعت لوسي نظرها إليها.
فقالت بيرين بنبرة أخف:
“كيف تسير أموركِ مع أوتيس؟”
تبدلت ملامح لوسي فورًا.
بسرعة تكاد تكون طريفة.
“أموري؟”
قالتها وكأنها لا تعرف عمّ تتحدث.
فرفعت بيرين حاجبًا، هذه المرة بوضوح أكبر.
“نعم، أموركِ.”
أشاحت لوسي بعينيها قليلًا.
لكن احمرارًا خفيفًا بدأ يتسلل إلى وجنتيها.
أما هيو، فما إن فهم الاتجاه الذي يسير إليه الحديث حتى أطلق ضحكة صغيرة.
“أوه، أخيرًا.”
التفتت إليه لوسي فورًا.
“لا تبدأ.”
لكن هذا لم يوقفه.
بل عقد ذراعيه ونظر إلى بيرين وكأنه وجد أخيرًا موضوعًا أفضل بكثير من ليونارد.
“إنها تظن أننا لا نلاحظ.”
رفعت لوسي حاجبيها بصدمة متظاهرة.
“أنتم لا تلاحظون شيئًا.”
قالت بيرين بهدوء ساخر خفيف:
“بل نلاحظ.”
ثم أضافت وهي تنظر إلى لوسي مباشرة:
“وأظن أنكما لا تجيدان التظاهر أصلًا.”
اتسعت عينا لوسي قليلًا.
ثم أطلقت زفرة خفيفة.
“هذا ظلم.”
لكن ابتسامتها فضحتها تمامًا.
اقتربت بيرين خطوة.
ثم مالت برأسها قليلًا وهي تنظر إليها بابتسامة صغيرة أكثر دفئًا هذه المرة.
“إذًا؟”
تنهدت لوسي أخيرًا.
ثم قالت بصوت أخفض قليلًا، كأنها تعترف بشيء صغير لا تريد أن يبدو كبيرًا:
“هو فقط…”
توقفت.
ثم ابتسمت دون أن تشعر.
“لطيف.”
رمشت بيرين.
ثم التفتت ببطء نحو هيو.
أما هو—
فرفع حاجبيه كأنه يقول: أرأيتِ؟
فضحكت بيرين هذه المرة فعلًا.
ضحكة قصيرة.
هادئة.
لكنها خرجت منها بصدق.
وهذا وحده كان كافيًا لأن يخفف شيئًا من الغيم الذي كان فوقها.
قالت بيرين وهي تعود بنظرها إلى لوسي:
“حسنًا…”
ثم رفعت إصبعها الصغير وكأنها تعلن شرطًا مهمًا:
“إن تطور الأمر أكثر، فعليكِ دعوتي.”
اتسعت ابتسامة لوسي فورًا.
ثم وضعت يدها على صدرها بمبالغة لطيفة.
“بالتأكيد.”
ثم مالت نحوها قليلًا وأكملت بنبرة أكثر نعومة:
“وأتمنى أن يكون ذلك قريبًا.”
نظرت إليها بيرين لثوانٍ.
ثم ابتسمت.
ابتسامة صغيرة.
هادئة.
ومليئة بشيء بسيط جدًا…
لكنه نادر في أيامها الأخيرة.
الراحة.
ولو لدقائق فقط.
لمحة خفيفة في داخل بيرين
وقفت بينهم.
تسمع حديثًا عاديًا.
وترى وجوهًا تحبها.
وتشم رائحة الزهور حولها.
وفكرت، للحظة قصيرة جدًا—
أن العالم قد يكون أقل قسوة في أماكن صغيرة كهذه.
أما القصر…
أما آرين…
أما كل ما حدث هناك…
فكأنها أرادت أن تتركه خارج هذا الباب ولو لساعة واحدة فقط.
لكن رغم ذلك—
وفي مكانٍ مزعج من داخلها—
بقي شيء واحد يرفض أن يصمت:
لماذا قال تلك الكلمات…؟
شدّت أصابعها قليلًا على حافة الطاولة.
ثم أجبرت نفسها على صرف الفكرة.
ليس الآن.
ليس هنا.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 121"