لكن المساعد، الذي اعتاد على شروده المحدود فقط لا الكامل، أعاد الحديث على عجلة.
أما آرين—
فقد ظل ينظر من طرف عينه إلى الخارج.
يرى إيليانا تقترب منها.
يرى أن بيرين تتكلم معها أكثر مما تتكلم مع أي أحد آخر.
يرى تلك المسافة الواضحة التي وضعتها بينه وبين نفسها منذ الصباح.
ويرى أيضًا…
أن الأمر أزعجه أكثر مما يجب.
بل أكثر مما يحق له.
مرّ النهار ثقيلًا.
وكل مرة كانت تقترب فيها خطواته من ممرٍ ما…
كانت بيرين تختفي قبل أن يصل.
وكل مرة كان يخرج فيها إلى الحديقة—
تكون قد انتقلت إلى الداخل.
وكل مرة يمر فيها أحد الخدم بقربها ويذكر اسم “سيدي الدوق” عرضًا…
كانت تنكمش ملامحها لحظة، ثم تتماسك.
وكأنها صارت تخشى حتى سماع اسمه.
وقد لاحظ آرين ذلك كله.
لاحظ أنها لم تعد تنظر نحوه.
لم تعد تتجمد بوجوده فقط.
بل تنسحب.
وكأنها تبني جدارًا صامتًا.
جدارًا لا يسمح له حتى بأن يقترب من حدودها.
وفي كل مرة كان يلاحظ هذا—
كان شيء في داخله يشتد.
أكثر.
وأكثر.
وأكثر.
حتى بدأ لأول مرة…
يفهم.
البداية الحقيقية لإحساسه
لم يكن انزعاجه من هيو فقط.
ولا من ليونارد.
ولا من فكرة أن تخرج من القصر.
ولا من فكرة أن تبتسم لشخص آخر.
ولا حتى من احتمال زواجها.
بل من شيء أبشع.
أكثر وضوحًا.
وأكثر صدقًا.
شيء لا يستطيع تسميته بسهولة لأن تسميته ستجعله حقيقيًا.
كان يريدها أن تبقى في ناظريه.
أن تبقى ضمن مداه.
أن تبقى موجودة.
أن تلتفت إليه.
أن تتوقف عن ذلك البرود الجديد الذي عاملته به اليوم.
أن تعود لتلك النظرات المرتبكة أو الغاضبة أو حتى الساخطة—
أي شيء…
إلا هذا الابتعاد الصامت.
وهنا فقط—
أدرك آرين، متأخرًا جدًا، وبانزعاج يكاد يكون عدائيًا:
أنه لا يطيق فكرة أن تصبح بعيدة عنه.
وهذا لم يكن فضولًا.
ولا تسلية.
ولا عنادًا.
ولا مجرد اهتمام مؤقت.
بل كان شيئًا آخر…
شيئًا بدأ يزحف نحوه ببطء منذ مدة،
وهو الآن فقط…
أصبح واضحًا بما يكفي ليخيفه.
شد على قلمه حتى كاد ينكسر بين أصابعه.
ثم أنزله بعنف فوق المكتب.
ونهض.
نظر من النافذة مرة أخيرة.
فرآها تميل على المزهرية الأخيرة في آخر الممر، وشعرها منسدل قليلًا على كتفها، ووجهها ما يزال شاحبًا.
فقال ببرود مصطنع لمساعده:
“استدعِ بيرين نولان إلى مكتبي الليلة.”
توقف المساعد.
ثم رمش مرة.
“الليلة، سيدي؟”
رفع آرين نظره إليه ببطء.
وكان ذلك كافيًا.
فانحنى المساعد فورًا.
“كما تأمر.”
حين يصلها الخبر
كانت الشمس قد مالت إلى الغروب حين أنهت بيرين آخر عمل لها قرب الممر الحجري الطويل.
وكانت قد بدأت تجمع أدواتها حين جاءت إيليانا مسرعة نحوها.
“بيرين.”
رفعت بيرين رأسها.
فقالت إيليانا وهي تخفض صوتها قليلًا:
“مساعد الدوق كان يبحث عنكِ.”
توقفت يد بيرين فوق السلة.
“… لماذا؟”
رفعت إيليانا كتفيها.
“لا أعرف. لكنه قال إن عليكِ الحضور إلى مكتب سيدي الدوق الليلة بعد انتهاء المهام.”
تجمدت ملامح بيرين.
وكأن أحدًا سكب في عروقها ماءً باردًا دفعة واحدة.
“الليلة؟”
“نعم.”
اتسعت عيناها قليلًا.
ثم انخفضتا.
وبدأت أفكار كثيرة تضرب رأسها دفعة واحدة.
لماذا؟
هل بسبب الأمس؟
هل سيعاتبها؟
هل سيوبخها؟
هل سيطردها؟
هل سيتصرف وكأن شيئًا لم يحدث؟
أي احتمال من هذه الاحتمالات كان أسوأ؟
لم تعرف.
لكن الشيء الوحيد الذي عرفته فورًا—
هو أنها لا تريد الذهاب.
لا تريد أن تكون وحدها معه في غرفة مغلقة بعد كل ما حصل.
لا تريد أن تسمع صوته قريبًا منها.
ولا أن ترى عينيه وهي تحاول أن تتصرف وكأنها لم ترتجف تحت المطر بين ذراعيه.
“بيرين؟”
صوت إيليانا أعادها.
رفعت رأسها إليها ببطء.
“هل أنتِ بخير؟”
هزت بيرين رأسها بسرعة صغيرة.
“نعم…”
لكنها لم تكن كذلك.
أبدًا.
ثم ابتلعت ريقها.
وأخذت السلة من جديد.
وقالت بصوت أخفض:
“سأذهب.”
رغم أن قلبها في تلك اللحظة كان يقول:
لا تذهبي.
حلّ الليل ببطء.
وكان القصر أكثر هدوءًا من المعتاد.
الأنوار الجانبية خافتة.
الممرات طويلة.
والهواء أبرد.
أما بيرين—
فكانت تقف عند نهاية الممر المؤدي إلى مكتب آرين.
ويداها متشابكتان أمامها بقوة.
وقلبها يخفق أسرع مما يجب.
كانت تسمع نبضها في أذنيها.
وترى الضوء الخافت المنسكب من أسفل الباب المغلق.
يعني أنه بالداخل.
وينتظرها.
شدّت أصابعها أكثر.
ثم رفعت يدها أخيرًا.
وترددت.
لثانية.
ثم لثانية أخرى.
قبل أن تطرق الباب طرقًا خافتًا.
…
وجاءها صوته من الداخل.
منخفضًا.
باردًا.
لكن هذه المرة—
أثقل من المعتاد:
“ادخلي.”
وقفت بيرين عند الباب لثوانٍ قبل أن تدفعه.
ببطء.
فُتح الباب على ضوء خافت ودافئ، ينسكب من المصابيح الجانبية داخل المكتب الكبير.
الرائحة نفسها.
خشب قديم.
أوراق.
وحبر.
والهدوء ذاته الذي يجعل كل شيء يبدو أثقل.
رفعت نظرها قليلًا.
فوجدته هناك.
آرين.
واقفًا قرب النافذة الطويلة، ظهره نصف منحرف نحوها، وإحدى يديه خلف ظهره، بينما الأخرى تمسك كوبًا لم يرفعه حتى إلى شفتيه.
لم يلتفت فورًا.
كأنه كان يعرف أنها ستدخل.
وكأنه أراد أن يتركها ثوانٍ أطول في توترها.
شدّت بيرين أصابعها ببعضها.
ثم أغلقت الباب خلفها بخفة.
وتقدمت خطوة واحدة فقط.
قبل أن تنحني برأسها رسميًا.
“طلبتني، يا سيدي؟”
ساد صمت قصير.
ثم استدار إليها أخيرًا.
وكانت عيناه ثابتتين عليها بطريقة جعلت كتفيها يتصلبان فورًا.
لا تعرف لماذا…
لكن نظراته هذه الليلة لم تكن تشبه أي مرة سابقة.
كانت أكثر هدوءًا.
وهذا وحده جعلها أخطر.
وضع الكوب جانبًا.
ثم قال ببطء:
“تقدّمي.”
ارتبكت للحظة.
لكنها فعلت.
خطوتين صغيرتين فقط.
ثم توقفت.
بينما ظل هو مكانه يراقبها.
وكأنه يزن المسافة بينهما بعينيه.
“سمعتُ أنكِ طلبتِ من السيدة ماريان تقليل ساعات عملك اكثر.”
تجمدت أنفاسها قليلًا.
فهذا ليس ما توقعته أولًا.
لكنها تماسكت وقالت بصوت منخفض:
“نعم.”
“ولماذا؟”
رفعت نظرها نحوه للحظة قصيرة.
ثم أعادته للأسفل.
“لأنني…”
توقفت.
ثم قالت بوضوح أشد:
“أفضل العمل هناك .”
سكنت الغرفة.
حتى صوت الساعة الجدارية بدا أوضح.
أما آرين…
فلم يتحرك.
لكن شيئًا ما في عينيه برد أكثر.
“أعرف.”
قالها ببساطة.
فتجمدت بيرين مكانها.
رفعت رأسها إليه هذه المرة بوضوح.
“… تعرف؟”
“نعم.”
ردّها كان أهدأ مما شعرت به في داخلها:
“إذًا لماذا سألت؟”
اقترب خطوة واحدة.
فشعرت هي بأنفاسها تضيق.
لكنها ثبتت نفسها.
فقال بصوت ثابت:
“لأرى إن كنتِ ستقولينها لي بنفسك.”
عقدت بيرين حاجبيها.
بدأ الضيق يعود إلى صدرها بسرعة.
ذلك الضيق الذي لا يأتي معه سوى الغضب.
“وهل يجب أن أبلغك بكل ما أنوي فعله خارج هذا القصر أيضًا؟”
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
“حين يكون الأمر متعلقًا بخروجكِ من هنا… نعم.”
اتسعت عيناها قليلًا.
“خروجي؟”
“عملكِ هنا.”
قالها ببرود.
“لن يستمر طويلًا إن كنتِ ستتنقلين بين مكان وآخر وفق ما يعرضه هذا أو ذاك.”
“هذا أو ذاك؟”
رددت كلماته ببطء، ثم رفعت رأسها نحوه أكثر.
وشيء في صوتها بدأ يحتد.
“تقصد هيو؟ أم تقصد ليونارد؟”
لم يجب فورًا.
وهذا وحده كان جوابًا كافيًا.
فأحست بيرين بشيء حارق يصعد إلى حلقها.
“إذًا هذا هو الأمر…”
قالتها وهي تضحك ضحكة قصيرة بلا فرح.
“كنتُ أتساءل لماذا طلبتني الليلة.”
ثم رفعت نظرها إليه بثبات أكثر.
“لكن الآن فهمت.”
ضيّق عينيه قليلًا.
“وما الذي فهمتِه؟”
ابتلعت ريقها.
ثم قالت بوضوح موجع:
“أنك لا تزال ترى حياتي شيئًا يمكنك العبث به متى شئت.”
لم يرمش.
لم ينفِ.
لم يعترض.
بل ظل ينظر إليها بذلك الوجه البارد نفسه.
وهذا…
هو ما أشعلها أكثر.
“في كل مرة أحاول أن أبدأ شيئًا—”
بدأ صوتها يرتفع رغم محاولتها كتمه.
“في كل مرة أحاول أن أصلح شيئًا في حياتي— تظهر أنت.”
توقفت أنفاسها لحظة.
لكنها أكملت.
“في الجامعة.”
“في عملي.”
“في موعدي.”
“حتى في طريقي إلى البيت.”
اتسعت عيناها أكثر وهي تنظر إليه.
“ما الذي تريده مني بالضبط؟”
اقترب خطوة أخرى.
فاضطرت هي أن تتراجع خطوة للخلف.
لكنها لم تسكت.
بل أكملت بصوت بدأ يرتجف من شدة ما تحبسه:
“هل يسعدك أن تراني أتخبط هكذا؟”
“هل يرضيك أن أخسر كل شيء؟”
“هل هذا مسلٍّ لك؟”
توقف أمامها تمامًا الآن.
على مسافة لم تعد مريحة.
ولا آمنة.
ولا قابلة للتجاهل.
لكن صوته حين خرج…
لم يكن مرتفعًا.
بل منخفضًا جدًا.
وهذا جعله أشد.
“لو كان الأمر مسليًا لما كنتِ هنا الآن.”
تجمدت.
رمشت مرة.
“ماذا؟”
أشاح بنظره عنها لثانية.
ثم أعاده إليها.
وكانت تلك أول مرة تشعر فيها بيرين أن هناك شيئًا في عينيه…
غير محسوب تمامًا.
شيئًا لا يشبه سيطرته المعتادة.
قال ببطء:
“تظنين أنني أفعل كل هذا لأني أستمتع؟”
“ألا تفعل؟”
سألته فورًا.
هذه المرة دون خوف.
دون انحناء.
دون حذر.
فقط وجع صافٍ.
لكن آرين لم يجبها بالطريقة التي توقعتها.
بل قال:
“لو كنتِ لا تعنين لي شيئًا…”
ثم توقف.
وتصلب فكّه.
كأنه كره نفسه لأنه بدأ الجملة أصلًا.
لكنها سمعته.
وسمعت ما لم يقله أيضًا.
فتجمدت في مكانها.
وعيناها اتسعتا قليلًا.
أما هو…
فأكمل بصوت أكثر برودًا، وكأنه يعاقب نفسه على ما أفلت منه:
“لكنني لا أحتمل أن أراكِ ترمين نفسكِ بين أيادٍ لا أثق بها.”
سكنت ملامحها.
ثم تغيّرت.
ببطء.
من الصدمة…
إلى الغضب.
غضب حقيقي.
جارح.
“لا تثق بها؟”
رددت كلماته كأنها لا تصدقها.
ثم اقتربت هي هذه المرة خطوة.
“ومن أنت حتى تثق أو لا تثق؟”
صمت.
فأكملت.
“هل أنا شيء من أشيائك؟”
“هل أنا قرار من قراراتك؟”
“هل أنا واحدة من ممتلكات هذا القصر حتى تتدخل فيمن ألتقي، وأين أعمل، ومتى أخرج؟”
ظل ساكنًا.
وهذا ما زادها اختناقًا.
“تكلم!”
صرختها خرجت أخيرًا.
هشة.
مكسورة.
“تكلم هذه المرة!”
ارتفع صدرها وهبط بسرعة.
ثم رفعت يدها نحو قلبها.
وكأنها تحاول إيقاف ألمه.
“لأنني تعبت.”
خرج صوتها هذه المرة مبحوحًا.
“تعبت من أن أراك دائمًا في كل خراب يحدث لي.”
ارتجف طرف فمها.
وعيناها بدأتا تلمعان بالدموع.
لكنها أبت أن تنزلها.
“أكرهك.”
قالتها بوضوح.
“أكرهك لأنك كلما حاولتُ أن أنهض… عدتَ لتسحبني إلى الأسفل.”
لم يتغير وجهه.
وهذا ما كسر شيئًا فيها أكثر.
حتى بعد كل هذا…
حتى بعد أن قالتها بهذه الصراحة…
حتى بعد أن أوشكت على البكاء أمامه…
لم يبدُ عليه شيء.
لا ندم.
لا ارتباك.
لا حتى انكسار.
فأحست بالإهانة.
وبالخذلان.
وبأنها الوحيدة التي تتشقق هنا.
وهو ما يزال واقفًا كما هو.
جامدًا.
صلبًا.
كأنه لم يسمع شيئًا.
فقالت بصوت منخفض، مرتجف:
“قل شيئًا…”
لكن صوته خرج هادئًا بشكل مستفز:
“إن كان هذا ما ستشعرين به، فاشعري.”
رفعت عينيها إليه بصدمة.
ولم تستوعب في البداية.
ثم انقبض قلبها أكثر.
“… ماذا؟”
اقترب خطوة.
فخطت هي إلى الخلف فورًا.
ثم خطوة أخرى حين اقترب ثانية.
وكلما اقترب—
كانت هي تتراجع.
حتى اصطدمت حافة الطاولة الصغيرة خلفها بظهرها.
فانحبس نفسها.
ورفعت يدها دون وعي كأنها تريد أن تمنعه من الاقتراب أكثر.
“لا…”
قالتها بسرعة.
“لا تقترب.”
لكن شيئًا في عينيه تبدل أخيرًا.
شيء أكثر ظلمة.
أكثر حدة.
أكثر اختناقًا.
نظر إلى دموعها التي علقت عند أطراف عينيها.
ثم إلى يدها المرفوعة.
ثم عاد إلى وجهها.
وقال بصوت منخفض جدًا:
“تراجعتِ عن الجميع بسهولة.”
تجمدت.
“لكن حين يتعلق الأمر بي…”
أكمل وهو يقترب حتى لم يبقَ بينهما إلا أقل من شبر:
“حتى كرهكِ يبدو أقوى.”
ارتجفت أنفاسها.
وهزت رأسها سريعًا.
“ابتعد.”
لكنها لم تستطع حتى إكمال الكلمة الثانية.
لأن يده ارتفعت فجأة.
وأمسكت بذراعها.
بقوة.
شهقت بيرين فورًا.
“اتركني—”
لكن قبل أن تكمل—
سحبها نحوه دفعة واحدة.
فاصطدمت بصدره بقوة جعلت أنفاسها تضيع لثانية.
اتسعت عيناها.
ورفعت كلتا يديها فورًا لتدفعه.
لكن ذراعه كانت قد التفت حولها بثبات قاسٍ.
تحبسها في حضنه رغم ارتجافها.
ورغم محاولتها التراجع.
“دعني!”
قالتها وهي تحاول دفعه من صدره.
لكن قبضته على ذراعها لم ترتخِ.
بل قربها أكثر.
حتى صارت تسمع نبضه.
أو ربما نبضها هي.
لم تعد تعرف.
“أنت—”
بدأت بصوت مختنق.
“ما الذي تفعله؟!”
لكن صوته نزل فوق رأسها ببطء.
ثقيلًا.
ومرًّا.
ومخيفًا بطريقة أربكت قلبها أكثر:
“تكرهينني؟”
توقفت حركتها للحظة.
ليس لأنها هدأت.
بل لأن صوته هذه المرة لم يكن باردًا فقط…
بل كان متعبًا.
مختنقًا بشيء لم يفصح عنه.
شيء بدا كأنه خرج منه على كره.
أمسك ذقنها بأصابعه ورفع وجهها إليه قليلًا.
فاضطرت أن تنظر في عينيه.
وكانتا أقرب من أن تهرب منهما.
وأوضح من أن تتجاهلهما.
ثم قال بصوت أخفض:
“إذًا… اكرهيني أكثر.”
اتسعت عيناها.
وشعرت أن أنفاسها انقطعت.
أما هو…
فأكمل، وعيناه ثابتتان فيها كأنهما تريدان انتزاع شيء من داخلها:
“اكرهيني بقدر ما تشائين.”
توقفت أنفاسها.
وتصلب فكها.
ثم سمعت الجملة التي جعلت قلبها يضرب بعنف في صدرها:
“لكن لا تنظري إلى غيري بهذه الطريقة.”
سكنت.
تمامًا.
ليس لأن كلامه طمأنها.
بل لأنه…
أربكها.
أغضبها.
أهانها.
ووجعها…
دفعة واحدة.
اتسعت عيناها وهي تنظر إليه.
“ما… معنى هذا؟”
همستها خرجت شبه مخنوقة.
لكنه لم يجبها مباشرة.
بل مرّت نظراته على وجهها.
على عينيها.
على ارتجاف شفتيها.
وكأنه يحاول حفظها رغمًا عنه.
ثم قال:
“المعنى الذي فهمتِه.”
هنا فقط—
انهمرت دمعة من طرف عينها.
واحدة فقط.
لكنها كانت كافية.
لأنها شعرت فجأة أن هذا الرجل…
لا يملك الحق في قول أشياء كهذه بعد كل ما فعله بها.
ولا يملك الحق في أن يربك قلبها بهذه الطريقة.
ولا يملك الحق في أن يقترب منها، ويؤذيها، ويمنعها، ثم يلمّح لها بمشاعر مشوهة كأنها منة.
فدفعت صدره بكل ما بقي فيها من قوة.
هذه المرة نجحت.
ابتعدت عنه خطوة.
ثم أخرى.
ويدها على ذراعها التي أمسكها قبل قليل.
وعيناها دامعتان.
لكن صوتها—
خرج واضحًا.
مكسورًا.
وغاضبًا:
“أنت أناني.”
توقف.
فأكملت وهي تبكي بصمت الآن:
“أناني وقاسٍ… وتظن أن مجرد شعورك بشيء ما يعطيك الحق لتفعل بي ما تشاء.”
شهقت نفسًا مرتجفًا.
ثم قالت وهي تنظر إليه مباشرة:
“لكنك مخطئ.”
صمت.
فأضافت بصوت أخفض، لكنه أشد وقعًا:
“حتى لو كنتَ آخر رجل في هذه الأرض…”
توقفت.
واختنق صوتها لثانية.
لكنها أجبرته على الخروج:
“لن أختارك.”
…
سكنت الغرفة.
حتى أنفاسهما صارت مسموعة.
أما آرين—
فبقي واقفًا في مكانه.
لم يتحرك.
لم يوقفها.
لم يتكلم.
لكن عينيه فقط…
تبدلتا.
ببطء.
بطريقة أخافت بيرين أكثر من لو صرخ.
لكنها لم تنتظر.
استدارت فورًا.
وذهبت نحو الباب.
بخطوات سريعة، مرتبكة.
يدها امتدت إلى المقبض—
لكن قبل أن تفتحه،
وصلها صوته من خلفها.
منخفضًا.
ثابتًا.
ويحمل شيئًا جعل قلبها ينقبض مرة أخرى:
“سنرى.”
تجمدت يدها على المقبض.
ولثانية كاملة—
لم تلتفت.
فقط شدّت على المقبض أكثر.
ثم فتحت الباب.
وخرجت.
وأغلقته خلفها.
لكن قدميها ما إن ابتعدتا خطوات قليلة في الممر—
حتى رفعت يدها إلى صدرها.
وأنفاسها بدأت تضطرب.
وقلبها…
كان يضرب بعنف مؤلم.
لأنها لم تعرف أي شيء كان أسوأ:
أنه قال ذلك؟
أم أنها…
فهمت ما كان يقصده فعلًا.
أغلقت بيرين باب منزلهم خلفها بهدوء.
لكن الهدوء…
كان فقط في يدها.
أما داخلها—
فكان شيء آخر تمامًا.
عودة ليلية مثقلة
البيت دافئ.
هادئ.
وتلك الرائحة المألوفة من الشاي والخشب القديم كانت كفيلة عادةً بأن تخفف عنها شيئًا من تعب يومها.
لكن الليلة…
حتى هذا لم ينجح.
كانت ما تزال تشعر بثقل ذراعه حولها.
وحرارة أصابعه على ذراعها.
وصوته عند أذنها:
“اكرهيني أكثر.”
أغمضت عينيها بقوة وهي تخلع حذاءها عند المدخل.
ثم دخلت بخطوات ثابتة ظاهريًا.
لكن كل خطوة كانت تقول شيئًا واحدًا فقط:
أريد أن ينتهي هذا اليوم.
كانت ستيلا في غرفة الجلوس ترتب بعض الأقمشة قرب المصباح حين رفعت رأسها.
“بيرين؟”
التفتت إليها بيرين سريعًا.
ثم أجبرت نفسها على ابتسامة صغيرة، باهتة جدًا.
“عدت.”
راقبتها ستيلا لثوانٍ.
وكأنها تعرف من نظرة واحدة أن ابنتها عادت بشيء ثقيل على صدرها.
لكنها، مرة أخرى، لم تسأل.
وهذا كان لطفًا كاد يوجع أكثر من السؤال نفسه.
قالت فقط:
“سأُسخّن لكِ الحساء.”
لكن بيرين هزت رأسها فورًا.
“لا… لست جائعة.”
توقفت ستيلا.
ثم نظرت إليها طويلًا.
لكنها لم تُجبرها.
“كما تريدين.”
مرّت تيا راكضة من الغرفة الجانبية، وما إن رأت بيرين حتى ابتسمت وركضت نحوها.
“بيرين!”
جثت بيرين تلقائيًا لتفتح ذراعيها لها.
لكن ما إن التصقت بها الصغيرة—
حتى انقبض قلبها فجأة.
ذلك الدفء البريء…
جعل كل شيء آخر يبدو أكثر قسوة.
احتضنتها بقوة أكبر مما اعتادت.
فرفعت تيا رأسها قليلًا.
“هل أنتِ متعبة؟”
ابتسمت بيرين بصعوبة.
ومسحت على شعرها.
“قليلًا فقط.”
ثم أبعدتها برفق.
“اذهبي ونامي مبكرًا، حسنًا؟”
هزت تيا رأسها بطاعة.
وركضت ثانية.
أما بيرين—
فبقيت تنظر إلى مكانها للحظة.
ثم استدارت.
وصعدت إلى غرفتها دون كلمة أخرى.
ما إن أغلقت الباب خلفها—
حتى أطلقت زفرة مرتجفة طويلة.
خلعت معطفها أولًا.
ثم وضعت يدها على ذراعها.
تمامًا حيث أمسكها آرين.
ضغطت عليه قليلًا.
وكأنها تريد أن تمحو أثر قبضته من جلدها.
ثم مشت نحو المرآة.
ورفعت عينيها إليها.
وكان أول شيء رأته في نفسها—
هو التعب.
ليس جمالًا.
ولا أنوثة.
ولا حتى حزنًا واضحًا.
بل تعبًا خالصًا.
تعب فتاة لا تملك رفاهية الانهيار أصلًا.
لكنها على وشك ذلك رغمًا عنها.
جلست على طرف السرير.
وأنزلت رأسها بين يديها.
ثم همست أخيرًا بصوت منخفض جدًا:
“لا أريد أن أراه.”
كانت الجملة بسيطة.
لكنها خرجت وكأنها وعد.
وصرخة.
واستغاثة في وقت واحد.
رفعت رأسها بعد لحظة.
ثم كررتها بصوت أوضح:
“لا أريد أن أراه مرة أخرى.”
لم تكن تفكر في مشاعره.
لم تكن تحلل كلماته.
ولم تتوقف عند اعترافه المشوّه أو غيرته أو نظرته أو قربه.
كل ذلك لم يصل إليها أصلًا.
لأن ما وصل إليها فقط كان:
أنه آذاها.
وتجاوز حدودها.
وأفسد عليها شيئًا جديدًا كانت تحاول أن تبدأه.
وهذا وحده كان كافيًا لأن يجعل قلبها يقفل بابه نحوه بالكامل.
تدثرت ببطانيتها تلك الليلة مبكرًا.
لكن النوم لم يأتِ بسهولة.
كلما أغمضت عينيها—
عاد وجهه.
عاد صوته.
عادت طريقته في النظر إليها كأنه يملك حقًا لا تراه هي.
فاستدارت إلى الجهة الأخرى.
ثم شدّت البطانية أكثر حول نفسها.
وأغلقت عينيها بقوة.
وكأنها تحاول إقصاءه من رأسها بالقوة نفسها التي تتمنى بها أن تخرجه من حياتها.
استيقظت بيرين في الصباح التالي أبكر من المعتاد.
ليس لأنها نامت جيدًا.
بل لأنها بالكاد نامت.
ارتدت ملابسها بسرعة.
وشدت شعرها بطريقة بسيطة.
ثم نزلت إلى الأسفل.
وكان أول شيء فعلته—
أنها قررت أنها لن تذهب إلى القصر كالمعتاد.
ليس اليوم.
لا تستطيع.
وصلت إلى القصر في ساعة مبكرة فقط لتنجز ما عليها.
الهواء كان باردًا.
والضباب الصباحي يعلّق فوق الحديقة مثل طبقة خفيفة من الرماد.
دخلت من الباب الخلفي.
ومشت بخطوات سريعة إلى غرفة السيدة ماريان.
طرقت الباب بخفة.
ثم دخلت حين أُذن لها.
كانت السيدة ماريان تجلس خلف مكتبها الصغير، نظارتها منخفضة على أنفها، تقلب سجل الأسماء والمهام المعتادة.
رفعت رأسها حين رأت بيرين.
“بيرين نولان؟”
تقدمت بيرين خطوة.
وانحنت باحترام.
“صباح الخير، سيدتي.”
أومأت ماريان برأسها.
ثم أغلقت السجل أمامها.
“ما الأمر؟”
ابتلعت بيرين ريقها.
ثم قالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا:
“أردت أن أطلب… إجازة لهذا اليوم.”
رفعت ماريان حاجبًا.
“إجازة؟”
هزت بيرين رأسها.
“نعم، سيدتي.”
ثم أضافت بسرعة، كأنها لا تريد أن تُفهم بشكل خاطئ:
“لكنني أنهيت مهامي المبكرة كلها قبل أن آتي إلى هنا. وسأعوض اليوم لاحقًا إن لزم الأمر.”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 119"