لكنه كان أقوى من كل مرة حاولت فيها أن تبقى مؤدبة أو صامتة أو متماسكة.
اتسعت عينا آرين قليلًا.
لم يعد يهمها ما سيحدث بعد تلك لحظة
لأنها خسرت كل شيء بلفعل …
لكنها لم تتوقف.
اقتربت منه بسرعة.
ثم دفعت صدره بكلتا يديها.
دفعة أولى.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
وهي تبكي.
وتصرخ.
وتتحدث كما لو أنها لم تعد ترى أمامها إلا سبب كل ما حدث.
“ماذا تريد مني؟!”
دفعت صدره مرة أخرى.
“أجبني!”
“ماذا تريد؟!”
“اتركني!”
خرج صوتها متقطعًا مع شهقاتها.
والدموع اختلطت بماء المطر على وجهها حتى صار من المستحيل التمييز بينهما.
“ها قد خسرت شيئًا كنت أحبه!”
دفعت صدره مرة أخرى.
أضعف من قبل.
لأن قوتها بدأت تنهار.
“لماذا تفعل هذا بي؟!”
“لماذا؟!”
“ماذا تريد من إنسانة مثلي؟!”
كانت تقولها وهي تبكي فعلًا.
بكاء حقيقي.
مفتوح.
جارح.
بكاء لم يعد يحاول أن يكون جميلًا أو صامتًا أو محترمًا.
بل بكاء فتاة تعبت من أن تُكسر مرة بعد مرة…
ثم يُطلب منها أن تبقى واقفة.
أما آرين…
فلم يتحرك.
لم يبعد يديها.
لم يوقفها.
لم يرد عليها حتى.
فقط نظر إليها.
بوجه ثابت.
لكن عينيه…
لم تعودا ثابتتين تمامًا.
لأنها لأول مرة—
لا تخفي عنه شيئًا.
ولا تبتلع ألمها.
ولا تحاول أن تبدو قوية.
بل كانت تنهار أمامه حرفيًا.
بسببه.
ومع ارتفاع صوتها…
بدأ بعض الناس يلتفتون.
امرأتان توقفتا قرب المخبز.
شابان تبادلا النظرات.
عجوز تحت شرفة خشبية حدق فيهما طويلًا.
وهمسات بدأت تتشكل بالفعل.
“ماذا يجري؟”
“من هذه الفتاة؟”
“لماذا تصرخ عليه؟”
“أليست من القصر؟”
“هل تشاجر حبيبان؟”
ضاقت ملامح آرين فورًا.
ليس لأنهم ينظرون إليه.
بل لأنهم ينظرون إليها وهي بهذه الحالة.
يرون دموعها.
يرون ارتجافها.
يرون كيف تبللت بالكامل حتى التصقت خصلات شعرها بوجهها وعنقها.
ويرونها…
ضعيفة.
وهذا وحده استفزه أكثر مما ينبغي.
ثم عاد نظره إليها.
إلى دموعها.
التي لم تعد أقل من المطر الآن.
وهنا—
اتخذ قراره.
بخطوة واحدة فقط—
اقترب منها أكثر.
ثم رفع ذراعه.
وأنزل المظلة فوقها بالكامل.
حتى غطتها من المطر.
ثم، قبل أن تستوعب ما فعل—
شدها نحوه.
وأدخلها بين ذراعيه.
اتسعت عيناها فورًا.
وتيبست في مكانها.
لكن ذراعه كانت قد أحاطت كتفيها بالفعل.
وسحبها إلى صدره تحت المظلة السوداء.
مخفيًا وجهها عن الشارع.
عن نظرات الناس.
عن الهمسات.
عن المطر.
عن كل شيء.
حتى إن بعض الواقفين صرفوا أبصارهم فورًا.
وبعضهم ابتسم ابتسامة جانبية صغيرة.
“آه… إذن هما عاشقان.”
“يبدو أنها كانت تبكي فقط.”
“لا شأن لنا.”
وبدأ الناس ينسحبون.
واحدًا تلو الآخر.
ظنًا منهم أنهم أمام مشهد عاطفي خاص لا ينبغي التدخل فيه.
تمامًا كما أراد هو.
أما بيرين…
فقد بقيت في حضنه لثانية.
ثانيتين.
ثلاث.
مشلولة من المفاجأة.
ثم بدأت ترتجف.
لا تعرف إن كان من البرد.
أو من التعب.
أو من الألم الذي انفجر أخيرًا.
رفعت يديها أولًا وكأنها ستدفعه بعيدًا.
لكنها…
لم تفعل.
بل ارتخت أصابعها ببطء على صدر سترته المبللة.
ثم انخفض رأسها دون وعي.
واختبأ وجهها قربه.
وهنا—
خرجت منها أول شهقة بكاء حقيقية.
ثم ثانية.
ثم ثالثة.
حتى بدأت تبكي فعلًا.
بكل ما فيها.
كانت مرتمية في حضنه الآن.
تبكي.
وتختنق.
وترتجف.
بينما المطر يضرب أطراف المظلة من حولهما بإيقاع حاد.
أما آرين…
فقد ثبت ذراعه أكثر حولها.
ثم أنزل يده الأخرى إلى شعرها المبتل.
يمسحه ببطء.
يرفع الخصلات الملتصقة عن وجنتها وعنقها.
ثم نزع سترته الخارجية الثقيلة من على كتفيه بحركة واحدة.
ولفها حولها دون أن يبتعد عنها.
يحاول أن يدفئها.
حتى وهو يعرف جيدًا…
أن هذا الدفء—
هو آخر شيء يحق له أن يمنحه لها.
كانت شهقاتها تخرج متقطعة في صدره.
خفيفة أحيانًا.
وعنيفة أحيانًا أخرى.
حتى بدا له للحظة أنها لم تعد تبكي على ما حدث قبل قليل فقط…
بل على كل شيء.
كل ما تراكم فيها منذ شهور.
كل ما ابتلعته.
كل ما صبرت عليه.
وكل ما انكسر داخلها دون أن يسمعه أحد.
كانت أصابعها الضعيفة ما تزال متشبثة بطرف سترته دون وعي.
وكأنها لا تمسك به…
بل تمسك نفسها من السقوط.
أما هو—
فقد ظل ساكنًا.
مظلته مائلة فوقهما.
وذراعه تحيطها بثبات.
حتى هدأت شهقاتها قليلًا.
قليلًا فقط.
لكن جسدها ظل يرتجف.
بردًا.
وتعبًا.
وخذلانًا.
أنزل نظره إليها.
إلى شعرها المبتل.
إلى جبهتها الباردة.
إلى وجهها الذي اختفى نصفه قرب صدره.
ثم…
دون تفكير كافٍ.
ودون أن يمرر الأمر على منطقه المعتاد.
انحنى قليلًا.
وطبع قبلة هادئة قصيرة على جبينها.
تجمدت بيرين.
تمامًا.
وكأن المطر توقف للحظة.
وكأن العالم كله سحب صوته دفعة واحدة.
حتى شهقتها انقطعت.
وحتى أصابعها على سترته…
ثبتت في مكانها.
أما آرين—
فقد أدرك ما فعل بعد أن فعله.
لكن متأخرًا.
متأخرًا جدًا.
ولأول مرة منذ وقت طويل…
شعر أنه ارتكب شيئًا لا يمكن تفسيره بالبرود.
ولا بالمنطق.
ولا حتى بالسيطرة.
رفعت بيرين رأسها ببطء شديد.
ببطء يشبه الخوف.
ثم نظرت إليه.
كانت عيناها محمرتين.
رموشها مبللة.
ووجهها شاحبًا من البرد والبكاء والذهول.
نظرت إليه كأنها لم تعرفه.
كأنها ترى شخصًا آخر للحظة…
شخصًا لا يشبه ذلك الرجل الذي كسرها قبل دقائق.
ولا يشبه ذلك الدوق البارد الذي لا يلين.
لكن تلك اللحظة…
لم تدم.
لأن عقلها لحق أخيرًا بما حدث.
واتسعت عيناها فجأة.
ثم دفعت صدره هذه المرة فعلًا.
بقوة أصدق.
ورجعت خطوة إلى الوراء.
ثم ثانية.
والسترة ما تزال على كتفيها.
والمطر يضرب حواف المظلة بينهما.
“… لا.”
خرج صوتها مبحوحًا.
مرتعشًا.
لكنه واضح.
رفعت يدها إلى جبينها.
كما لو أن أثر تلك القبلة أحرقها.
ثم نظرت إليه مجددًا، بوجع وغضب واختناق:
“لا تلمسني.”
ثبت آرين في مكانه.
وجهه لم يتغير.
لكن نظرته…
انخفضت قليلًا.
أما هي—
فقد كانت ترتجف بالكامل الآن.
ليس من البرد فقط.
بل من كل ما اختلط عليها فجأة.
من غضبها.
من بكائها.
من خذلانها.
ومن تلك القبلة التي لم تعرف ماذا تفعل بها.
ولا كيف تكرهها كما يجب.
شدت السترة حول نفسها دون وعي.
ثم قالت بصوت أكثر انكسارًا:
“لا تفعل هذا معي…”
ابتلعت غصتها.
لكنها لم تستطع منع دمعة جديدة من الانزلاق.
“ليس بعد كل شيء.”
نظر إليها آرين بصمت.
لكنه لم يقترب.
لم يحاول أن يبرر.
ولم يحاول أن يعتذر.
فقط وقف.
كما لو أن أي كلمة قد تجعل الأمر أسوأ.
وهذا الصمت بالذات…
هو ما فجّر شيئًا جديدًا فيها.
نظرت إليه طويلًا.
ثم خرجت الكلمات من قلبها قبل فمها:
“أنت دائمًا…”
انقطع صوتها بشهقة صغيرة.
ثم أكملت وهي تبكي:
“أنت دائمًا تأخذ مني كل شيء.”
سكنت ملامحه للحظة.
حتى المطر بدا وكأنه صار أبعد.
أما هي—
فقد أكملت دون أن تتوقف هذه المرة.
كأن الجملة فتحت كل شيء بعدها:
“أولًا راحتي…”
“ثم عملي…”
“ثم كرامتي…”
“ثم هذا أيضًا…”
وأشارت بيدها المرتجفة إلى الاتجاه الذي رحل منه ليونارد.
“حتى هذا…”
ارتجفت شفتاها.
ثم قالت بصوت مخنوق جدًا:
“كلما حاولت أن أمسك شيئًا صغيرًا من حياتي…”
“تأتي أنت…”
“وتأخذه.”
لم يجبها.
لم يستطع.
لأن الحقيقة القبيحة في كلماتها…
كانت أوضح من أن تُدفع جانبًا.
ولأن عينيها في تلك اللحظة لم تكونا تطلبان تفسيرًا.
بل كانتا تدينانه.
بكل شيء.
وبدون أن يقول شيئًا—
رفع آرين يده قليلًا.
وأشار إلى العربة السوداء المتوقفة عند طرف الطريق.
“تعالي.”
نظرت إليه وكأنه قال شيئًا مستحيلًا.
“لا.”
قالتها فورًا.
قاسية.
لكنها بالكاد كانت تقف أصلًا.
أما هو—
فلم يتغير صوته.
“أنتِ ترتجفين.”
“لا شأن لك.”
“أنتِ مريضة أصلًا.”
“قلتُ لا شأن لك!”
ارتفع صوتها أخيرًا.
لكنه انكسر في آخره.
ثم حاولت أن تتحرك وحدها.
أن تلتف عنه وتمشي.
لكن ما إن خطت خطوة واحدة فقط—
حتى خانتها ركبتاها قليلًا.
وتمايل جسدها.
فامتدت يده تلقائيًا.
لكنها رفعت يدها فورًا تمنعه قبل أن يلمسها.
“لا…”
همستها هذه المرة لم تكن غاضبة بقدر ما كانت مرهقة.
منه.
ومن نفسها.
ومن كل شيء.
تنفس آرين ببطء.
ثم قال أخيرًا، بصوت منخفض، خالٍ من الجدال هذه المرة:
“سأوصلك إلى البيت.”
لم تجبه.
ولم توافق.
لكنها أيضًا…
لم تعد تملك طاقة للرفض.
فقط ظلت واقفة لثوانٍ طويلة.
تتنفس بصعوبة.
امسكها من يديها وهي تمشي بلا حيلة .
ثم مشت ببطء نحو العربة.
لا لأنها أرادت.
بل لأنها لم تعد تحتمل الوقوف تحت المطر ثانية أخرى.
فتح لها الباب بنفسه.
لكنها لم تنظر إليه.
صعدت فقط.
وجلست في الزاوية الأبعد.
ملتصقة بالنافذة.
كما لو أنها تريد أن تضع أكبر مسافة ممكنة بينهما…
حتى داخل مساحة صغيرة كهذه.
ثم أغلق الباب.
وصعد بعدها من الجهة الأخرى.
تحركت العربة ببطء في الطرقات المبتلة.
وكان صوت المطر فوق السقف الخشبي المغطى بالقماش يملأ الفراغ بينهما أكثر من أي كلام.
بيرين جلست بصمت.
تضم السترة حولها.
شعرها المبتل منسدل على كتفيها وظهرها بالكامل.
وأنفاسها لم تستقر تمامًا بعد.
كانت تنظر إلى الخارج.
إلى الشوارع المشوشة خلف قطرات المطر على الزجاج.
لكنها في الحقيقة…
لم تكن ترى شيئًا.
فقط تفكر.
وتتألم.
وتحاول أن لا تبكي من جديد.
أما آرين…
فكان جالسًا في المقابل.
وعيناه ثابتتان عليها
يرى ارتجاف كتفيها الخفيف.
يرى أنها تحاول كتم شهقات صغيرة متقطعة.
ويرى أيضًا…
أنها تبذل جهدًا مريرًا حتى لا تنهار أمامه مرة أخرى.
وهذا وحده—
كان يضغط شيئًا داخله على نحوٍ مزعج.
مرّت دقائق طويلة.
قبل أن تقول بيرين أخيرًا، دون أن تنظر إليه:
“كان بإمكانك أن تتركني.”
صمت.
ثم قال:
“كنتِ ستنهارين في الطريق.”
أغمضت عينيها.
ثم ضحكت ضحكة صغيرة مكسورة جدًا.
“وكأن هذا أسوأ ما حصل اليوم.”
لم يجب.
فأكملت بصوت خافت:
“كنت أريد فقط…”
توقفت.
ثم ابتلعت ما تبقى.
لكن الكلمات خرجت رغمًا عنها:
“كنت أريد فقط أن أعيش شيئًا لا يوجعني.”
…
شيء ما في صدره شدّ بقوة.
أما هي—
فقد أغمضت عينيها أخيرًا.
وأدارت وجهها أكثر نحو النافذة.
ولم تتكلم بعدها.
الوصول إلى المنزل
توقفت العربة أخيرًا أمام منزلهم الصغير.
كان الضوء الخافت يتسلل من إحدى النوافذ.
ما يعني أن ستيلا ما تزال مستيقظة.
فتح السائق الباب.
لكن بيرين لم تتحرك فورًا.
بل بقيت لثوانٍ.
ثم مدت يدها إلى مقبض الباب بنفسها.
وفتحت.
ثم نزلت.
نزلت تحت المطر الخفيف.
والسترة ما تزال على كتفيها.
وصعدت درجات منزلها بسرعة هادئة.
دون أن تستدير.
دون أن تلوح.
دون أن تنظر إلى العربة مرة واحدة.
حتى اختفت خلف الباب.
وبقي آرين جالسًا في مكانه.
ينظر إلى الباب المغلق.
بوجه ثابت.
لكن بصدر…
لم يعد ثابتًا أبدًا.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 117"