ولا حين رأى بيرين ترفع كُمّيها أكثر، ثم تنحني لتسحب صندوقًا أثقل من قدرتها.
بل على العكس—
ازداد انزعاجه.
أكثر.
وأكثر.
لأن ما يراه أمامه كان واضحًا جدًا بطريقة استفزته:
هي لا تفعل هذا لأجل العمل.
ولا لأجل المال.
ولا لأجل القصر.
بل لأجل رجل ينتظرها.
ضغط فكه بقوة.
ثم مال رأسه قليلًا إلى الجانب وهو يراقبها.
هل يستحق هذا الرجل كل هذا؟
كل هذا اللهاث؟
كل هذا الركض؟
كل هذا الإصرار؟
كل هذه—
الرغبة في الوصول؟
انزلقت عيناه قليلًا نحو السماء.
الغروب يهبط ببطء.
والوقت يقترب.
ثم عاد ينظر إليها.
لكن هذه المرة…
كان في عينيه شيء أكثر ظلمة.
شيء لا يشبه مجرد الانزعاج.
بل يشبه ذلك الإحساس المر الذي يظهر حين ترى شيئًا يبتعد عنك قبل أن تلمسه.
شدّ على فكه.
ثم همس لنفسه بصوت بارد جدًا:
“إلى هذا الحد…”
لكن الجملة لم تكتمل.
لأنه لم يرد أن يكملها.
ولا أن يسمعها.
أما خارج القصر…
فعلى الجهة المقابلة من الطريق الحجري القريب من محل الزهور القديم، كان ليونارد يقف تحت مصباح حديدي أسود بدأ ضوءه البرتقالي يشتعل مع هبوط الليل.
كانت السماء رمادية، والهواء باردًا قليلًا.
وفي يده…
باقة صغيرة جدًا.
ليست كبيرة.
ولا مبالغًا فيها.
مجرد شيء بسيط.
مرتب.
هادئ.
يشبهه.
نظر إلى الساعة الصغيرة التي أخرجها من جيبه.
ثم أعادها.
وانتظر.
مرّت خمس دقائق.
ثم عشر.
ثم أكثر.
رفع رأسه بين الحين والآخر كلما سمع وقع خطوات في الطريق، أو رأى ظلًا يقترب من بعيد.
لكنها…
لم تكن هي.
خفض نظره قليلًا.
ثم تنفس ببطء.
لم يبدُ منزعجًا.
ولا غاضبًا.
فقط…
قلق.
قلق رجل لا يريد أن يظن السوء، لكنه لا يستطيع منع عقله من التفكير.
هل حدث شيء؟
هل نسيت؟
هل تراجعت؟
هل شعرت أن الأمر مبكر أكثر من اللازم؟
بلل شفتيه قليلًا.
ثم وقف مستقيمًا مجددًا.
وأعاد ترتيب الباقة الصغيرة في يده وكأنه يمنح نفسه شيئًا يفعله ريثما تصل.
ثم همس لنفسه بخفوت:
“سأنتظر أكثر.”
وفي الداخل…
كانت بيرين تلهث.
بشكل أوضح الآن.
أنهت المهمة السادسة.
ثم السابعة.
ثم الثامنة.
وكانت يدها تؤلمها من كثرة الحمل والمسح والركض بين الأروقة.
حتى أصابعها بدأت ترتجف قليلًا من التعب.
لكنها لم تتوقف.
لم تستطع.
كلما شعرت بأن ساقيها تؤلمانها—
تذكرت وجه ليونارد الهادئ.
وتذكرت وعدها.
وتذكرت أيضًا…
ذلك الشعور الثقيل الذي سيبقى في صدرها إن ضاعت هذه الفرصة منها بسبب شخص آخر مرة ثانية.
وهذا وحده…
كان كافيًا ليجعلها تكمل.
عند المهمة التاسعة، كانت في الممر الغربي تمسح الغبار عن رفوف الزينة الصغيرة، حين دخلت عليها إيليانا بسرعة.
تلهث هي الأخرى.
لكنها ابتسمت رغم تعبها.
“أنهيتُ اثنتين عنك.”
رفعت بيرين رأسها فورًا.
“حقًا؟”
أومأت إيليانا بحماس خافت.
“بقي لكِ واحدة فقط.”
اتسعت عينا بيرين فجأة.
ثم نظرت إلى الورقة.
ثم إلى صديقتها.
“واحدة… فقط؟”
“نعم!”
ثم قربت وجهها منها بابتسامة متحمسة:
“لكن عليكِ أن تسرعي.”
انقبض قلب بيرين بقوة.
“ما هي الأخيرة؟”
أخذت إيليانا الورقة منها، ثم قرأت آخر سطر بصوت منخفض.
وفجأة…
تغيرت ملامحها.
رفعت رأسها ببطء.
“أوه.”
شعرت بيرين بالقلق فورًا.
“ماذا؟”
لكن إيليانا لم تجب فورًا.
بل ناولتها الورقة فقط.
فنظرت بيرين إلى السطر الأخير.
ثم…
تجمدت.
“تنسيق وترتيب مزهريات الجناح الشمالي الخاص — مكتب الدوق.”
…
توقفت أنفاسها.
ونظرت إلى السطر طويلًا.
كأن الكلمات ستتغير إن أنكرت وجودها.
لكنها لم تتغير.
بل بقيت هناك.
واضحة.
باردة.
ومقصودة أكثر من كل ما سبقها.
رفعت عينيها ببطء.
ونظرت إلى إيليانا.
التي كانت تحدق فيها الآن بصمت تام.
“… لا.”
همستها بيرين.
لكن صوتها خرج مبحوحًا.
“لا…”
ثم شدّت الورقة في يدها.
وشعرت بالغضب يشتعل داخلها من جديد.
إذن هذا هو.
هذا ما أراده.
أن تصل إلى النهاية…
ثم يضعه هو في آخر الطريق.
تصلبت ملامحها.
وشدت أصابعها على الورقة حتى كادت تتمزق.
ثم رفعت رأسها.
وفي عينيها شيء حاد جدًا.
شيء لم يكن مجرد خوف منه هذه المرة.
بل—
غضب حقيقي.
“سأذهب.”
قالتها بهدوء أخاف إيليانا أكثر من أي انفعال.
“بيرين…”
لكنها لم تنتظر.
بل استدارت.
ومشت.
باتجاه الجناح الشمالي.
باتجاه آخر باب…
في هذا اليوم الطويل.
لم تطرق الباب.
بل اكتفت بأن تقف أمامه لثانية واحدة فقط…
ثم رفعت يدها، ودفعت المقبض، ودخلت.
كانت خطواتها ثابتة.
لكن صدرها…
لم يكن كذلك.
كان مكتب الدوق هادئًا على نحوٍ مستفز.
رائحة الورق القديم والحبر والجلد الفاخر تمتزج مع دفء الموقد الخافت، والضوء المنعكس من المصباح الجانبي يرسم على الرفوف العالية والخرائط المعلقة ظلالًا طويلة صامتة.
وفي قلب هذا الهدوء—
كان آرين جالسًا خلف مكتبه.
كما لو أنه لم يقلب يومها رأسًا على عقب منذ الصباح.
كما لو أن عشر المهام لم تكن شيئًا.
كما لو أن الوقت الذي سرقه منها—
ليس وقتًا أصلًا.
رفع نظره إليها ما إن دخلت.
نظرة باردة.
مستقيمة.
وثابتة أكثر مما احتملت.
أما بيرين…
فأغلقت الباب خلفها بهدوء لم يشبه ما بداخلها أبدًا.
ثم انحنت انحناءة قصيرة رسمية.
“سيدي.”
خرجت الكلمة منها مشدودة.
خالية من أي لين.
لاحظ ذلك فورًا.
بل ربما—
كان ينتظره.
لكن ملامحه لم تتغير.
فقط قال بصوت منخفض، هادئ، وكأنه يطلب أمرًا عاديًا تمامًا:
“تأخرتِ.”
رفعت عينيها إليه فورًا.
وفيهما شيء حاد.
شيء لم تكن تخفيه هذه المرة.
لكنها لم تجبه.
فقط قبضت على الورقة في يدها أكثر، ثم مشت إلى المزهريات الموضوعة على الطاولة الجانبية الطويلة قرب النافذة.
وضعتها جانبًا.
ثم بدأت.
بلا كلمة.
مزهرية أولى.
نزعت عنها الأزهار الذابلة بسرعة.
وضعت السيقان اليابسة في السلة الصغيرة بعصبية واضحة.
ثم سحبت الماء القديم، وملأتها من جديد من الإبريق القريب.
كل حركة منها—
كانت مشدودة.
مختصرة.
سريعة أكثر من اللازم.
كما لو أنها لا ترتب زهورًا…
بل تنتزع غضبها من شيء لا تستطيع لمسه.
ومن خلف المكتب…
كان آرين يراقبها.
في صمت.
لم يعد يقرأ ما أمامه منذ أن دخلت.
بل أبقى القلم بين أصابعه دون أن يكتب حرفًا واحدًا.
عيناه فقط…
تتبّعانها.
كل خطوة.
كل التفاتة.
كل حركة غاضبة تخفيها تحت ستار الاحترام.
حتى قبضتها على عنق المزهرية الزجاجية لم تفته.
ولا الطريقة التي كانت تتجنب بها النظر إليه تمامًا.
ضيّق عينيه قليلًا.
إذن…
هي غاضبة.
فهمت.
وهذا جعله يشعر بشيء غريب.
شيء بين الانزعاج…
والرضا المر.
أما في الخارج…
فكان الليل قد هبط تمامًا.
وأضواء الشارع الخافتة صارت تنعكس على الحجارة الرطبة بلونٍ ذهبيٍّ باهت.
وقف ليونارد في المكان نفسه تقريبًا.
لكن هذه المرة—
لم يكن هادئًا كما كان قبل ساعة.
بدأ القلق يتحول ببطء إلى توتر واضح.
أخرج ساعته مرة أخرى.
نظر إليها.
ثم أعادها.
وتنفس ببطء.
مرت امرأة عجوز قربه، ثم شابان يتحدثان، ثم عربة صغيرة مرّت من أمامه.
وكلما لمح أحدهم باقة الزهور في يده، أو وقفته الطويلة تحت المصباح…
أطال النظر إليه لحظة أكثر من اللازم.
حتى بدأت الهمسات تتسلل فعلًا.
“من هذا؟”
“منذ متى وهو هنا؟”
“هل ينتظر أحدًا؟”
“ربما تركته حبيبته.”
ضحك أحدهم بخفوت.
“مسكين… لا يزال متمسكًا بالورد.”
خفض ليونارد نظره قليلًا.
وشد على ساق الباقة في يده.
لكنه لم يتحرك.
لم يغادر.
لم يرمِ الزهور.
ولم يبدُ عليه الغضب من الناس بقدر ما بدا عليه القلق من شيء آخر تمامًا:
أين هي؟
بلل شفتيه ببطء.
ثم رفع رأسه مرة أخرى، محدقًا في الطريق الممتد أمامه.
منتظرًا أن تظهر.
في أي لحظة.
في أي زاوية.
في أي ثانية.
في الداخل…
كانت بيرين قد انتهت من المزهريتين الأولى والثانية.
ثم الثالثة.
ثم انتقلت إلى الرابعة الموضوعة فوق رف منخفض قرب المدفأة.
انحنت.
نزعت الزهور القديمة.
لكن يدها ارتجفت قليلًا حين أمسكت المقص.
ليس من التعب فقط.
بل من الغضب المتراكم في صدرها منذ أن رأت اسمه في آخر سطر من الورقة.
وضعت المقص بقوة زائدة على الطاولة.
فصدر صوت خافت.
رفع آرين عينيه إليها.
أما هي…
فلم تنظر نحوه.
لكنها قالت أخيرًا، بصوت خافت جدًا، وكأنها لم تعد قادرة على ابتلاع كل شيء:
“هل هناك سبب؟”
ساد الصمت.
صمت قصير.
لكنه كان ثقيلًا.
ثم رفع آرين القلم من بين أصابعه ببطء.
“لأي شيء؟”
استدارت إليه بيرين أخيرًا.
وعيناها هذه المرة كانتا واضحتين جدًا.
واضحتين لدرجة لم تسمح له بالهرب من السؤال.
“لكل هذا.”
قالتها بصراحة.
ثم رفعت الورقة المجعدة قليلًا في يدها.
“هذه المهام. هذا المنع. هذا الوقت.”
ثبتت عيناه عليها.
أما هي فتابعت، ونبرتها ترتجف بين الغضب والخذلان:
“إن كنتَ لا تريدني أن أخرج، كان بإمكانك أن تقولها مباشرة.”
…
ساد الصمت.
حتى النار في المدفأة بدت وكأنها تراجعت.
أما آرين—
فلم يتحرك.
لكن شيئًا ما في عينيه سكن بطريقة أخطر.
“أنتِ تظنين أن الأمر يتعلق بكِ؟”
خرج السؤال منه ببرودٍ أزعجها أكثر.
كأنه يقلل من شأن ما تشعر به.
وكأنها توهمت كل شيء.
اتسعت عيناها قليلًا.
“وهل لا يتعلق؟”
لم يكن صوتها عاليًا.
لكنه كان موجوعًا بما يكفي.
ثم أشارت بيدها حولها.
“كل هذا اليوم…”
ابتلعت غصتها.
ثم قالت بصوت أخفض:
“وفي النهاية… مكتبك أنت بالذات؟”
مرت لحظة طويلة.
طويلة جدًا.
حتى ظنت أنه لن يجيب.
لكنه أخيرًا تكلم.
وبهدوء أشد من اللازم:
“أنهي عملكِ.”
شعرت وكأن شيئًا صفعها.
ليس لأن الجملة قاسية فقط.
بل لأنها جاءت كأنها إلغاء تام لكل ما قالت.
لكل غضبها.
لكل اختناقها.
لكل الوقت الذي يُسرق منها الآن بينما هناك شخص ينتظرها في الخارج.
ضغطت على أسنانها.
ثم استدارت بعنف مكتوم.
وعادت إلى المزهريات.
لكن هذه المرة—
لم تعد تحاول إخفاء غضبها.
مزهرية خامسة.
وضعتها بقوة أكبر مما ينبغي.
سادسة.
أعادت ترتيب الورود فيها بسرعة حادة.
سابعة.
كادت إحدى الزهور أن تنكسر بين أصابعها.
وكان آرين يرى كل ذلك.
يرى ارتجاف كتفيها أحيانًا حين تنحني.
يرى أنفاسها المتقطعة.
يرى كيف تبلل شفتيها كل دقيقة تقريبًا، وكأنها تقاوم شيئًا لا تريد أن يظهر.
ويرى أيضًا—
أنها كل بضع لحظات، دون وعي، تلتفت بعينيها إلى الساعة الصغيرة فوق الرف.
تراقب الوقت.
وتخسره.
أكثر.
فأكثر.
وأكثر.
أما خارج القصر…
فقد بدأت الهمسات تصبح أوضح.
لأن انتظار رجل أنيق تحت ضوء الشارع، حاملاً باقة صغيرة من الزهور، لوقت طويل—
كان كافيًا ليثير فضول كل عابر.
“لا تزال لم تأتِ؟”
“أعتقد أنها لن تأتي.”
“ربما خدعته.”
“أو ربما وعدته بشيء ثم ندمت.”
خفض ليونارد نظره قليلًا.
هذه المرة، بدت ملامحه أكثر صلابة.
ليس تجاه الناس—
بل تجاه نفسه.
كان القلق يتحول إلى شيء أكثر حدة.
إلى انزعاج صامت.
ليس منها…
بل من الجهل.
الجهل بسبب تأخرها.
الجهل إن كانت بخير أصلًا.
رفع رأسه أخيرًا، وعيناه تمسحان الطريق الممتد من جهة القصر هذه المرة.
ولأول مرة…
بدأ يشك أن شيئًا ما منعها.
ولم تكن الفكرة مريحة أبدًا.
في الداخل…
كانت بيرين تضع آخر وردة في آخر مزهرية.
أصابعها تؤلمها.
ظهرها يؤلمها.
وقلبها—
يؤلمها أكثر.
وضعت الوردة أخيرًا في مكانها.
ثم تنفست ببطء.
وقالت دون أن تنظر إليه:
“انتهيت.”
ساد الصمت.
ثم وقفت مستقيمة.
وحاولت أن تبقي نفسها متماسكة.
لكنها كانت تعرف.
تعرف جيدًا أن الوقت…
قد تأخر كثيرًا.
أكثر مما يكفي.
أكثر مما يُغتفر بسهولة.
ومع ذلك…
رفعت يدها إلى طرف المئزر، مسحته عن أصابعها، ثم قالت بصوت منخفض، بارد قدر استطاعتها:
“هل أستطيع المغادرة الآن، سيدي؟”
رفع آرين عينيه إليها ببطء.
نظرة ثابتة.
هادئة.
وقاسية على نحوٍ لا يُحتمل.
ثم—
نظر إلى الساعة.
نظرة قصيرة فقط.
ثم عاد إليها.
ولم يقل شيئًا فورًا.
وهذا وحده كان كافيًا ليجعل التوتر في صدرها يشتعل.
شعرت أنها تريد أن تصرخ.
أن تقول له إنه يعرف.
أنه فعل هذا عن قصد.
أنه سرق منها وقتها فقط لأنه أراد.
لكنها بقيت صامتة.
لأنها كانت مرهقة أكثر من أن تقاتل.
ولأن شيئًا ما في نظرته…
جعلها تشعر بأن ما سيأتي بعد هذه اللحظة لن يكون بسيطًا.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 115"