ثم عادت إلى ترتيب الزهور، لكن عقلها لم يعد في الباقات كما قبل.
بل تسلل إلى فكرة صغيرة…
ثم أخرى.
ثم سؤال لم تكن مستعدة له تمامًا:
هل تريد الزواج حقًا يومًا ما؟
رفعت عينيها قليلًا دون أن تنتبه.
تبلغ الحادية والعشرين قريبًا.
لم تكن صغيرة كما كانت.
والحياة لم تعد تمنحها رفاهية أن تؤجل التفكير بكل شيء.
لكن…
هل كانت ترى نفسها فعلًا في هذا الطريق؟
زواج؟
بيت؟
أطفال؟
شخص ينتظرها في نهاية اليوم؟
…
تسللت إليها فجأة صورة أخرى.
مدرج الجامعة.
كتبها.
دفاترها.
أحلامها التي كانت تبدو قريبة ذات يوم.
والدها وهو يبتسم لها بفخر.
شعرت بانقباض خفيف في صدرها.
وانخفض بريق عينيها دون أن تقصد.
لاحظ ليونارد التغير فورًا.
“هل قلت شيئًا مزعجًا؟”
رفعت رأسها بسرعة.
ثم هزّت رأسها بخفة.
“لا.”
ثم ابتسمت له ابتسامة صغيرة، لكن هذه المرة كانت أخف.
أهدأ.
أكثر تعبًا.
“فقط… تذكرت شيئًا.”
نظر إليها لثانية، وكأنه أراد أن يسأل.
لكنه لم يفعل.
وهذا ما جعلها ترتاح أكثر.
لم يكن فضوليًا بطريقة متطفلة.
بل لطيفًا.
حذرًا.
ويعرف متى يتوقف.
وهذا…
أعجبها أكثر مما توقعت.
أخذت نفسًا خفيفًا.
ثم أعادت خصلة شعر خلف أذنها.
وقالت وهي تعود إلى عملها:
“يجب أن أكمل هذه قبل أن يوبخني السيد أدريان.”
ابتسم ليونارد قليلًا.
“إذن لن أكون أنا سبب طردي من المحل.”
رفعت حاجبها بخفة.
“هذا قرار حكيم.”
ضحك بخفوت.
ثم بقي معها لبعض الوقت.
يتحدثان بين باقة وأخرى، وبين دخول زبون وخروج آخر.
وللمرة الأولى منذ زمن…
لم تشعر بيرين أن الوقت ثقيل.
بل مرّ…
بشكل طبيعي.
هادئ.
وكأن شيئًا في قلبها، الذي كان مشدودًا طوال الأشهر الماضية…
قد ارتخى قليلًا أخيرًا.
لكن رغم ذلك—
في زاوية بعيدة من داخلها…
بقي شيء صغير غير مستقر.
شيء يشبه ظلًا خافتًا.
شيء لم تعرف لماذا ظهر فجأة كلما فكرت أن حياتها بدأت تهدأ أخيرًا.
كان المساء هادئًا في محل الزهور، والضوء الذهبي المائل للرمادي ينسكب من الزجاج الأمامي على الطاولات الخشبية المصفوفة عليها الباقات.
كانت بيرين تجلس قرب النافذة الجانبية، وقد انتهت قبل دقائق من ترتيب بعض الزهور، ووضعت المقص الصغير جانبًا.
في يدها…
كانت لا تزال تمسك الوردة البيضاء.
تقلبها بين أصابعها بصمت.
وكأنها تفكر في شيء لا تريد أن تعطيه اسمًا بعد.
رنّ الجرس فوق الباب.
رفعت رأسها.
وكان هيو.
ابتسمت له ابتسامة صغيرة حالما رأته.
“هيو؟”
دخل بخطوات هادئة.
لكن ما إن اقترب منها—
حتى لاحظت أن ابتسامته لم تكن كاملة كعادتها.
وكأن شيئًا ما في داخله كان مشدودًا.
“أيمكنني الجلوس؟”
سألها بهدوء.
أومأت له فورًا.
جلس أمامها على المقعد الخشبي المقابل.
ثم نظر إلى الوردة في يدها.
ولم يحتج الأمر أكثر من ذلك.
فهم.
خفض بصره للحظة.
ثم رفعه إليها من جديد.
“إذن… هذا صحيح.”
توقفت أصابعها عن الحركة.
“ماذا؟”
ابتسم ابتسامة صغيرة جدًا، لكنها لم تصل إلى عينيه.
“سمعتُ أن هناك رجلًا…”
ثم أشار بعينيه إلى الوردة.
“بدأ يظهر كثيرًا.”
شعرت بيرين بارتباك خفيف.
وخفضت نظرها إلى الوردة فورًا.
“الأمر ليس كما تظن.”
“وكيف أظنه؟”
قالها بصوت هادئ.
هادئ أكثر من المعتاد.
وهذا ما جعلها ترفع نظرها إليه بقلق.
تنهد هيو بخفة.
ثم شبك أصابعه أمامه، وأسند مرفقيه على ركبتيه وهو ينظر إلى الأرض لثانية قبل أن يعود إليها.
“أنا فقط…”
توقف قليلًا.
ثم قال بصوت أكثر لينًا:
“أردت أن أعرف إن كنتِ متأكدة.”
بقيت ساكتة.
فأكمل:
“لا تتسرعي في شيء مثل الخطبة أو الزواج فقط لأن الحياة أصبحت صعبة، أو لأنكِ تعبتِ من كل شيء.”
اتسعت عيناها قليلًا.
“هيو…”
هز رأسه بخفة.
“لا، دعيني أكمل.”
كان صوته لا يزال هادئًا، لكن هناك كسرًا صغيرًا فيه، جعل صدرها يضيق دون أن تعرف لماذا.
“إن كان رجلًا جيدًا معكِ…”
توقف.
وبدا وكأنه يجبر نفسه على نطق ما سيأتي.
“فهذا شيء جيد.”
بللت بيرين شفتيها بصمت.
أما هو فتابع، بصعوبة أخفاها بصوت ثابت:
“لكن لا تذهبي إلى الأمر فقط لأنكِ تشعرين أن هذا هو الطريق الوحيد المتبقي لكِ.”
ساد الصمت.
ثقيلاً.
نظرت إليه بيرين طويلًا.
ولأول مرة…
رأت ما كان يحاول إخفاءه.
شيئًا لم تقرأه بوضوح من قبل.
أو ربما—
كانت تتهرب من قراءته.
توقفت أنفاسها قليلًا.
ثم وضعت الوردة جانبًا ببطء.
“هيو…”
قالتها بخفوت.
لكنه لم ينظر إليها هذه المرة.
فقط ظل ناظرًا إلى الطاولة.
كأنه يعرف تمامًا ما ستقوله.
أو يخاف أن يعرف.
ترددت بيرين لحظة.
ثم وقفت ببطء من مقعدها.
وتقدمت خطوة نحوه.
مدت يدها…
ثم وضعتها فوق يده برفق.
ارتجفت أصابع هيو قليلًا تحت لمستها.
رفع رأسه إليها أخيرًا.
وكانت عيناها مكسورتين على نحوٍ موجع.
“أنا آسفة، هيو…”
خرجت الجملة بصوت منخفض جدًا.
صوت شخص لا يريد أن يؤذي أحدًا—
لكنه يعرف أنه يفعل.
ثبت نظره عليها.
وكأن شيئًا في صدره قد انقبض دفعة واحدة.
أما هي…
فأكملت بصعوبة:
“لكن… أنت تحتاج الأفضل مني.”
…
اتسعت عيناه قليلًا.
ثم وقف فجأة.
حتى تحرك المقعد خلفه صوتًا خافتًا.
“لا تقولي هذا.”
قالها بسرعة.
بحرارة لم تستطع إخفاء نفسها هذه المرة.
أمسك كتفيها برفق، لكن بوضوح.
وأجبرها أن تنظر إليه.
“بيرين، صدقيني…”
كان صوته هذه المرة أصدق من كل مرة سابقة.
أكثر انكشافًا.
أكثر ضعفًا.
“أنا معجب بكِ.”
تجمدت في مكانها.
وأكمل فورًا، وكأنه يخاف أن يتراجع إن صمت:
“منذ وقت طويل.”
بللت شفتيها ببطء.
وعيناها اتسعتا بصدمة خفيفة.
لكن ليس لأنها لم تتوقع الأمر تمامًا…
بل لأنها كانت تعرف في مكان ما.
تعرف…
لكنها لم ترد مواجهته.
أخفض هيو صوته أكثر.
“فلماذا لا تمنحينني فرصة واحدة فقط؟”
ارتجف شيء في داخلها.
ونظرت إليه…
تلك النظرة التي كانت دائمًا تنظرها له منذ الطفولة.
نظرة أمان.
ألفة.
امتنان.
لكن—
ليس ذلك الشيء الآخر.
ليس الحب الذي يطلبه منها الآن.
ورآها هيو.
رآها كلها.
في تلك النظرة الواحدة.
ففهم.
قبل أن تنطق.
هزّت بيرين رأسها ببطء.
وعيناها بدأت تضعفان أكثر.
“أنا…”
لكنها لم تستطع إكمالها.
ولم يكن يحتاج أصلًا.
لأن عينيها قالتا كل شيء.
أفلت هيو كتفيها ببطء.
ثم أنزل يديه.
ونظر إلى الأرض.
وبدا للحظة—
أصغر من عمره.
أكثر تعبًا.
وأكثر خيبة مما أراد أن يظهر.
لكن، كعادته…
حاول أن يبتلع ذلك كله.
رفع رأسه أخيرًا.
وأبعد نفسه خطوة.
ثم قال، بابتسامة صغيرة مكسورة حاول أن يجعلها خفيفة:
“حسنًا.”
لم تقل شيئًا.
أما هو فتنفس بعمق.
ثم قال بصوت أهدأ:
“إذن… سأفعل شيئًا واحدًا فقط.”
رفعت عينيها إليه.
فقال:
“سأتأكد أن هذا الرجل…”
ثم أشار بعينيه إلى الوردة البيضاء.
“سيعرف كيف يكون زوجًا يُسعدك.”
اهتزت أنفاسها قليلًا.
لكنه ابتسم لها أخيرًا.
ابتسامة خفيفة جدًا.
متعبة جدًا.
لكنها صادقة.
“هذا أقل ما أستطيع فعله.”
ثم استدار.
ومشى نحو الباب.
وحين وصل إليه—
توقف لحظة.
لكن من دون أن يلتفت.
وقال بهدوء:
“ولو أنه كان من حقي…”
توقفت أنفاسها.
لكنه لم يكمل.
بل فتح الباب.
وخرج.
رنّ الجرس.
ثم عاد الصمت.
جلست بيرين ببطء على المقعد.
كما لو أن ساقيها لم تعودا تحملانها.
ونظرت إلى الوردة البيضاء الموضوعة قرب يدها.
طويلًا.
طويلًا جدًا.
ثم مدت يدها إليها.
ولمست بتلاتها بخفة.
هل سيتغير كل شيء فعلًا؟
هل سيمر الوقت الآن بطريقة أخرى؟
هل هي فعلًا تقف أمام باب جديد في حياتها؟
…
زفرت ببطء.
ثم خفضت عينيها.
هي لم تخبر والدتها بشيء بعد.
ولا ستيلا.
ولا حتى تيا.
ربما لأنها—
لم تكن متأكدة بعد.
لم تكن تريد أن تنطق بشيء قبل أن تعرف إن كان هذا الطريق…
حقًا طريقها.
أم مجرد باب آخر تلجأ إليه لأن كل الأبواب الأخرى أغلقت في وجهها.
كان الليل قد ابتلع أروقة القصر كلها تقريبًا.
والهدوء يخيّم على الجدران العالية، لا يقطعه إلا صوت المطر الخفيف الذي بدأ يلامس الزجاج الخارجي بين حين وآخر.
أما في المكتب…
فكان الضوء لا يزال مشتعلًا.
وقف آرين قرب النافذة.
يداه خلف ظهره.
وعيناه مثبتتان على ظلام الحديقة الممتد خارج القصر.
لكن عقله—
لم يكن هناك.
بل كان في الغد.
غدًا.
هو اليوم الذي ستخرج فيه.
اليوم الذي ستذهب فيه لمقابلة رجل آخر.
اليوم الذي—
ضيّق عينيه قليلًا.
ثم أدار وجهه بعيدًا عن النافذة بحدة خفيفة.
ما الذي يزعجه في الأمر أصلًا؟
لا شأن له.
هي ليست من ممتلكاته.
ولا يملك أي حق في أن يسألها أين تذهب أو مع من تجلس.
بل إنه لا يملك حتى سببًا رسميًا واحدًا يمنعها من ذلك.
وهذا…
كان أكثر ما أثار غضبه.
أنه لأول مرة—
لا يملك شيئًا يستخدمه ضد الأمر.
سحب نفسًا بطيئًا.
ثم مرر يده على فكه.
وحاول أن يجلس.
لكنه ما إن جلس خلف مكتبه—
حتى نهض من جديد بعد ثوانٍ.
لم يستطع.
تحرك داخل الغرفة بخطوات بطيئة.
ثم أسرع.
ثم عاد ليتوقف.
ثم التفت فجأة إلى المكتب.
كان فكره كله يشتعل بفكرة واحدة فقط:
لا أريدها أن تذهب.
ساد صمت قصير.
ثم انقبض فكه فورًا.
وأبعد تلك الفكرة عن رأسه كأنها شيء مشين.
“سخيف.”
همس بها لنفسه ببرود حاد.
لكنه لم يقتنع.
بل على العكس…
ازدادت الفكرة رسوخًا.
غدًا ستقف أمام رجل آخر.
ستبتسم له.
ربما تضحك كما ضحكت في ذلك اليوم.
تلك الضحكة—
التي لم يرها معه أبدًا.
ضغطت يده على طرف المكتب بقوة.
حتى برزت عروق كفه بوضوح.
ثم—
ضرب الطاولة بقبضته دفعة واحدة.
دوّى الصوت في المكتب.
واهتزت فوقه الأوراق.
ثم انزلقت مزهرية زجاجية عن الحافة وسقطت أرضًا—
وتحطمت.
تبعتها كأس صغيرة.
ثم أخرى.
تناثر الزجاج على الأرض في صمت أعقب الضربة.
أما هو—
فبقي واقفًا.
صدره يعلو ويهبط ببطء.
وعيناه مثبتتان على الفوضى عند قدميه.
لكن ما في داخله…
كان أفوض من ذلك بكثير.
مرر يده في شعره للخلف.
ثم شدّ على خصلاته قليلًا.
وهمس لنفسه، بصوت أكثر ظلمة من المعتاد:
“إن ذهبت…”
توقف.
ثم ضحك ضحكة قصيرة جدًا، باردة وخالية من أي دفء.
“لا.”
بدأ يمشي من جديد.
خطوة.
ثم أخرى.
ثم وقف قرب الموقد.
وعيناه ضيقتان.
يفكر.
يفكر بحدة.
بإصرار.
كيف يجعلها تتأخر؟
كيف يمنع هذا الموعد… من دون أن يبدو الأمر كما هو؟
كيف يجعلها تنشغل؟
كيف يستدعيها؟
كيف يعطل خروجها؟
أي سبب.
أي عذر.
أي أمر.
مهما كلفه الأمر.
ثبتت عيناه أخيرًا على نقطة ما أمامه.
وسكن.
لكن ذلك السكون…
لم يكن هدوءًا.
بل كان أخطر.
لأنه يعني أنه—
فكر بشيء.
ورفع رأسه قليلًا.
وعاد ذلك البرود إلى وجهه.
لكن هذه المرة…
كان برود رجل قرر.
همس أخيرًا، وكأنه يخاطب غدًا نفسه:
“لن تذهبي بسهولة.”
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 113"