بقيت بيرين واقفة خلف الطاولة الخشبية، وأصابعها لا تزال مطبقة حول الوردة البيضاء التي أهداها لها ليونارد قبل لحظات.
أما آرين…
فكان واقفًا أمامها بصمته المعتاد.
نظراته ثابتة.
باردة.
لكن في داخل هذا البرود كان هناك شيء آخر…
شيء لم تستطع تفسيره، لكنه جعل توترها يزداد أكثر.
“أي نوع تفضل، سيدي؟”
سألته أخيرًا وهي تحاول أن تُبقي الحديث في حدود العمل.
لكن بدلًا من أن ينظر إلى الباقات المرتبة أمامه…
نظر إلى الوردة في يدها.
ثم قال بصوت هادئ جدًا، وبارد جدًا:
“هل تقبلين الخروج مع أي رجل يهديكِ وردة؟”
…
تجمدت.
تمامًا.
وانقطعت أنفاسها للحظة.
اتسعت عيناها، وارتفعت رأسها إليه بصدمة واضحة.
“ماذا؟”
خرجت منها بخفوت.
أما هو—
فلم يبدُ عليه أي ارتباك، وكأنه لم يقل شيئًا غير طبيعي.
فقط بقي ينظر إليها.
مستندًا قليلًا إلى الطاولة بأطراف أصابعه.
“أم أن الأمر يحتاج إلى أكثر من وردة؟”
هذه المرة شعرت بحرارة حادة تضرب وجهها.
ليس خجلًا فقط—
بل إهانة.
وضغطت أصابعها على ساق الوردة أكثر حتى كادت الأشواك الدقيقة تخز جلدها.
“سيدي…”
قالتها بصوت منخفض، مرتبك ومشدود.
“هذا لا… لا يخصك.”
ما إن خرجت الجملة منها—
حتى أدركت أنها قالتها فعلًا.
واتسعت عيناها أكثر.
أما آرين…
فثبت نظره عليها.
ولثانية طويلة—
لم يتحرك.
ثم ارتفع طرف فمه بنصف ابتسامة باردة.
ابتسامة لم تكن لطيفة أبدًا.
“لا يخصني؟”
كررها ببطء.
ثم أدار عينيه حول المكان، قبل أن يعود إليها مجددًا.
“غريب.”
سكت لحظة.
ثم أضاف بصوت منخفض:
“ظننت أن من حقي على الأقل أن أعرف إن كانت إحدى العاملات في قصري قد وجدت وسيلة أسرع للهروب من عملها.”
اتسعت عينا بيرين.
“أنا لم أهرب—”
“حقًا؟”
قاطعها فورًا.
هادئًا.
لكن حدته كانت أوضح من أي صراخ.
“خففتِ ساعاتك. اختفيتِ. ثم وجدتكِ هنا…”
ثم نظر مرة أخرى إلى الوردة.
“تتلقين الدعوات.”
شعرت بيرين أن شيئًا في داخلها بدأ يرتجف.
لكن ليس خوفًا فقط.
بل قهرًا.
“هذا عملي.”
قالتها هذه المرة بنبرة أكثر ثباتًا، رغم ارتجافها الخفيف.
“ولم أفعل شيئًا خاطئًا.”
بقي يحدق بها.
صامتًا.
كأنه يختبر كل حرف خرج منها.
ثم قال ببطء:
“سنرى.”
توقفت أنفاسها ثانية.
“ماذا تقصد؟”
لكن قبل أن يجيب—
رنّ الجرس الصغير فوق باب المحل من جديد.
والتفتت هي غريزيًا نحو الباب.
ودخل—
هيو.
كان يحمل بيده كيسًا ورقيًا صغيرًا، وعلى وجهه تعبير عادي في البداية…
إلى أن وقعت عيناه على الرجل الواقف أمام بيرين.
توقف في مكانه.
وتغيرت ملامحه فورًا.
أما بيرين…
فشعرت أن جسدها كله توتر دفعة واحدة.
لا… ليس الآن.
اقترب هيو ببطء، وعيناه لا تبتعدان عن آرين.
“انت!.”
قالها بنظرة كرهه قصيرة نحوه .
لكن صوته لم يكن يحمل احترامًا حقيقيًا هذه المرة.
كان مشدودًا.
حذرًا.
باردًا بطريقته الخاصة.
أما آرين…
فأدار رأسه نحوه ببطء شديد.
نظر إليه نظرة قصيرة.
ثم قال:
“السيد هيو.”
وكان في نبرته شيء جعل اسم هيو يبدو وكأنه شيء مزعج اضطر لنطقه.
تقدم هيو خطوة أخرى.
ثم نظر إلى بيرين أولًا.
“هل كل شيء بخير؟”
شعرت بيرين أن الهواء اختفى من المكان.
“نعم.”
قالتها بسرعة.
لكنها لم تبدُ مقنعة حتى لنفسها.
أما آرين…
فنظر إلى هيو، ثم إلى الكيس في يده.
ثم قال بصوت هادئ جدًا:
“يبدو أنكَ تزورها كثيرًا.”
شدّ هيو فكه قليلًا.
“وهل في ذلك مشكلة؟”
انشدت ملامح بيرين فورًا.
“هيو—”
لكن أحدًا لم يلتفت إليها.
ظل آرين ينظر إليه.
“يعتمد.”
“على ماذا؟”
سأله هيو ببرود واضح هذه المرة.
اقترب آرين نصف خطوة فقط.
شيء صغير جدًا.
لكنه كان كافيًا ليملأ المسافة بينهما بتوتر حاد.
ثم قال:
“على نواياك.”
ساد الصمت.
وبرودة الكلمات جعلت حتى هواء المحل يبدو أثقل.
شدّ هيو الكيس في يده أكثر.
“نواياي لا تعنيك.”
أجابه هذه المرة دون تراجع.
وهنا شعرت بيرين أن قلبها بدأ يخفق بسرعة مؤلمة.
نظرت بينهما.
ثم خرج صوتها أخيرًا:
“يكفي.”
كان خافتًا.
لكنه قطع اللحظة.
التفت الاثنان إليها.
وكانت تقف هناك، لا تزال ممسكة بالوردة البيضاء، وملامحها متوترة إلى درجة الانهاك.
نظرت أولًا إلى هيو.
“من فضلك…”
ثم إلى آرين.
وترددت لحظة قبل أن تقول:
“هذا مكان عملي.”
كانت الجملة بسيطة.
لكن وقعها كان واضحًا.
واضحًا جدًا.
خاصة على آرين.
لأنها قالتها وكأنها تضع حدًا.
حدًا بينه وبينها.
بين القصر وهذا المكان.
بين سلطته…
والمساحة الصغيرة الوحيدة التي استطاعت أن تتنفس فيها.
ساد صمت قصير.
ثم تحرك آرين أخيرًا.
أدار نظره عنها ببطء.
ثم قال بنبرة باردة جدًا، موجّهًا كلامه لها:
“أحسني اختيار من تسمحين لهم بالاقتراب منكِ.”
ثم التفت قليلًا نحو هيو.
“بعض الرجال لا يليق بهم الوقوف قرب شيء لا يفهمون قيمته.”
اشتدت عينا هيو فورًا.
“ماذا قلت؟”
لكن آرين لم يكررها.
بل أخذ قفازه ببطء من فوق الطاولة.
ثم التقط أخيرًا إحدى الزهور من أقرب باقة دون أن ينظر إليها كثيرًا، ووضع ثمنها على الطاولة.
وبينما كان يهمّ بالمغادرة…
توقفت عيناه للحظة أخيرة على الوردة البيضاء التي لا تزال في يد بيرين.
ثم خرج.
ودق الجرس فوق الباب من جديد.
وغادر.
ساد الصمت.
ثقيلاً.
جارحًا.
حتى بعد خروجه.
بقي هيو واقفًا مكانه، وعيناه معلقتان بالباب الذي خرج منه.
أما بيرين…
فكانت لا تزال جامدة.
أنفاسها غير مستقرة.
وأصابعها ترتجف حول الوردة.
ثم فجأة…
أنزلت يدها ببطء.
ونظرت إلى الوردة البيضاء.
كأنها فقط الآن تذكرت أنها لا تزال تمسكها.
لكنها لم تشعر بأي لطف فيها بعد الآن.
فقط…
تعب.
رفع هيو نظره إليها أخيرًا.
“هل قال لكِ شيئًا قبل أن أدخل؟”
رفعت عينيها نحوه ببطء.
ثم هزّت رأسها قليلًا.
“ليس شيئًا مهمًا.”
لكن ملامحها…
لم تكن تقول ذلك.
اقترب هيو منها.
“بيرين.”
خفضت نظرها.
“أنا بخير.”
قالتها بسرعة.
سريعة أكثر من اللازم.
ثم وضعت الوردة جانبًا على الطاولة، وكأنها لا تريد رؤيتها فجأة.
لكن داخلها…
كان شيء واحد فقط يتردد:
لماذا جاء أصلًا؟
ولماذا…
بدا منزعجًا هكذا؟
خرج من المحل بخطوات ثابتة.
باردة.
كما لو أن شيئًا لم يحدث.
رنّ الجرس خلفه بهدوء، ثم انغلق الباب الزجاجي وراءه، وعاد الشارع إلى سكونه المعتاد.
لكن داخله…
لم يكن ساكنًا.
ركب العربة دون كلمة.
وأغلق الباب بنفسه.
ثم أسند رأسه إلى المقعد الجلدي للحظة قصيرة.
عيناه نصف مغمضتين.
ووجهه ثابت.
لكن فكه كان مشدودًا بما يكفي ليظهر ذلك التوتر الخفي الذي لا يسمح له عادةً بالخروج.
مرّت لحظة.
ثم لحظة أخرى.
قبل أن يخرج زفيرًا بطيئًا من أنفه.
ذلك الرجل…
ليونارد.
والآخر…
هيو.
أغمض عينيه تمامًا.
ثم فتحهما فجأة.
وكأن الفكرة وحدها قد أزعجته.
رجل يهديها وردة.
وآخر يدخل عليها وكأنه يملك حق السؤال والوقوف قربها.
وشيء ما في كل هذا…
لم يعجبه إطلاقًا.
بل أكثر من ذلك—
أثار فيه ذلك الشعور الثقيل، البارد، الذي لم يستطع تسميته منذ بدأ يلاحظها.
خفض نظره إلى يده.
كان لا يزال يمسك الزهرة التي أخذها من المحل بلا اهتمام حقيقي.
نظر إليها لحظة.
ثم ألقى بها على المقعد المقابل بازدراء بسيط.
وهمس لنفسه بصوت منخفض جدًا:
“مزعج.”
لكن هل كان يقصد الزهرة؟
أم الرجل الذي أعطاها وردة؟
أم الآخر الذي يأتيها كلما أراد؟
أم—
نفسه؟
ساد الصمت من جديد داخل العربة.
لكن أفكاره لم تسكت.
بل بدأت تتراكم بشكل أكثر وضوحًا هذه المرة.
كل من يراها… يقترب.
كل من يراها… يريد أن يأخذها.
ضيّق عينيه قليلًا.
وهو ينظر من النافذة إلى الشارع الذي بدأ يبتعد.
ما الذي يراه الجميع فيها؟
ما الذي يجعلهم يمدّون أيديهم نحوها بهذه السهولة؟
ما الذي يجعلها—
مطلوبة هكذا؟
ضغط بإبهامه على جانب سبابته ببطء.
ثم فكر، ببرود متناقض مع حدّة ما يشعر به:
هل هي ساذجة إلى هذا الحد؟
تقبل الورود.
توافق على المواعيد.
وتقف بينهم بهذه البساطة…
كأنها لا تدرك أصلًا ما قد يفعله بها الآخرون إن اقتربوا أكثر.
انزلقت عيناه قليلًا.
ثم همس لنفسه دون أن يقصد تقريبًا:
“أم أنكِ تدركين… وتسمحين بذلك؟”
…
انقبض شيء في صدره فورًا بعد أن قالها.
وأدار وجهه إلى النافذة من جديد.
الهواء خارج الزجاج كان رماديًا، والسماء تميل إلى برودة ما قبل الغروب.
أما داخله—
فكان أكثر برودة.
لكنه أكثر اضطرابًا أيضًا.
ثم، وللمرة الأولى، ظهرت الفكرة بشكل صريح وواضح في ذهنه:
إن لم يضع حدًا لهذا…
فسيأتي كل من هبّ ودبّ ليأخذ ما يشاء منها.
واستقرت الفكرة في رأسه بطريقة لم تعجبه أبدًا.
لأنه لم يكن من حقه أن يفكر هكذا أصلًا.
ولا من حقه أن ينزعج.
ولا من حقه أن يهتم.
لكنه…
فعل.
بصمت.
وبوضوح يكفي لإزعاجه هو نفسه.
مرّ يومان بعد تلك الحادثة.
ولحسن الحظ…
لم يظهر لا الدوق.
ولا هيو.
وكان هذا وحده كافيًا ليعيد شيئًا من هدوء بيرين، ولو بشكل بسيط.
في ذلك اليوم، كان المحل أكثر دفئًا من الخارج، وقد انتشرت رائحة الورد الأبيض واللافندر في المكان بنعومة خفيفة.
كانت بيرين تقف قرب الطاولة المستطيلة، ترتب بعض الباقات الصغيرة المخصصة للبيع السريع، حين دخل طفلان صغيران مع والدتهما، وبدآ فورًا بالتجول بين الأواني وكأنهما في عالم سحري.
ابتسمت بيرين دون وعي.
ثم انحنت قليلًا لتبعد يد أحدهما عن شوك وردة حمراء.
“بحذر… هذه مؤذية أكثر مما تبدو.”
ضحك الطفل.
وفي تلك اللحظة…
رنّ الجرس أعلى الباب.
رفعت رأسها.
وكان ليونارد.
لكن هذه المرة، لم يكن وحده يبتسم—
بل كان يحمل أيضًا في يده كيسًا صغيرًا من الحلوى.
ما إن دخل حتى انحنى قليلًا نحو الطفلين.
“هل أتيتُ في وقت مزدحم؟”
ابتسمت بيرين بخفة.
“بل في وقت خطير، على ما يبدو.”
نظر إلى الطفلين ثم قال بنبرة متظاهرة بالجدية:
“إذن عليّ أن أتصرف كمنقذ.”
ضحك الطفل الصغير فورًا.
فأخرج ليونارد من الكيس قطعتين صغيرتين مغلفتين، ونظر أولًا إلى الأم ليستأذنها بعينيه.
فلما وافقت بابتسامة، أعطاهما للطفلين.
فرحا بها بسرعة، وركضا نحو الباب مجددًا.
أما بيرين…
فراقبت الموقف بهدوء.
ثم نظرت إليه.
“يبدو أنكَ محبوب بسرعة.”
ابتسم وهو يخلع قفازه ببطء.
“الأطفال لا يحتاجون أكثر من شيء صغير ليقرروا إن كنتِ جيدًا أم لا.”
نظرت إليه لثانية أطول قليلًا.
ثم قالت، وهي ترتب بعض الزهور في المزهرية:
“يبدو أنك تحب الأطفال.”
توقف ليونارد لحظة.
ثم رفع حاجبه بخفة.
“هل يبدو ذلك واضحًا؟”
ابتسمت هذه المرة فعلًا.
“قليلًا.”
اقترب أكثر من الطاولة، لكنه أبقى بينهما المسافة المناسبة.
ثم قال بنبرة أخف:
“أحبهم…”
وتوقف قليلًا.
ثم أكمل وهو يسعل بخفة وكأنه شعر أنه قال شيئًا شخصيًا أكثر من اللازم:
“إذا كانوا مع زوجتي التي أحبها.”
…
توقفت يد بيرين عن ترتيب الزهور.
ثم رفعت رأسها إليه ببطء.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 112"