كان هيو يميل نحوها وهو يتحدث، وبيرين تستمع له بعينين أكثر راحة مما اعتاد رؤيته فيهما.
شعر بشيء بارد وثقيل يتحرك في صدره.
ذلك الشعور الذي لم يحبّه منذ البداية.
ذلك الانزعاج الصامت الذي لا يليق به أصلًا.
لكنّه كان هناك.
بوضوح.
قال للسائق بصوت هادئ جدًا:
“تابع.”
تحركت العربة.
لكن عيناه ظلتا معلقتين بالمشهد حتى ابتعد.
وفي تلك الليلة…
كان اسم هيو هو الشيء الوحيد الذي لم يغادر رأسه بسهولة.
في صباح اليوم التالي…
استدعى السيدة ماريان إلى مكتبه.
دخلت كعادتها بانضباط شديد.
“سيدي.”
كان جالسًا خلف مكتبه، يرتب بعض الأوراق.
لم يرفع نظره إليها فورًا.
بل ترك لحظات الصمت تمر…
حتى أصبحت ماريان نفسها تشعر أن الجو أثقل من المعتاد.
ثم قال أخيرًا:
“من الذي سمح لبيرين نولان بتقليل ساعات عملها؟”
توقفت ماريان لثانية.
لكنها أجابت بثبات:
“أنا، سيدي.”
رفع نظره إليها أخيرًا.
“بناءً على ماذا؟”
شدّت ماريان ظهرها أكثر.
“بناءً على أنها ما زالت تنجز ما يُطلب منها، ولم تُخل بالنظام.”
ساد الصمت.
ثم قال:
“وهل هذا يمنح العاملين حرية توزيع وقتهم كما يشاؤون؟”
كان صوته باردًا جدًا.
ومهذبًا جدًا.
وهذا بالضبط ما جعل السؤال أشد.
لكن ماريان، بخبرتها، لم ترتبك بسهولة.
“لا، سيدي. لكن وضعها كان استثنائيًا بعض الشيء.”
ضيق عينيه قليلًا.
“استثنائي؟”
قالتها ماريان بوضوح:
“وفاة والدها، الديون، وضع عائلتها… ثم إنها لم تثر أي مشكلة في العمل مؤخرًا.”
توقفت.
ثم أضافت:
“بل على العكس، كانت مجتهدة.”
تجمدت نظراته للحظة.
ثم أنزل القلم من بين أصابعه ببطء.
“أفهم.”
لكن نبرته…
لم تكن توحي بأنه تفهم.
بل توحي بأنه سجّل ذلك في مكان ما داخله.
قال بعدها بصوت منخفض:
“يمكنكِ الذهاب.”
انحنت ماريان.
ثم خرجت.
وبقي هو وحده.
صامتًا.
ينظر إلى الورقة أمامه…
لكنه لم يكن يقرأ شيئًا منها.
بل كان يرى فقط—
وجهها وهي تضحك في محل الزهور.
وجهها وهي تتحدث مع هيو.
وجهها الذي لم يعد يراه هنا.
وأخيرًا…
أدرك شيئًا لم يرق له أبدًا.
إن تركها هكذا…
فقد تختفي من بين يديه بهدوء.
لم يكن ينوي الذهاب.
أو هكذا أخبر نفسه للمرة الثالثة ذلك الصباح.
وقف آرين أمام المرآة الكبيرة في غرفته، يعدّل أزرار قميصه الأسود بهدوء شديد، ثم مد يده إلى ربطة عنقه وربطها بعناية.
كانت ملامحه باردة كعادتها.
ثابتة.
لا شيء فيها يوحي باضطراب.
لكن فكره…
لم يكن في ثبات وجهه.
بل في مكان آخر.
في ذلك المحل الصغير المزدحم بالزهور والروائح الهادئة.
وفيها.
بيرين.
شدّ ربطة عنقه قليلًا، ثم أفلتها ببطء.
ونظر إلى انعكاسه في المرآة وكأنه يوبّخ نفسه بصمت.
ما علاقتي أنا؟
مجرد عاملة خففت ساعاتها.
وجدت عملًا آخر.
هذا كل ما في الأمر.
لا شأن لي بما تفعله بعد انتهاء وقتها هنا.
ولا مع من تتحدث.
ولا أين تذهب.
صمت لحظة.
ثم التقط معطفه.
لكن… سأرى فقط.
فقط ليتأكد.
فقط ليعرف لماذا بدا ذلك المكان كأنه يسحبها من تحت ناظريه شيئًا فشيئًا.
فقط—
لشيء لا يريد أن يسميه.
محل الزهور
كان الجرس الصغير فوق الباب يهتز كلما دخل زبون أو خرج آخر، والضوء الشتوي الباهت ينسكب من خلف الزجاج فيجعل ألوان الزهور تبدو أكثر نعومة.
كانت بيرين تقف قرب الطاولة الطويلة، تلف شريطًا كريمي اللون حول باقة صغيرة من زهور الأقحوان والورد الشاحب.
وقد بدا عليها شيء من التركيز الهادئ.
شيء لم يعد القصر يتركه على ملامحها.
“هل أتيتُ في وقت غير مناسب؟”
رفعت رأسها.
وكان ليونارد.
واقفًا عند المدخل بابتسامته المعتادة، وفي يده قفازان جلديان أسودان، وشعره مرتب كما لو أنه خرج للتو من موعد أكثر أهمية من أن يقضيه في محل زهور.
اتسعت عيناها قليلًا.
“آه… لا، تفضل.”
تقدم بخطوات هادئة.
ونظر إلى ما بين يديها.
“أعتقد أنني بدأت أجيء إلى هنا كثيرًا.”
قالها وكأنه يمزح.
لكن نظرته لم تكن تمزح بالكامل.
ابتسمت بيرين بخفة وهي تحاول أن تبقي المسافة بين الرسمية واللطف.
“هذا جيد للمحل.”
“وليس لكِ أنتِ؟”
توقفت لثانية.
ثم أجابت وهي تعود لربط الشريط:
“هذا يعني أن الزهور تعجبك.”
ابتسم أكثر.
ثم اقترب قليلًا من الطاولة، لكن دون أن يتجاوز حدود الأدب.
“في الحقيقة…”
رفع يده قليلًا، ثم أخرج من جيبه وردة صغيرة بيضاء.
نظيفة.
ناعمة.
لم تكن من زهور المحل.
بل بدا أنه أحضرها معه خصيصًا.
توقفت أصابع بيرين عن الحركة.
ونظرت إلى الوردة.
ثم إليه.
“هذه…”
“ليست للشراء.”
قالها بهدوء.
ثم مدها نحوها أكثر.
“هي لكِ.”
ارتبكت ملامحها فورًا.
“لي؟”
هز رأسه.
“نعم.”
خفضت نظرها إلى الوردة مرة أخرى.
وشعرت بحرارة خفيفة في وجنتيها.
لم تكن معتادة على مثل هذا النوع من التصرفات.
لا بعد كل ما مر بها.
ولا بعد كل التعب الذي جعل الأيام تمر فوقها كأنها أحجار.
لكن هذه اللحظة—
كانت غريبة.
صغيرة.
ولطيفة.
بشكل أربكها.
“شكرًا…”
قالتها بصوت خافت وهي تأخذ الوردة بحذر.
راقبها ليونارد لثانية.
ثم قال أخيرًا، بصوت أكثر جدية هذه المرة:
“بيرين.”
رفعت عينيها إليه.
“هل…”
توقف لحظة، وكأنه يعطيها فرصة للهروب إن أرادت.
“هل تقبلين الخروج معي في موعد؟”
…
تجمدت.
تمامًا.
وبقيت الوردة بين أصابعها.
بينما قلبها ارتبك فجأة دون سبب واضح.
لم تتوقع السؤال.
ليس الآن.
ليس بهذه المباشرة.
نظرت إليه.
ثم إلى الوردة.
ثم إلى الزهور المصفوفة أمامها وكأنها تبحث بينها عن إجابة.
“أنا…”
خرج صوتها مترددًا.
فابتسم ليونارد ابتسامة مطمئنة.
“لا بأس إن احتجتِ وقتًا.”
لكن—
شيئًا في داخلها قال:
لماذا لا؟
هي لا تعد أحدًا بشيء.
ولا ترتبط بأحد.
وهذا الرجل، حتى الآن، لم يكن سيئًا معها.
بل كان مهذبًا.
واضحًا.
وصادقًا في طريقته.
رفعت نظرها إليه ببطء.
“أظن…”
توقفت.
ثم قالت بصوت أخف:
“لا بأس.”
توسعت عيناه قليلًا.
“حقًا؟”
هزّت رأسها بخفة.
“نعم.”
ارتسمت على وجهه ابتسامة واضحة هذه المرة.
“إذن… مساء الجمعة؟”
“حسنًا.”
قالتها وهي لا تزال متوترة، وكأنها لا تصدق أنها وافقت فعلًا.
ابتسم ليونارد، ثم أشار إلى الوردة بين يديها.
“احتفظي بها.”
ثم أضاف بنبرة خفيفة:
“وسأعتبر هذا وعدًا.”
خفضت نظرها فورًا، ولم تعرف لماذا شعرت بأن قلبها قد تحرك قليلًا من مكانه.
ثم خرج.
والجرس فوق الباب رنّ مرة أخرى وهو يغادر.
لكن—
لم يكن وحده من سمع.
على الجهة الأخرى من الزجاج…
كان آرين قد وصل قبل لحظات.
ورآه.
ورآها.
ورأى الوردة في يدها.
ثم—
سمع.
“هل تقبلين الخروج معي في موعد؟”
“… لا بأس.”
ساد شيء بارد جدًا في ملامحه.
شيء لا يُقرأ بسهولة.
لكن أصابعه…
شدّت على قفازه الجلدي ببطء حتى تجعد الجلد عند مفاصل يده.
موعد؟
ثبتت عيناه على ليونارد وهو يخرج.
مرّ الرجل من قربه دون أن يعرف من يقف هناك أصلًا.
لكن آرين لم يلتفت إليه.
بل كانت عيناه ثابتتين فقط على الوردة البيضاء في يد بيرين.
ثم دفع الباب.
ودخل.
رنّ الجرس.
رفعت بيرين رأسها فورًا.
وما إن وقعت عيناها عليه—
حتى شعرت وكأن الدم توقف لحظة في عروقها.
تجمدت في مكانها.
الدوق؟
هنا؟
في هذا المكان؟
ابتلعت ريقها.
وشدت على الوردة بين أصابعها دون أن تشعر.
أما آرين…
فدخل بخطوات هادئة جدًا.
هادئة لدرجة أنها بدت أخطر.
كان يرتدي معطفًا داكنًا، وقفازيه لا يزالان في يده، وملامحه باردة كما لو أنه لم يأتِ إلى محل زهور أصلًا، بل إلى اجتماع رسمي.
توقف أمام الطاولة.
ونظر إليها مباشرة.
ثم إلى الوردة في يدها.
ثم عاد إلى عينيها.
قال أخيرًا، بصوت منخفض وثابت:
“يبدو أنكِ مشغولة.”
شعرت بيرين أن حلقها جفّ فجأة.
“سيدي…”
خرجت منها متوترة.
لكنها لم تعرف ماذا تقول بعد ذلك.
لماذا جاء؟
كيف عرف؟
هل رآها مع ليونارد؟
هل سمع؟
هل—
قطع أفكارها صوته.
“هل أنتِ مرتاحة هنا؟”
رفعت نظرها إليه.
وبقيت صامتة لثانية.
كان السؤال بسيطًا.
لكن نبرته…
لم تكن كذلك.
كأنه لا يسأل عن العمل فقط.
بل عن شيء آخر.
شيء أقرب إلى:
لهذا الحد أردتِ الاختفاء؟
خفضت نظرها للحظة.
ثم قالت بهدوء حذر:
“نعم.”
بقي ينظر إليها.
“حقًا؟”
ارتبكت أكثر.
ثم هزّت رأسها.
“نعم، سيدي.”
لم تتغير ملامحه.
لكن شيئًا في عينيه بدا أكثر حدة.
“إذن هذا المكان…”
قالها ببطء وهو ينظر حوله.
“أكثر راحة لكِ من القصر؟”
رفعت عينيها إليه مرة أخرى.
وتوترت أصابعها حول ساق الوردة.
“أنا…”
توقفت.
ثم أجابت بحذر:
“العمل هنا أخف.”
ابتسم.
لكنها لم تكن ابتسامة مريحة.
بل نصف ابتسامة باردة.
“أخف.”
كررها كما لو أنه يختبر وقعها.
ثم أضاف، وهو يثبت عينيه عليها:
“وأقل اختناقًا، على ما يبدو.”
تجمدت ملامحها قليلًا.
لأنه قالها…
وكأنه يعرف.
يعرف أنها كانت تهرب.
أو على الأقل…
تحاول.
بلعت ريقها.
ولم تعرف كيف تجيب.
فبقيت ساكتة.
ساد صمت قصير بينهما.
وكان صوت المقصات الخفيفة في الطرف الآخر من المحل، وأنفاس المكان المشبعة برائحة الزهور، كلّها تبدو بعيدة جدًا عن التوتر الذي وقف بينهما.
ثم قال آرين أخيرًا:
“جئت لأشتري شيئًا.”
نظرت إليه بسرعة.
“وردًا؟”
قالها وكأن الكلمة غريبة عليه.
ثم نظر إلى الباقات من حوله نظرة سريعة.
“على ما يبدو.”
أومأت برأسها بسرعة، كأنها تعلقت بفكرة البيع هربًا من التوتر.
“أي نوع تفضل؟”
لكن عينيه—
لم تذهبا إلى الزهور.
بل بقيتا عليها.
“ما الذي تقترحينه؟”
نظرت إلى الباقات تحاول أن تتماسك.
ومع ذلك…
كانت تشعر بثقل نظرته أكثر من أي شيء في المكان.
وفي يدها…
كانت لا تزال تمسك الوردة التي أهداها لها رجل آخر.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 111"