ابتسمت ستيلا ابتسامة خفيفة جدًا، شاحبة لكنها صادقة.
“أنتِ بالذات… من تطلبين هذا؟”
توقفت بيرين عن الحركة تمامًا.
وأكملت ستيلا وهي تنظر أمامها، كأنها ترى مشهدًا قديمًا بعيدًا:
“أتذكرين… عندما كنتِ صغيرة؟”
خفضت بيرين نظرها قليلًا.
“في أول مرة أخبرناكِ أننا قد ننتقل من بيتنا القديم…”
ضحكت ستيلا بخفوت، لكن الضحكة كانت ممزوجة بحنين موجع.
“بكيتِ طوال الليل.”
اتسعت عينا بيرين قليلًا، ثم ارتخت ملامحها رغمًا عنها.
“كنتِ تتشبثين بستائر غرفتك، وتقولين إنكِ لن تتركي نافذتك…”
صمتت لحظة.
“وأن الزهور المزروعة أمام الباب ستفتقدك.”
أخفضت بيرين عينيها أكثر.
شعرت بغصة صغيرة ترتفع في حلقها.
تلك الذكرى…
كانت بعيدة جدًا.
بعيدة لدرجة أنها بدت وكأنها تخص فتاة أخرى، لا تخصها هي الآن.
تنهدت ببطء.
وأراحت رأسها على ظهر الأريكة.
لكن في داخلها…
لم تكن ترى ذلك البيت القديم.
بل كانت ترى شيئًا آخر.
ترى آرين واقفًا أمامها ببروده المعتاد…
وصوته الهادئ القاطع حين رفض خروجها.
وترى هيو…
ووجهه حين قال أمامه إنه سيتزوجها.
وترى تلك اللحظة المشتعلة بينهما…
تلك اللكمة…
ذلك التوتر…
ذلك الإحراج القاسي الذي وُضعت فيه دون أن تختاره.
أغمضت عينيها للحظة.
كان في صدرها شعور خانق.
لو لم يحدث كل ذلك…
لما فكرت حتى في الانتقال.
لكن الآن؟
أصبح البيت نفسه يضيق بها.
أصبح القصر ثقيلاً.
وأصبح كل طريق تعرفه…
يوصلها إلى نفس العقدة.
رفعت يدها إلى جبينها، ثم زفرت أنفاسًا طويلة.
وقالت بصوت خافت، بالكاد خرج:
“ربما…”
توقفت لحظة.
ثم أكملت وهي تحدق في الأرض:
“ربما لم أعد أريد أن ألتقي بأحد.”
نظرت إليها ستيلا بصمت.
أما بيرين…
فلم تقل شيئًا آخر.
لكن في داخلها، كانت تعرف تمامًا ما الذي تهرب منه.
القصر.
آرين.
وهيو.
وكأن انتقالهم وحده…
قد يكون المخرج الوحيد من كل ما حدث.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ طويلة.
كانت ستيلا لا تزال تنظر إلى ابنتها، إلى ذلك الشحوب الذي أصبح يسكن ملامحها يومًا بعد يوم، وإلى التعب الذي لم تعد تستطيع إخفاءه مهما حاولت.
خفضت ستيلا نظرها قليلًا.
ثم قالت بصوت هادئ:
“إن كنتِ حقًا ترغبين بذلك…”
رفعت بيرين عينيها إليها.
“يمكننا أن نفكر في الأمر.”
اتسعت عيناها قليلًا.
لكن ستيلا أكملت وهي تنظر إلى الطاولة الخشبية الصغيرة أمامها:
“ربما… إن وجدنا مكانًا أرخص، أو أبعد قليلًا عن هذه المنطقة…”
توقفت.
ثم أضافت بنبرة خافتة:
“يمكننا أن نبدأ من جديد.”
صمتت بيرين.
فقط صمتت.
كانت الكلمات جميلة…
دافئة…
وتشبه الحلم.
لكنها لم تكن تشبه واقعهم.
خفضت نظرها ببطء.
ثم هزّت رأسها.
“لا.”
التفتت ستيلا إليها بدهشة.
“بيرين…؟”
ابتلعت بيرين ريقها.
وحاولت أن تبقي صوتها ثابتًا.
“يكفي.”
قالتها بهدوء، لكن الحزم كان واضحًا فيها.
“لا أريد أن نُحمّل أنفسنا أشياءً أكثر.”
سكتت لحظة.
ثم نظرت إلى والدتها مباشرة.
“علينا ديون كثيرة أصلًا.”
كانت الكلمات تخرج بصعوبة…
لكنها كانت صادقة أكثر من أي شيء.
“والانتقال… سيحتاج إلى مال، وإيجار جديد، وأثاث، وأشياء أخرى…”
خفضت عينيها.
“يكفينا ما نحن فيه.”
نظرت إليها ستيلا بصمت.
أما بيرين…
فشدّت أصابعها فوق طرف ثوبها.
وحاولت أن تبدو ثابتة.
لكن في داخلها…
كانت تعرف أن سبب رفضها لم يكن المال وحده.
بل لأنها…
لا تعرف إن كان الانتقال وحده سيُنقذها أصلًا.
ماذا لو…
لاحقها كل شيء حتى هناك أيضًا؟
ماذا لو بقي الدوق سببًا آخر في تعقيد حياتها؟
ماذا لو قرر أن يفعل شيئًا آخر؟
أغمضت عينيها للحظة.
ثم همست بصوت خافت:
“سأتحمل.”
رفعت ستيلا يدها فورًا، ومسحت على شعرها برفق.
لكن هذه المرة…
لم تقل شيئًا.
لأنها شعرت أن ابنتها لم تعد تحتاج كلمات.
بل…
مخرجًا.
في اليوم التالي…
كان الصباح هادئًا.
تيا في المدرسة.
وستيلا في عملها.
أما بيرين…
فكانت وحدها في المنزل.
تجلس قرب النافذة، وبيدها قطعة قماش صغيرة تحاول أن تشغل نفسها بتنظيف الطاولة.
لكن عقلها…
لم يكن حاضرًا.
كل شيء كان يعود إليها:
صوت الدوق.
نظراته.
طريقة منعه لها.
ثم شجار الأمس.
وما قاله هيو…
الزواج.
توقفت يدها فجأة.
وتجمدت.
ثم أغمضت عينيها بقوة.
كأنها تحاول أن تدفع الفكرة بعيدًا.
لكن—
طرق.
رفعت رأسها.
توقفت.
ثم جاء الطرق مرة أخرى.
قامت ببطء.
واتجهت إلى الباب.
فتحته.
وكان هيو.
وقف أمامها بصمت.
بدا عليه التعب.
وعلى زاوية فمه أثر خفيف للكدمة.
وكذلك قرب خده.
ما إن رأته بيرين…
حتى اتسعت عيناها قليلًا.
لكنها لم تقل شيئًا.
هو من بدأ أولًا.
“هل يمكنني الدخول؟”
ترددت لحظة.
ثم تنحت جانبًا بصمت.
دخل هيو.
وأغلقت الباب خلفه.
ساد صمت ثقيل.
وقف هو في منتصف الغرفة تقريبًا.
أما هي…
فبقيت قريبة من الباب.
كأنها لم تكن متأكدة إن كانت مستعدة لهذا الحديث.
خفض هيو نظره قليلًا.
ثم قال:
“جئت… لأعتذر.”
رفعت بيرين عينيها نحوه.
لكنه لم ينظر إليها فورًا.
كان صوته هذه المرة أخفض من المعتاد.
“عن الشجار…”
ثم تنهد.
“وعن ما قلته.”
سكتت بيرين.
فأكمل:
“لم يكن يجب أن أقول ذلك بتلك الطريقة.”
صمت.
ثم رفع عينيه إليها أخيرًا.
“لكنني… لم أكن أكذب.”
تجمدت ملامحها قليلًا.
فأسرع يضيف:
“لا أقصد أن أضغط عليكِ.”
تقدم خطوة ببطء.
“فقط…”
توقف، وكأن الكلمات أصبحت أصعب.
“لم أتحمل فكرة أنكِ تُحبسين هناك، وتنهارين، ولا أستطيع فعل شيء.”
خفضت بيرين عينيها.
ثم قالت بهدوء:
“وهل الزواج… كان الشيء الوحيد الذي فكرت به؟”
صمت.
سؤالها أصابه مباشرة.
“أنا فقط…”
توقف.
ثم زفر.
“كنت غاضبًا.”
رفعت رأسها ببطء.
“وغاضبك هذا… كاد يحطم كل شيء أكثر.”
صوتها لم يكن عاليًا.
لكن كان فيه تعب.
تعب حقيقي.
نظر إليها هيو طويلًا.
ثم قال:
“إذن ماذا أفعل؟”
ساد الصمت.
ثم تقدمت بيرين خطوة واحدة فقط.
“ابقَ بجانبي…”
قالتها أخيرًا.
“لكن لا تقرر عني.”
توقف.
نظر إليها وكأن كلماتها استقرت فيه ببطء.
ثم هز رأسه.
“حسنًا.”
خرجت منه بصعوبة… لكنها صادقة.
ثم أضاف بصوت أخف:
“لن أفعلها مجددًا.”
لأول مرة منذ بداية الحديث…
ارتخت ملامح بيرين قليلًا.
لكنها لم تبتسم.
فقط قالت:
“شكرًا.”
ساد الصمت من جديد.
لكنه هذه المرة…
لم يكن مؤلمًا تمامًا.
بل…
أهدأ قليلًا.
إلى أن رفع هيو نظره نحوها، ثم قال فجأة:
“لكنني ما زلت لا أثق به.”
تجمدت.
“هيو—”
“ولا يعجبني أنه يمنعك بهذه الطريقة.”
اشتدت ملامحها قليلًا.
“أعرف.”
قالتها بسرعة، وكأنها لا تريد سماع المزيد.
خفض هيو نظره.
ثم قال بهدوء:
“فقط… انتبهي.”
رفعت عينيها نحوه.
“لأنني أشعر…”
توقف.
ثم أكمل ببطء:
“أن الأمر لم يعد مجرد عمل بالنسبة له.”
…
تجمد شيء صغير داخلها.
لكنها لم تُظهر ذلك.
بل فقط أشاحت بنظرها.
وقالت بهدوء متعب:
“لا أريد التفكير في هذا.”
خرج هيو بعد وقت قصير.
وبقيت بيرين وحدها من جديد.
لكن هذه المرة…
لم يكن رأسها أخف.
بل أثقل.
لأن سؤالًا واحدًا فقط بقي يدور في داخلها—
ماذا سيفعل الدوق بعد هذا…؟
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 109"