كانت الغرفة الصغيرة هادئة، إلا من صوت أنفاس بيرين المتعبة.
استلقت قليلًا على الفراش بعد أن غيرت ملابس العمل، لكن جسدها ما زال ساخنًا، ورأسها يؤلمها من التعب والحمى. وضعت يدها على جبينها وأغمضت عينيها لحظة، تحاول أن تهدأ بعد يوم طويل.
فجأة…
سمعت طرقًا خفيفًا على الباب.
عبست قليلًا.
“ادخل.”
فتح الباب ببطء.
دخل هيو.
توقف عند الباب لحظة عندما رآها. كانت شاحبة، شعرها غير مرتب قليلًا، والضمادة على يدها واضحة.
اقترب بسرعة.
“بيرين…”
رفعت رأسها قليلًا عندما رأته، ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة رغم تعبها.
“هيو.”
جلس على الكرسي قرب السرير، عينيه تراقبانها بقلق.
“أنتِ مريضة.”
هزت كتفيها بخفة.
“شيء بسيط.”
لكن نظرته لم تقتنع.
بقي صامتًا لحظة، ثم قال بهدوء:
“تيا قالت إنكِ تعملين كثيرًا.”
بيرين تجاهلت الموضوع بسهولة، كأنها لا تريد أن يركز عليه.
قالت بابتسامة خفيفة:
“وكيف حالك أنت؟ لم أرك منذ أيام.”
تنهد هيو قليلًا.
“أنا بخير.”
لكن عينيه بقيتا عليها.
ثم سأل فجأة:
“وماذا عن الجامعة؟”
اختفت الابتسامة قليلًا من وجه بيرين.
ساد صمت قصير.
خفضت عينيها وقالت بهدوء:
“هيو… لا تفتح هذا الموضوع.”
عبس.
“لكن—”
قاطعت كلامه بلطف متعب:
“أرجوك.”
صمت لحظة… ثم قال بصوت أكثر حدة قليلًا:
“لكن أنتِ تحبين الدراسة.”
لم تجب.
نظرت إلى الأرض فقط.
قالت بهدوء خافت:
“كان ذلك في الماضي.”
عقد هيو حاجبيه فورًا.
“الماضي؟”
ارتفع صوته قليلًا دون أن يشعر.
“وما الذي تفعلينه الآن إذن؟”
رفعت عينيها نحوه ببطء.
لكنه أكمل بغضب واضح:
“هل ستبقين هكذا؟ تعملين حتى تمرضي؟”
صمتت بيرين.
لم ترد.
بعد لحظة قالت بهدوء:
“لا أعرف.”
ثم أضافت ببساطة، كأنها تتحدث عن أمر عادي:
“لكن عندما أنتهي من سداد الديون… سأكون بخير.”
توقف هيو قليلًا.
لكنها أكملت كلامها دون أن تنظر إليه:
“أو ربما…”
ابتسمت ابتسامة صغيرة باهتة.
“سأخطب لأي شخص يطلب يدي.”
تجمد هيو في مكانه.
كأن الكلمات ضربته فجأة.
مرت لحظة صمت ثقيلة.
ثم… عقد حاجبيه بشدة.
وفي عقله مرت صورة سريعة…
بيرين واقفة بجانب رجل آخر.
تبتسم له.
تشابك يديها معه.
شعر بشيء يضيق في صدره فجأة.
قبل أن تكمل بيرين كلامها—
قاطعها فجأة بصوت حاد:
“لا!”
رفعت بيرين رأسها نحوه بدهشة.
أما هيو…
فكان ينظر إليها بحدة لم ترها في عينيه من قبل.
انتفضت بيرين من حدة صوته حين رأته يخرج من غرفتها وهي تناديه .
“…”
لا تعرف لما قد غضب لهذه درجة ؟
خرج هيو من بيت بيرين وهو ما زال غاضبًا.
الممر كان هادئًا مع ضوء المصابيح الخافتة.
بينما كان يمشي، لمح عربة القصر متوقفة قرب نهاية الطريق.
توقف قليلًا.
فتح باب العربة، ونزل الدوق آرين بهدوء.
تصلب هيو فورًا، ثم انحنى باحترام.
“مساء الخير، سيدي الدوق.”
لكن في داخله كان يشعر بانزعاج شديد منه.
رفع رأسه قليلًا، ورأى أن نظرة آرين قد مرت فوقه فقط.
نظرة باردة… قصيرة… بلا اهتمام.
ثم تحرك آرين ببطء.
لكن قبل أن يمشي، توقفت عيناه لحظة على البيت الصغير خلف هيو.
بيت بيرين.
نظر إليه لثانية فقط.
بيت بسيط… صغير… بعيد جدًا عن عالم القصر.
ثم عاد بصره إلى الطريق.
لم يقل شيئًا.
مر بجانب هيو بهدوء، معطفه يتحرك قليلًا مع خطواته.
أما هيو فبقي واقفًا مكانه، عاقد الحاجبين، يشعر بأن هذا الرجل هو سبب تعب بيرين.
لكن آرين لم يلتفت إليه مرة أخرى.
اتجه نحو العربة.
وضع قبعته بهدوء، ثم ركب العربة.
بعد لحظات…
تحركت العربة مبتعدة في الطريق المؤدي إلى القصر.
أما هيو…
فبقي لحظة ينظر إليها وهي تبتعد.
ثم استدار أخيرًا وغادر الممر.
بينما كان الدوق في العربة صامتًا…
وعيناه ما زالتا تتذكران ذلك البيت الصغير.
مرّ يومان بعد مرض بيرين.
خلالهما بقيت في البيت أغلب الوقت، تستريح وتستعيد قوتها ببطء. لم يكن جسدها قد تعافى تمامًا، لكن الحمى اختفت، وعاد إليها شيء من النشاط.
في الصباح الثالث، جلست قرب النافذة الصغيرة في بيتها، تمسك جريدة قديمة نشرتها الجامعة وبعض الإعلانات عن وظائف. كانت عيناها تتنقلان بين السطور بتركيز، تبحث عن أي فرصة عمل أفضل من القصر.
من حين لآخر كانت ترسل رسائل صغيرة لـ هيو عن اي اخبار عمل.
“إن سمعت عن أي مكان يحتاج موظفين… أخبرني.”
كان يجيبها دائمًا بنبرة قلق:
“سأحاول.”
كما التقت بـ لوسي أيضًا.
لكن لوسي كانت دائمًا تقول بحماس:
“لنخرج مرّ وقت طويل!”
فتتهرب بيرين بلطف.
“ليس الآن… أنا مشغولة هذه الأيام.”
في الحقيقة… لم تكن في حال يسمح لها باللقاء. لم تكن تريد أن تراها لوسي وهي تعيش بهذه الظروف.
وهكذا مرّت الأيام.
في القصر، بدأت بيرين تعتاد العمل شيئًا فشيئًا. لم يعد الأمر غريبًا كما كان في البداية.
كما أصبحت إيليانا صديقة قريبة لها في العمل.
كانت فتاة لطيفة تتحدث كثيرًا، وتخفف عن بيرين صمت الأيام الطويلة.
مرّت أسابيع دون أحداث كبيرة.
فقط العمل…
بعض التعب من حين لآخر…
لكن بيرين كانت تتحمله بصمت.
في أحد الأيام، كانت بيرين تمر في ممرات القصر الواسعة تحمل قطعة قماش، تنظف المزهريات الكبيرة الموضوعة على الطاولات الجانبية.
كانت تعمل بهدوء، مركزة على إزالة الغبار.
عندما وصلت إلى نهاية الممر، مرّت قرب باب غرفة مفتوح قليلًا.
لم تنظر إليه.
قواعد القصر كانت واضحة:
الخدم لا ينظرون داخل الغرف دون طلب.
لكن من داخل الغرفة…
كان آرين جالسًا في مكتبه.
رفع نظره للحظة، ورأى ظلها يمر في الممر.
ثم قال بصوت واضح:
“إن كان هناك خادم في الخارج… فليدخل.”
توقفت خطوات بيرين فورًا.
تجمدت في مكانها.
هل يقصدها…؟
نظرت حولها قليلًا في الممر.
لم يكن هناك أحد.
لا مساعدين… ولا خدم آخرين.
ابتلعت ريقها ببطء.
لقد عرفت الصوت فورًا.
صوت الدوق.
ترددت لحظة… ثم أمسكت مقبض الباب ودفعته قليلًا لتدخل.
دخلت الغرفة بهدوء.
مرت هيئتها أمام عيني آرين.
كانت ترتدي تنورة بنية داكنة بسيطة، من النوع الذي يُعطى للعاملات حتى لا تتسخ ملابسهن أثناء العمل.
وفوقها قميص حليبي بأكمام طويلة مغلقة.
لم تبدُ كخادمة قصر كاملة الهيئة، بل كعاملة تقوم ببعض المهام البسيطة بكميات كبيرة.
ولهذا لم يكن أحد يهتم كثيرًا بزيها.
توقفت بيرين عند عتبة الباب.
ثم أغلقت الباب إلى النصف فقط.
أنزلت رأسها قليلًا احترامًا.
كانت نظرات آرين عليها للحظة قبل أن يتكلم.
أشار بإصبعه نحو الرفوف القريبة وقال بهدوء:
“مرري لي ذلك الكتاب… دستور الخرائط لعام…”
لم تكمل بيرين الكلمات في ذهنها.
توقفت.
نظرت إلى الجهة التي أشار إليها.
رفوف طويلة ممتلئة بالكتب والملفات.
صمتت لحظة.
هي تحب الكتب…
لكنها لا تعرف شيئًا عن كتب الخرائط والبحار التي يقرأها الدوق.
تشابكت أصابعها ببعضها، وكأنها تلعب بأظافرها من التوتر.
رفعت نظرها نحوه للحظة.
فالتقت بنظرة استغراب خفيفة منه.
قال ببرود:
“ماذا تفعلين؟”
ارتبكت قليلاً.
ثم تحركت أخيرًا نحو الرفوف.
وقفت أمامها وبدأت تنظر إلى العناوين الصغيرة المكتوبة أسفل كل رف، تحاول أن تجد ما طلبه.
مرت دقيقة…
لكنها شعرت وكأنها ساعة كاملة.
من خلفها، تنهد آرين قليلًا.
ثم قال:
“فوقك مباشرة.”
توقفت.
“ذو اللون الأحمر النحاسي.”
رفعت رأسها.
فرأت الكتاب فورًا.
كان واضحًا فعلًا.
رفعت يديها لتأخذه.
لكنها لم تصل.
استعانت بأطراف قدميها…
ومدت ذراعها أكثر.
ما زال بعيدًا قليلًا.
من مكانه، كان آرين ينظر إلى محاولتها.
ظهرت نصف ابتسامة خفيفة على وجهه دون أن يشعر.
لكن بيرين لم تستسلم.
حاولت مرة أخرى…
ثم قامت بقفزة صغيرة جدًا لتحاول الوصول إليه.
خرجت ضحكة قصيرة من آرين دون قصد.
تجمدت بيرين فورًا.
توقفت في مكانها.
ثم استدارت ببطء، ورأسها منحنٍ قليلًا من الإحراج.
في تلك اللحظة، نهض آرين من كرسيه.
مشى نحو الرف بهدوء.
مد يده نحو الكتاب.
لكن…
لم يأخذه مباشرة.
فقط وضعت أصابعه عليه.
كانت نظراته تتجه نحو بيرين.
أما هي فبقيت واقفة، تنظر إلى الأرض أمامها، تتساءل في داخلها…
هل سيأخذ الكتاب أم ماذا؟
بعد لحظة…
رفعت رأسها أخيرًا.
والتقت نظراتهما.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 106"