حلّ الصباح التالي ببطء، لكن بيرين لم تشعر به حقًا.
جسدها كان ثقيلًا، ورأسها يؤلمها منذ أن استيقظت.
حرارة خفيفة تسري في جسدها، وأنفاسها لم تكن منتظمة كما يجب.
مع ذلك… نهضت.
لم يكن لديها خيار آخر.
أيقظت تيا بلطف، ساعدتها على ارتداء ملابس المدرسة، ثم أخذت بيدها وخرجتا معًا في الشارع البارد.
الهواء الصباحي كان قاسيًا.
بيرين شعرت بأن صدرها يضيق قليلًا، لكنها لم تُظهر شيئًا.
ابتسمت لتيا فقط.
“اذهبي جيدًا… ولا تتأخري بعد الدرس.”
لوّحت تيا بيدها الصغيرة ودخلت المدرسة.
أما بيرين…
فاستدارت بهدوء وتوجهت نحو القصر.
عندما وصلت، بدأت العمل مباشرة.
لكن هذه المرة… كان التعب واضحًا عليها.
وجهها شاحب، وخطواتها أبطأ من المعتاد.
لاحظت بعض الخادمات ذلك.
إحداهن تمتمت بتعاطف:
“يبدو أنها مريضة.”
لكن أخرى ردت ببرود:
“العمل لا يتوقف لأن أحدهم مريض.”
في النهاية، قررن إعطاءها أعمالًا أخف قليلًا.
لم يردن مشاكل جديدة… لكن العمل يجب أن يتم.
بدأت بيرين تنشر الأغطية في الفناء.
ثم مسحت الغبار عن المزهريات الكبيرة في الممر.
وبعدها بدأت تجمع الأوراق المتساقطة التي علقت بين التماثيل وعلى الجدران الحجرية.
مرّ النهار ببطء شديد.
كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها.
أحيانًا كانت تتوقف لحظة قصيرة فقط… تحاول أن تأخذ نفسًا عميقًا.
لكن صدرها لم يساعدها.
مع حلول المساء، كانت حرارة جسدها قد ارتفعت أكثر.
ومع ذلك…
استمرت.
في إحدى زوايا الحديقة الخلفية، وقفت بيرين قرب تمثال حجري قديم.
كانت ورقة صفراء عالقة في يد التمثال المرتفعة.
تنهدت بخفة.
ثم صعدت قليلًا على الحافة الحجرية الصغيرة لتصل إليها.
مدّت يدها ببطء…
في تلك اللحظة بالضبط—
قفزت فتاة من خلف التمثال فجأة.
“بو!”
شهقت بيرين بقوة.
فقدت توازنها فورًا.
انزلقت قدمها عن الحافة وسقطت على الأرض.
ارتطمت يداها أولًا بالعشب… لكن الأشواك الصغيرة المخفية فيه جرحت جلدها فورًا.
تسلل الدم سريعًا من خدوش حمراء على كفيها.
اتسعت عينا الفتاة فورًا.
“يا إلهي!”
خرجت من خلف التمثال بسرعة.
كانت فتاة شابة بملابس خادمة متخصصة في الغرف
اقتربت بارتباك واضح.
“أنا آسفة! لم أقصد—كنت فقط أمزح!”
لكن بيرين كانت قد نهضت بالفعل.
تجاهلت الألم في يديها.
مسحت الدم قليلًا با اكمام قميصها، ثم قالت بسرعة:
“لا بأس.”
حاولت أن تبدو هادئة… لكن أنفاسها كانت غير مستقرة.
قالت الفتاة بقلق أكبر:
“لكن يديكِ تنزفان!”
مدّت يدها نحوها، لكن بيرين تراجعت خطوة.
“حقًا… لا شيء.”
ثم استدارت بسرعة وبدأت تمشي نحو الممر.
كانت خطواتها سريعة قليلًا، وكأنها تريد الهرب قبل أن يلاحظ أحد ضعفها.
لكن الفتاة لم تتوقف.
تبعتها بقلق.
“انتظري!”
لم تلتفت بيرين.
دخلت إلى غرفة الأدوات الصغيرة قرب الحديقة، وأخذت قطعة قماش وعلبة ضمادات.
جلست بسرعة وبدأت تلف الضمادة حول يدها.
لكن الفتاة وصلت أخيرًا.
وقفت أمام الباب وهي تلهث قليلًا.
“اسمي إيليانا.”
قالتها بسرعة وكأنها تعتذر مرة أخرى.
“حقًا… لم أرد أن تسقطي.”
رفعت بيرين عينيها إليها لحظة قصيرة.
وجهها كان شاحبًا أكثر من قبل.
لكنها قالت بهدوء:
“قلت لكِ… لا بأس.”
إيليانا عبست قليلًا.
“لكن يديكِ—”
قاطعتها بيرين بهدوء وهي تكمل لف الضمادة:
“لقد تعرضت لأسوأ من هذا.”
ساد صمت قصير في الغرفة.
إيليانا نظرت إليها… وكأنها لاحظت شيئًا.
“أنتِ مريضة، أليس كذلك؟”
توقفت يد بيرين لحظة.
لكنها لم تجب.
فقط شدّت الضمادة أكثر… ثم نهضت.
“يجب أن أعود للعمل.”
قالت ذلك ببساطة.
لكن عندما خطت خطوة نحو الباب…
شعرت بدوار خفيف يمر في رأسها.
اهتزت رؤيتها للحظة.
وإيليانا… لاحظت ذلك فورًا.
خطت خطوة نحوها بسرعة.
“مهلًا—”
كان الغروب قد بدأ يلون السماء بلون برتقالي هادئ، والحديقة أصبحت أكثر هدوءًا بعد يوم طويل من العمل.
بعد حادثة السقوط، أصرت إيليانا أن تبقى مع بيرين.
كانت تشعر بذنب واضح.
قالت وهي تمشي بجانبها حاملة بعض الأوراق التي تجمعانها:
“حقًا… أنا السبب فيما حدث. لو لم أفزعكِ لما سقطتِ.”
بيرين هزت رأسها قليلًا.
“لا… كنت متعبة أصلًا.”
لكن إيليانا لم تقتنع.
منذ تلك اللحظة بدأت تساعدها في العمل.
كانت تتحدث كثيرًا أيضًا، تحاول أن تشغل بيرين بالكلام.
“أنا جديدة هنا تقريبًا… لذلك لا أعرف الكثير من الناس بعد.”
ثم ابتسمت ابتسامة لطيفة.
“لكنني أعتقد أننا يمكن أن نصبح صديقتين.”
توقفت بيرين لحظة ونظرت إليها باستغراب خفيف.
كلمة صديقتين لم تسمعها منذ مدة طويلة.
قالت بهدوء:
“لا حاجة لذلك.”
لكن إيليانا ضحكت بخفة.
“هذا ليس شيئًا تطلبينه… الصداقة تحدث هكذا فقط.”
وبينما كانتا تعملان، شعرت بيرين بشيء غريب.
كأن جزءًا صغيرًا من الثقل في صدرها قد خف.
لم يكن بسبب الراحة…
بل لأن أحدًا يتحدث معها ببساطة.
لكن رغم ذلك…
حرارة جسدها لم تنخفض.
بل بالعكس، بدأت تشعر بأن رأسها أثقل.
مع اقتراب غروب الشمس أكثر، كانت بيرين تمشي قرب المقاعد الحجرية في الحديقة.
فجأة…
تعثرت خطواتها قليلًا.
مدت يدها بسرعة وتمسكت بحافة أحد المقاعد الحجرية قبل أن تسقط.
جلست ببطء.
وضعت يدها على جبينها.
شعرت وكأن طبولًا تضرب داخل رأسها.
أنفاسها أصبحت أثقل.
أغمضت عينيها للحظة.
ذكريات قديمة مرت في ذهنها…
المكتبة التي كانت تعمل فيها سابقًا.
الهدوء بين الرفوف.
رائحة الكتب القديمة.
كم كان العمل هناك بسيطًا… ومريحًا.
تمتمت في داخلها بتعب:
لو ذهبت إلى شارع آخر… هل سأجد عملًا كهذا مرة أخرى؟
صوت إيليانا قطع أفكارها.
“بيرين؟”
اقتربت منها بسرعة.
كان القلق واضحًا في وجهها.
انحنت قليلًا أمامها.
“هل أنتِ بخير؟”
لم تجب بيرين.
كانت ما تزال تمسك بحافة المقعد، جالسة شبه متقرفصة.
وضعت إيليانا كفها على جبينها.
اتسعت عيناها فورًا.
“يا إلهي… أنتِ ساخنة جدًا!”
قالت بسرعة:
“انتظري هنا، سأجلب ماءً باردًا. يجب أن تخففي الحرارة.”
لكن بيرين بالكاد سمعت الكلمات.
كل ما كانت تشعر به هو الدوار.
غادرت إيليانا مسرعة نحو الداخل لتجلب الماء.
في تلك اللحظة…
كان الدوق آرين قد عاد من بوابة القصر بعد جولة قصيرة.
كان مساعده يسير بجانبه.
بينما كانا يمران قرب الحديقة، وقعت عيناه على الشكل الجالس قرب المقعد الحجري.
توقف قليلًا.
عرفها فورًا.
تنحنح بخفة.
ثم قال لمساعده بنبرة هادئة:
“اذهب وأحضر الوثيقة التي تركتها في المكتب.”
تفاجأ المساعد قليلًا.
“الآن، سيدي؟”
أجاب آرين ببساطة:
“الآن.”
انحنى المساعد قليلًا وغادر.
بقي آرين وحده في الممر.
ثم بدأ يمشي ببطء نحو المقعد.
خطواته على الحصى كانت واضحة.
لكن الغريب…
أن بيرين لم تتحرك.
لم ترفع رأسها.
لم تبتعد.
اقترب أكثر.
حتى أصبح أمامها تمامًا.
عندها فقط لاحظ حالتها بوضوح.
كانت ترتجف قليلًا.
تمسك حافة المقعد بقوة.
ضمادة بيضاء حول يدها… لكنها لم تعد بيضاء.
كانت متربة، ويتسلل من داخلها لون دم خفيف.
وجهها شاحب بشكل غير طبيعي.
لكنها لم تنظر إليه.
بقيت تحدق في الأرض.
يبدو أنها ظنته إيليانا.
مرت لحظات.
ثم قالت بصوت ضعيف بالكاد يُسمع:
“تأخرتِ…”
لم يجب.
ساد صمت قصير.
عبست بيرين قليلًا.
لماذا لم تتكلم كعادتها؟
رفعت رأسها ببطء شديد.
عيناها المتعبتان التقتا بعينيه مباشرة.
تجمدت للحظة.
الدوق آرين كان يقف أمامها.
ينظر إليها بهدوء بارد… كما يفعل دائمًا.
لكن هذه المرة…
كانت المسافة بينهما أقرب بكثير من أي مرة سابقة.
بيرين شعرت بالدوار من التعب، حاولت أن تتقدم لتكمل عملها، لكن قدماها كادت تتراجع. تشبثت باللحافة بحذر لتثبيت نفسها، وانحنت قليلًا باحترام أمام الدوق وهي تحاول أن تمشي، غير أن خطواتها كانت متثاقلة، وعيناها المتعبة لا تخفي آثار السهر والعمل الشاق.
الدوق وقف أمامها بلا أي حركة مفاجئة، لكنه وضع يده بثبات على جبينها ليتأكد من حرارتها، ونظر في عينيها المتعبتين. شعرت بيرين بالصدمة، وكأن لمسه البارد نقل لها صرامة وقلق في الوقت ذاته. حاولت الابتعاد قليلاً، لكنها سمعت صوته الحاد والمباشر:
— اتركي العمل، وارجعي لمعالجة نفسك فورًا.
توترت بيرين من كلامه، همست بصوت متلعثم:
— لكن، سيدي…
أوقفها الدوق بنظرة صارمة، وكأن كلماته فرضت نفسها على المكان
ابتسم ابتسامة نصفها سخرية ونصفها اهتمام، وعينيه لم تفارقها، كأنها ترى مدى ما أرهقها التعب والديون التي تراكمت عليهم. أضاف ببرود هادئ لكنه حازم:
— لا أظنك ستتحملين ساعة كاملة على هذا الحال. ارجعي، ولا تحاولي العمل أكثر.
اقترب منها خطوة واحدة، جعل قلبها يخفق، لكنه أضاف بنبرة صارمة:
— لا أريد أي ضجة تحدث بسببك، ولا أريد إصرارك على عمل يرهق خادميك الآخرين، فتجعلينهم يصابون بالإعياء مثلك.
بيرين شعرت بالحرج والارتباك، لكنها لم تملك سوى الصمت.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 105"