تقدمت إحدى الخادمات بسرعة وكأنها تنتظر هذه اللحظة.
“سيدي… شيء اختفى من غرفة التخزين، و الآنسة بيرين كانت هناك أمس.”
بقي الدوق صامتًا لحظة، عيناه انتقلتا نحو بيرين.
كانت لا تزال واقفة برأس منخفض.
قالت بصوت خافت لكنها حاولت أن يكون ثابتًا:
“سيدي… أنا لم أفعل شيئًا.”
لم يرد فورًا.
اقترب خطوة ببطء، نظر إليها نظرة قصيرة فقط، ثم حول عينيه إلى الخادمات.
قال ببرود:
“هل لديكن دليل؟”
تبادلت الخادمات النظرات، ثم قالت إحداهن:
“لا… لكن لا أحد غيرها كان هناك.”
عمّ الصمت لحظة أخرى.
بيرين رفعت عينيها قليلًا…
كانت تنتظر.
انتظرت أن يقول شيئًا…
أن يسألها أكثر…
أن يمنحها فرصة.
لكن الدوق قال بنبرة هادئة خالية من المشاعر:
“إذن فلتكن أكثر حذرًا.”
تجمدت بيرين مكانها.
ثم أكمل دون أن ينظر إليها حتى:
“هذا القصر لا يحتمل الأخطاء.”
كانت الكلمات باردة… لكنها كافية لتجعل الاتهام يبدو وكأنه ثبت عليها.
شعرت بيرين وكأن الأرض انسحبت من تحتها.
كانت تظن… لثانية واحدة فقط…
أنه قد ينصفها.
لكن بدل ذلك…
قال الدوق وهو يستدير ليغادر:
“تغاضوا عن الأمر هذه المرة.”
ثم أضاف ببرود:
“لا أريد سماع ضجة أخرى في الممرات.”
وغادر مع مساعده.
بقيت الخادمات صامتات للحظة… ثم بدأت الهمسات من جديد.
أما بيرين…
فوقفت مكانها،
وعيناها معلقتان بالممر الذي غادر فيه.
لم تقل شيئًا.
لكن الصدمة في عينيها كانت أوضح من أي كلام.
كان النهار قد انقضى، لكن همسات الخادمات لم تنتهِ.
كانت بيرين تمشي في الممر وهي تحمل سلة الأقمشة، تتوقف بين الحين والآخر لتنفض غبار الوسائد أو ترتب الأغطية.
كلما مرت قرب مجموعة من الخادمات خفتت أصواتهن قليلًا… ثم تعود الهمسات من جديد.
إحداهن قالت بنبرة منخفضة لكنها مسموعة:
“الدوق كان كريمًا معها.”
ردت أخرى بسخرية:
“لو كنت مكانه لطردتها فورًا.”
ضحكت ثالثة بخفة.
“واضح أنه تغاضى فقط لأنه لا يريد مشاكل.”
بيرين لم تلتفت إليهن.
واصلت عملها بصمت، تنشر أغطية الوسائد فوق الحبال، ثم تنتقل إلى الحديقة الصغيرة لتسقي النباتات.
بعدها ركعت قرب الشجيرات وبدأت تقتلع الأعشاب الضارة واحدة تلو الأخرى.
لكن داخل رأسها…
كان سؤال واحد يدور بلا توقف.
لماذا فعل ذلك؟
توقفت لحظة، تضغط على يديها بقوة دون أن تشعر.
هل لأنه رآني أعمل هنا في قصره؟
هل ظن… أنني فعلًا سرقت؟
عادت للعمل بسرعة، كأنها تحاول أن تطرد الفكرة من رأسها.
بعد فترة…
ظهرت ستيلا من الممر المؤدي إلى ساحة الخدم.
كانت عائدة من عملها مع مجموعة الخادمات الكبيرات، ولم تكن تعلم شيئًا عما حدث.
عندما رأت بيرين لا تزال تعمل وحدها، اقتربت منها بسرعة.
“بيرين؟ ما زلتِ هنا؟”
لم ترفع بيرين رأسها، كانت تقص الأعشاب الضارة بالمقص الصغير.
نظرت ستيلا حولها، رأت السلال المليئة بالأعمال غير المنتهية.
اقتربت أكثر وقالت بلطف:
“اتركي هذا… سأكمله أنا.”
مدت يدها لتأخذ المقص، لكن بيرين سحبته بهدوء.
“لا.”
رفعت ستيلا حاجبيها بدهشة.
قالت بيرين دون أن تنظر إليها:
“خذي تيا وعودوا إلى المنزل.”
صمتّ ستيلا لحظة.
“وماذا عنك؟”
“سأعود بعد أن أنتهي.”
رفعت ستيلا عينيها نحوها…
كانت ترى التعب في كتفيها، العرق على جبينها رغم أن الهواء بدأ يبرد.
بقيت صامتة للحظة، وكأنها تريد أن تسأل شيئًا.
لكنها عندما رأت الإصرار في عيني بيرين…
تنهدت أخيرًا.
“حسنًا.”
استدارت ببطء.
“لا تتأخري كثيرًا.”
وغادرت.
حلّ الليل.
الحديقة أصبحت هادئة تمامًا.
المصابيح القليلة في الممرات البعيدة كانت ترسل ضوءًا خافتًا فقط.
لكن بيرين ما زالت تعمل.
كانت تتعرق رغم برودة الليل، شعرها التصق قليلًا بجبينها، ويديها متعبتان من القص والحفر.
الهواء البارد كان يمر فوق جلدها المبلل بالعرق فيجعلها ترتجف.
في النهاية…
وضعت المقص جانبًا.
وسارت ببطء نحو الشجرة الكبيرة في طرف الحديقة.
جلست تحتها…
ثم ضمت ركبتيها إلى صدرها.
في البداية حاولت أن تبقى هادئة.
لكن الدموع بدأت تنهمر بصمت.
تذكرت كل شيء دفعة واحدة.
والدها…
صوته…
ضحكته…
كلماته عندما كان يقول لها دائمًا إن الجامعة هي مستقبلها.
ثم تذكرت الجامعة نفسها…
القاعات… الكتب… الأحلام التي تركتها خلفها.
وتذكرت هيو.
كم مرة حاول أن يقنعها بالعودة.
حتى أن والده تدخل مرة…
وطلب منها أن تعود إلى دراستها.
لكنها رفضت
رفضت بشدة.
لم يكن هناك خيار آخر.
شهقة صغيرة خرجت من صدرها دون أن تشعر.
لم تعد تعرف ماذا تريد الحياة منها بعد الآن.
كانت ترتجف.
العرق على جسدها، والهواء البارد يضربها بلا رحمة.
لم تكن تعلم…
أن هناك من يراقبها من بعيد.
كان واقفًا في الظل.
ينظر إليها ببرود.
الدوق.
ظل صامتًا لحظة وهو يراقبها.
فكر بلا اهتمام واضح:
هل تبكي بسببي؟
بسبب تلك الحادثة؟
لكن الفكرة لم تعنِ له الكثير.
لم يكن ينوي أن يهتم.
ومع ذلك…
بدأ يسير نحوها.
خطواته كانت هادئة جدًا، حتى أنه لم يصدر صوتًا تقريبًا.
اقترب أكثر…
إلى أن أصبحت صورتها واضحة أمامه.
كانت جالسة تحت الشجرة، تضم ساقيها إلى صدرها، عيناها مغمضتان، دموعها ما زالت تنساب بصمت.
بجانبها…
كانت سلة مليئة بالأعشاب المقطوعة.
وعلى أصابع يديها…
كانت هناك ضمادات صغيرة، بعضها تلطخ قليلًا بلون خفيف من الدم بسبب أشواك النباتات.
كانت ترتجف قليلًا.
مسحت دموعها ببطء، لكنها لم تفتح عينيها.
لم تكن تعلم…
أنه يقف أمامها الآن.
كان الليل قد استقر فوق الحديقة، والهواء البارد يمر بين الأشجار ببطء.
المصابيح البعيدة في الممرات كانت ترسل ضوءًا خافتًا فقط، بالكاد يصل إلى الشجرة التي جلست تحتها بيرين.
كانت تضم ساقيها إلى صدرها، جبينها مسند إلى ركبتيها.
دموعها تنهمر بصمت.
السلة المليئة بالأعشاب المقطوعة ما زالت بجانبها، والمقص سقط قليلًا على التراب.
أصابعها كانت ملفوفة بضمادات صغيرة، وبعضها مائل بسبب الأشواك التي جرحتها أثناء العمل.
ارتجفت قليلًا.
العرق على جسدها جعل الهواء البارد يبدو أقسى.
حاولت أن تمسح دموعها… لكن شهقة صغيرة خانتها.
في تلك اللحظة…
جاء صوت هادئ من أمامها.
بارد.
“إن كنتِ ستبكين…”
تجمد جسدها فورًا.
“…فلا تفعلي ذلك في حديقة القصر.”
رفعت بيرين رأسها بسرعة.
عيناها اتسعتا عندما رأت الظل الواقف أمامها.
الدوق آرين.
وقف هناك بهدوء، يديه خلف ظهره، وجهه هادئ كعادته… وكأن ما يراه لا يعنيه.
ارتبكت بيرين بسرعة، مسحت دموعها بظهر يدها ونهضت بسرعة حتى كادت تتعثر.
“سـ… سيدي.”
خفضت رأسها فورًا.
صوتها كان خافتًا.
قال آرين دون أن يتغير صوته:
“العمل لم ينتهِ بعد.”
نظرت بيرين إلى السلة بجانبها، ثم إلى الأعشاب التي لم تقطع بعد.
أجابت بسرعة وكأنها تدافع عن نفسها:
“كنت فقط… أستريح قليلًا.”
لم يرد.
بقي ينظر إليها بصمت.
ذلك الصمت كان أثقل من أي كلام.
قبضت بيرين على طرف ثوبها قليلًا.
كانت تحاول أن تبقى هادئة… لكن شيئًا في صدرها بدأ يختنق.
أخيرًا قالت بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا:
“سأعود للعمل الآن.”
خطت خطوة نحو السلة.
لكن صوته أوقفها.
“هل انتهيتِ من البكاء؟”
توقفت.
ببطء… رفعت عينيها نحوه.
كانت تلك أول مرة تنظر إليه مباشرة منذ الحادثة.
قالت بصوت منخفض لكنه حاد قليلًا:
“لم أكن أبكي.”
نظر إليها لحظة قصيرة.
ثم قال بهدوء:
“إذن أنتِ ضعيفة أمام البرد فقط.”
شدّت بيرين يديها.
الألم في أصابعها جعلها تعتصرهما أكثر.
قالت فجأة دون أن تشعر:
“لم أسرق شيئًا.”
ساد الصمت.
الريح مرّت بين الأغصان فوقهما.
أضافت بصوت أهدأ، لكن فيه غصة واضحة:
“لم أفعل.”
آرين لم يتغير تعبيره.
قال ببساطة:
“لم أسألك.”
تجمدت الكلمات في حلقها لحظة.
لكنها لم تستطع أن تتوقف.
خرجت الكلمات أخيرًا، وكأنها كانت محبوسة منذ ساعات:
“لكن الجميع يظن ذلك.”
نظرت إليه مباشرة.
“وأنت أيضًا.”
لم يرد فورًا.
كانت عيناه ثابتتين عليها… لكن دون حرارة.
قال أخيرًا:
“لو كنت أظن أنكِ سرقتِ… لما كنتِ ما زلتِ هنا.”
ضحكت بيرين ضحكة قصيرة خافتة، لكنها لم تكن فرحًا.
“لكنهم جميعًا يعتقدون ذلك الآن.”
ضغطت على كلماتها بصعوبة.
“بسبب ما قلته.”
سكتت لحظة.
ثم أضافت بصوت منخفض:
“أنت لم تقول الحق”
الهواء البارد مر بينهما مرة أخرى.
بقي آرين صامتًا.
ثم قال بنبرة هادئة خالية من المشاعر:
“أنا لا أدافع عن الخدم.”
تجمدت بيرين مكانها.
كأن الكلمات أصابتها مباشرة.
خفضت عينيها قليلًا.
ثم قالت بهدوء مكسور:
“فهمت.”
انحنت قليلًا تأخذ السلة.
لكن قبل أن تتحرك…
قال آرين فجأة:
“لكنني أيضًا… لا أهتم بإضاعة وقتي في اتهام الأبرياء.”
رفعت بيرين عينيها نحوه مرة أخرى.
هذه المرة كانت عيناها حمراء من البكاء.
لكنها لم تقل شيئًا.
نظر إلى السلة بجانبها، ثم إلى يديها الملفوفتين بالضمادات.
ثم قال ببرود كأنه يتحدث عن أمر عادي:
“أنهِي عملك واذهبي.”
ثم استدار ليغادر.
بعد خطوتين فقط…
توقف قليلًا.
وقال دون أن ينظر إليها:
“ولا تبكي في الحديقة مرة أخرى.”
ثم تابع طريقه في الظلام.
بقيت بيرين واقفة تحت الشجرة.
السلة في يديها…
وقلبها مثقل بكلمات لم تفهمها بالكامل.
لم تعرف…
هل كان يحتقرها فعلًا…
أم أن شيئًا آخر كان خلف ذلك البرود.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 104"