عاد الغروب الرمادي بهدوئه إلى البيت، وحلّت ظلاله الطويلة على الجدران، فجلسوا على طاولة الطعام، لكن المقعد الذي اعتاد أن يجلس عليه والدها كان فارغًا، يذكرها بغيابه. لم يكن لبيرين أي شهية لتناول الطعام؛ التقطت قضمة صغيرة فقط، ثم صعدت إلى غرفتها، منهكة من التعب.
جلست على سريرها، شعرها منسدل على ظهرها، وملابسها المتربة تحمل آثار ساعات العمل الطويلة. أصابعها لا تزال تحمل آثار المقص الذي قصت به النباتات، وعيونها تتجول نحو مكتبها وكأنها تبحث عن بصيص أمل. لم تكن تتصور أنها ستتمكن من متابعة الجامعة في هذا الوضع، ولم يكن قلبها يملك القدرة على التفكير بذلك.
سمعت طرقات صغيرة على الباب، فتوجهت ببطء لتفتح، فإذا بتيا تقف أمامها، بعينين متسائلتين، تقول بصوت طفولي: “بيرين… ماذا تفعلين؟”
ابتسمت بيرين ابتسامة حزينة، وخرجت تيا ما جمعته من نقود، مجرد قرشانين، وقالت لها: “هذا سيصلح حالنا… لقد جمعته بتعب.”
نظرت بيرين إلى يديها الصغيرتين، إلى النقود القليلة، وارتسمت في حلقها غصة حارقة، اختنقتها، فمسكت تيا بين ذراعيها، وضعت يديها على شعرها، وهمست: “آسفة…”
في داخلها كانت تدور آلاف الأسئلة: آسفة لأنها لم تستطع إنقاذ والدها لكي تكبر وتراه، آسفة لأنها لم تتمكن من أن تمنحه سنوات أطول. هل ستنساه عندما تمضي الحياة؟ دموعها تسيل بلا توقف، وهي تمسح شعرها بين يديها.
ثم أخذت بيرين تنفض حزنها شيئًا فشيئًا، التقطت كلا كفيها بين يديها، ومسحت دموعها، وابتسمت ابتسامة خافتة، قالت لتيا وهي تضع النقود جانبًا: “احتفظي بها إلى أن يحين وقت أخذنا.”
كانت هذه تصرفاتها لتخفف عن نفسها وعن تيا العبء الكبير، لتبقي الأمور في حدود قدرة صغيرة، ليتحمل قلبها الصغير ما تستطيع، فهي لم تكن قادرة على حمل أكثر من ذلك، وليس من حق طفلة في مثل سنها أن تتحمل أكثر مما يجب.
كان المساء يهبط ببطء على القصر، والسماء قد تلونت بدرجات الرمادي والبرتقالي الخافت.
في الحديقة الخلفية، كانت بيرين تعمل وحدها، تقص الأغصان الزائدة بالمقص الصغير، تجمع الأوراق المتساقطة، ثم تعود لترتب الشجيرات بعناية.
كانت يدها تؤلمها قليلًا، خدوش صغيرة تركها المقص في أصابعها، لكنها لم تتوقف.
تعبها لم يكن جديدًا عليها.
بعد وقت، وضعت المقص جانبًا وجلست تحت شجرة كبيرة في طرف الحديقة. كان ظلها طويلًا فوق العشب، ونسيم المساء يمر بين خصلات شعرها المنسدلة. رفعت عينيها نحو الأفق، حيث كانت الشمس تغرب ببطء خلف الأسوار العالية للقصر.
تنهدت بهدوء… وكأنها تحاول أن تترك ثقل اليوم كله مع ذلك الغروب.
وفجأة…
سمعت خطوات مسرعة فوق العشب.
ركضت لوسي نحوها بسرعة، شعرها يتحرك مع ركضها، وعندما وصلت توقفت أمامها وهي تلهث قليلًا.
قالت بقلق:
“بيرين! كنت أبحث عنك… لماذا أنتِ هنا وحدك؟”
رفعت بيرين عينيها إليها، لكن بدل أن تجيب، ظلت صامتة.
نظرتها كانت هادئة، لكنها بعيدة قليلًا.
عبست لوسي بخفة وجلست قربها.
“هل حدث شيء؟”
هزت بيرين رأسها ببطء.
“لا… فقط أردت أن أجلس قليلًا.”
راقبتها لوسي لحظة، وكأنها لا تصدق الجواب، لكنها لم تضغط عليها أكثر.
وفي تلك اللحظة…
من نافذة عالية في الطابق العلوي من القصر، كان الدوق يقف بصمت.
عيناه اتجهتا نحو الحديقة، حيث جلست بيرين تحت الشجرة.
كان قد رآها طوال النهار تعمل دون توقف.
لم يسمع منها شكوى واحدة.
حتى الآن… وهي تجلس بصمت، لم تكن تبدو كشخص ينتظر شفقة أحد.
ضيق عينيه قليلًا وهو يراقبها.
ثم تحرك مبتعدًا عن النافذة دون أن يقول شيئًا.
بينما جلست لوسي مع بيرين وهي تحاول مناقشتها في مشاكل الديون ..
في اليوم التالي…
كانت بيرين تعمل في إحدى الممرات داخل القصر، تنظف الرفوف وترتب الأشياء بعناية.
لكن همسات خافتة بدأت تنتشر بين الخادمات في الطرف الآخر من الممر.
قالت إحداهن بصوت منخفض:
“هل سمعتم؟ هناك شيء مفقود من غرفة التخزين.”
ردت أخرى:
“نعم… وبعضهم يقول إن الخادمة الجديدة كانت هناك أمس.”
نظراتهن بدأت تتجه نحو بيرين.
اقتربت إحدى الخادمات أكثر وقالت بنبرة شبه اتهام:
“بيرين… أليس كذلك؟ أنتِ كنتِ في غرفة التخزين أمس، صحيح؟”
توقفت بيرين عن العمل ونظرت إليها.
“نعم… كنت أنظف هناك.”
ابتسمت الخادمة ابتسامة خفيفة لكنها حادة.
“غريب… لأن شيئًا ما اختفى بعد ذلك.”
ساد صمت قصير في الممر.
بيرين لم ترفع صوتها…
ولم تدافع عن نفسها بعنف.
قالت فقط بهدوء:
“لم آخذ شيئًا.”
لكن الهمسات استمرت.
وفي الطرف الآخر من الممر…
كان هيو قد مر صدفة وسمع آخر الجملة.
توقف لحظة، نظر نحو بيرين ثم نحو الخادمات.
لكنه لم يتدخل فورًا.
لاحقًا في ذلك اليوم…
أُرسلت بيرين لتنظيف غرفة قديمة نادرًا ما تُستخدم في أحد أجنحة القصر.
كان الغبار يملأ المكان، والنوافذ مغلقة منذ زمن.
بدأت تزيل الغبار عن الطاولة القديمة، ثم فتحت درجًا خشبيًا عالقًا قليلًا.
داخل الدرج…
كان هناك كتاب قديم.
أخرجته بحذر.
عندما فتحته، رأت كتابة بخط مألوف…
شيء جعل قلبها يتوقف لحظة.
لم يكن نفس الخط تمامًا…
لكنه ذكرها بكتابة والدها.
تذكرت فجأة كلماته قبل سنوات:
“بيرين… مهما حدث، لا تتركي دراستك.”
خفضت عينيها نحو الكتاب، وشعرت بثقل في صدرها.
همست لنفسها:
“لكن… كيف؟”
مع حلول الليل…
عادت بيرين إلى الحديقة لتكمل بعض العمل الذي لم تنهه.
كانت الأضواء في القصر قليلة، والحديقة هادئة تمامًا.
وضعت الأدوات جانبًا وجلست على المقعد الحجري.
هذه المرة… لم تستطع التماسك.
غطت وجهها بيديها، وانهمرت دموعها بصمت.
ليس بسبب العمل… بل بسبب كل شيء.
وفاة والدها.
الديون.
الجامعة التي تشعر أنها تبتعد أكثر فأكثر.
لم تكن تعلم…
أن الدوق كان يقف في الشرفة المطلة على الحديقة مرة أخرى.
رآها وهي تبكي.
لكنه لم يقترب.
لم ينادِها.
ظل واقفًا في الظل… يراقب فقط.
وكأن شيئًا في داخله بدأ يتغير، لكنه لم يكن مستعدًا للاعتراف بذلك بعد.
في صباح اليوم التالي، كان القصر يعجّ بحركة غير معتادة. الخادمات يتحركن في الممرات بسرعة، لكن الهمسات كانت أعلى من المعتاد.
في إحدى الزوايا القريبة من غرفة التخزين، كانت مجموعة من الخادمات تقف حول بيرين.
وجوههن متجهمة، وبعضهن يرمقها بنظرات اتهام واضحة.
قالت إحداهن بحدة:
“لا فائدة من الإنكار الآن… الشيء اختفى بعد أن كنتِ أنتِ هناك.”
رفعت بيرين رأسها قليلًا، كان التعب واضحًا في وجهها. العمل المتواصل منذ أيام جعل ملامحها شاحبة، لكن عينيها بقيتا ثابتتين.
قالت بصوت حاولت أن تجعله قويًا:
“أخبرتكن… لم آخذ شيئًا.”
قهقهت خادمة أخرى بسخرية خفيفة.
“إذن أين اختفى؟ هل طار بنفسه؟”
اقتربت أخرى خطوة.
“الجميع يعرف وضعك… ديون وعائلة تحتاج المال.”
تجمدت يد بيرين للحظة.
شعرت بأن الكلمات تضربها كحجارة صغيرة، لكنها حاولت أن تتمسك بما تبقى من هدوئها.
“هذا لا يعني أنني سارقة.”
لكن لا أحد بدا وكأنه يستمع لها.
الهمسات ارتفعت، والاتهامات بدأت تتكرر.
“رأيتها هناك.”
“أنا متأكدة أنها كانت وحدها.”
“من غيرها يمكن أن يكون؟”
حاولت بيرين أن تدافع عن نفسها مرة أخرى، لكن صوتها ضاع بين الأصوات.
في تلك اللحظة…
كانت خطوات ثقيلة تقترب من الممر.
كان الدوق يسير برفقة مساعده، متجهين إلى الخارج لإنجاز عمل قصير خارج القصر.
لكن الضجة التي ارتفعت في الممر جعلته يتوقف.
عقد حاجبيه قليلًا.
“ما هذا الضجيج؟”
استدار نحو مصدر الأصوات.
عندما اقترب… رأى تجمع الخادمات.
وفي وسطهن…
كانت بيرين.
وقف الدوق لحظة يراقب المشهد.
الفتاة التي بدت ذابلة من كثرة العمل، تحاول بصعوبة أن تشرح شيئًا بينما الجميع يتحدث فوق صوتها.
قالت بيرين وهي تحاول أن تبقى متماسكة:
“أنا لم أفعل شيئًا… صدقوني…”
وفجأة…
انطلق صوت الدوق عميقًا وقاطعًا، كأنه كسر الهواء نفسه.
“ما الذي يحدث هنا؟”
في لحظة واحدة…
عمّ الصمت المكان.
توترت الأجواء فجأة، وتفرقت الهمسات كأنها لم تكن.
بيرين رفعت عينيها بسرعة نحو الصوت…
قلبها خفق بقوة للحظة.
تمنت… حقًا تمنت… أن لا يراها.
لكنها سرعان ما خفضت رأسها من جديد.
ابتلعت الغصة التي صعدت إلى حلقها، تحاول أن تمنع دموعها من الانهمار أمام الجميع.
اقترب الدوق خطوة، ونظر إلى المجموعة.
ثم سأل ببرود واضح:
“أحد يشرح لي… ماذا حصل؟”
لكن نظرته توقفت لحظة عند بيرين.
كانت واقفة بصمت، رأسها منحنٍ، ويديها متشابكتان أمامها…
كأنها تحاول أن تبقي نفسها ثابتة حتى لا تنهار.
لم ترفع نظرها إليه.
ولم تقل شيئًا.
فقط وقفت هناك…
تنتظر ما سيحدث.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 103"