الفصل 40
بعد أن ودّعتُ إيرل وعُدتُ إلى القصر، وجدتُ كلارا عند المدخل.
يومان فقط يفصلاننا عن المأدبة.
كان من المفترض أن تقوم اليوم بمعاينة قاعة الاحتفالات والرواق الذي سيمشي فيه النبلاء مع المتعهّدين، وكانت تنهي اجتماعها معهم وتودّعهم.
يبدو أنّهم انتهوا للتوّ.
كانت الصبيّة تتألّق وحدها وسط الحشد المتجمّع حولها من البالغين بملابسهم القاتمة.
بقميصٍ أبيض وتنّورة خضراء فضفاضة.
وربطة عنق من القماش نفسه؛ كانت كلارا تبدو كجنيّة الغابة حقًّا.
آمنت أديل حينها تمامًا.
لربما كان من المفترضِ أن تولد كلارا كجنية.
‘شكرًا لك لأنّكِ لم تولدي بأجنحة سيّدتي الماركيزة.’
فكّرت أديل بذلك وهي تضع يدها على صدرها.
لأنّه……
في تلك اللحظة، ركضت كلارا نحو أديل وقالت: “أهلًا بعودتكِ، يـ.. يا أختي.”
أختي.
لقد نادتني بأختي….
أطبقت أديل قبضتها بصمت وهي تشعر بفيض من التأثّر.
لو وُلدت كلارا جنيّة مجنّحة، لما نالت أديل هذا الشرف أبدًا.
علاوة على ذلك، كان من دواعي سروري البالغ رؤية وجنتي كلارا المستديرتين تحمرّان في كلّ مرّة تقول فيها أختي.
خاصّة اليوم، كان وجهها بالكامل أحمر كأنّ حرارته قد ارتفعت……
‘أوه؟’
شعرت أديل بشيء مريب، فأمسكت بوجنتي كلارا على الفور.
دون حتّى أن تطلب إذنًا.
ولم يكن لديها وقت لتتأمّل ملمسهما الناعم الطريّ.
لأنّهما كانتا في غاية السخونة.
“مـ- ماركيزة! أنتِ محمومة! لديكِ حرارة……!”
خلافًا لأديل المرتبكة، كانت كلارا هادئة تمامًا.
“……أعلم ذلك.”
“ماذا؟!”
“لا عجب أنّ كفاءتي في العمل قد انخفضت.”
“أولسون…… أين هو بحقّ السماء؟”
رغم أنّه يدّعي أنّه رئيس حزب المؤيّدين لكلارا!
كيف يترك كلارا في هذه الحالة تؤدّي مهامّها وحدها؟
كان يستحقّ لعنات وتوبيخ الحزب بأكمله.
“أولسون مصاب بالزكام لذا منحته إجازة. المريض يجب أن يرتاح جيّدًا.”
يا للإزعاج، لقد كان هو مصدر العدوى إذًا!
“الأمر ليس بالخطير.”
قالت كلارا ذلك وتراجعت خطوة إلى الخلف.
فسقطت يدا أديل عن وجهها بشكل طبيعيّ.
“لقد تناولتُ الدواء بانتظام، لذا لا داعي للقلق.”
“ليس أولسون فحسب، بل حتّى أنتِ يا ماركيزة يجب أن ترتاحي تمامًا حين تكونين مريضة.”
“لا خيار أمامي، فالمأدبة وشيكة. لم أتأكّد من هدايا الشكر بعد، وسأقوم بمعاينة زينة الرواق مرّة أخرى.”
لكنّ عيني كلارا وهي تتحدّث كانتا زائغتين.
بدت وكأنّ الحمّى قد غيّبت وعيها قليلًا.
ومع ذلك، صعدت الدرج بخطوات ثابتة.
تبعتها أديل بسرعة.
كان هذا هو الوقت المناسب لمنع كلارا مهما كلّف الثمن.
“ماركيزة!”
عندما أمسكت أديل بذراعها، رفعت كلارا حاجبيها ونظرت إليها.
ثمّ قالت بصوت متهدّج: “كلارا…….”
لماذا تنطق أديل اسمها فجأة؟
وبينما كانت كلارا تفكّر في ذلك.
بدأت القوّة تتلاشى من عينَيها تدريجيًّا ثمّ……
-بووف.
انهارت فوق جسد أديل تمامًا.
“ماركيزة!”
فزعت أديل واحتضنتها بسرعة.
تمتمت كلارا وهي تستند بجسدها المرتخي: “ناديني كلارا فقط…….”
آه…….
كانت تريد قول ذلك فحسب.
“هذا ليس المهمّ الآن.”
قالت أديل بوجه عابس من القلق، وأعادت إحكام قبضتها على كلارا لتحملها.
هذه المرّة، لم يأتِ أيّ ردّ.
فقط صوت أنفاس مجهدة تنفث هواءً ساخنًا.
أخذت أديل كلارا إلى غرفتها وأرقدتها و أمرت الخادمات بالحركةو طلب طبيب، ثمّ مسحت جبهتها وعنقها بمنشفةٍ باردة.
و بعد فترةٍ انخفضت الحرارة قليلًا، فتحت كلارا عينيها ببطء واحتضنت الدمية أوري كعادتها.
“……أعتقد أنّني بخير الآن.”
“لستِ كذلك.”
أجابت أديل بحزم، وغيّرت المنشفة التي سخنت بسرعة.
“حقًّا. ليس لديّ وقت لهذا. إذا كان هناك نقص في مأدبتي…… فلن يمرّ الأمر بسلام.”
كانت كلارا تعبث بأذن البطّة -أقصد أذن دمية الأرنب- بقلق.
*للتذكير معنى اسم أوري بالكوري هو بطة باختصار تلاعب بالكلام
وعند رؤية ذلك، شعرت أديل بالأسف لجرأتها على المقارنة، لكنّها تذكّرت نفسها حين كانت صغيرة.
حين كانت تركض إلى مكتبها مهما كانت مريضة، رغبةً منها في نيل رضا والدتها ولو قليلًا.
كانت تخشى أن ترتاح ليوم واحد فيُقال عنها ‘إنّها طفلة كسولة’ وتُحرم من الحبّ.
“……ماركيزة.”
“نعم؟”
“تجاهلي أولئك الذين يحاولون الحكم عليكِ بهذه الطريقة.”
عند سماع ذلك، عضّت كلارا على شفتها.
وفكّرت في أنّ أديل شخصيّة عجيبة حقًّا.
ففي العادة لا تفهم شيئًا، لكنّها أحيانًا تقرأ أفكار كلارا بدقّة مخيفة.
لقد أصاب حدسها.
كانت كلارا تخشى نظرات الناس الذين يقيّمونها.
“……أنا.”
أمسكت كلارا باللحاف بقوّة.
“لا أريد أن أعطي أحدًا ذريعة ضدّي.”
إذا تظاهرت بالألم بسبب مجرّد زكام، فسيظهر بالتأكيد مَن يتحدّث خلف ظهرها.
“أكره أن يُقال إنّني مجرّد طفلة تمرض بسهولة، أكره ذلك أكثر من الموت.”
كان من الأفضل لها أن يُقال إنّها تفتقر للموهبة.
لأنّ ذلك شيء يمكن سدّ نقصه بالجهد فورًا.
لكن العمر هو شيء لا تملك كلارا تغييره مهما فعلت.
وحين تتمّ الإشارة إلى ذلك، تشعر كلارا وكأنّها مكبّلة اليدين والقدمين وتُطعن بأشواك حادّة.
“……هذا.”
صمتت أديل قليلًا.
بدت وكأنّها تختار إجابتها بعناية.
أصغت كلارا باهتمام منتظرة ردّها.
“لا حيلة في ذلك.”
“……”
خمدت التوقّعات التي كانت قد انتفخت في صدرها.
حسنًا، ما الذي توقّعتُه من وصيّة تعاقدية أصلاً.
“لكن بالنسبة لأولئك الناس، مرض الماركيزة بحدّ ذاته ليس هو المهمّ.”
واصلت أديل إجابتها بهدوء، غير مكترثة بردّ فعل كلارا المحبط بوضوح.
“ربّما حتّى لو اختلفت طريقة إمساككِ بالقلم قليلًا، سيقولون إنّكِ طفلة تفتقر للخبرة.”
“حقًّا…..؟”
“نعم، بالتأكيد.”
لفّت أديل ذراعيها حول كتفَي كلارا وأعادتها برفق لتستلقي على السرير.
“حتّى لو أظهرتِ براعةً وحصلتِ على عقود، سيقول أولئك الأشرار ‘لقد راعوا ظروفها لأنّها طفلة’.”
“هذا لؤم.”
ربّما آلمها الأمر قليلًا، فزمّت كلارا شفتيها واحتضنت أوري بقوّة نحو صدرها.
حقًّا، كلّ البالغين أشرار.
“وهل يكتفون بذلك؟ بل هم مبتذلون، ضيّقو الأفق، وجبناء!”
لكنّ كلمات أديل الصريحة التي تلت ذلك جعلت كلارا تشعر بتحسّن فورًا.
“هل تهتمّين يا ماركيزة بنيل رضا أمثال هؤلاء؟”
هزّت كلارا رأسها.
أن تصبح شخصًا ينال رضا بالالغين المبتذلين وضِيقي الأفق والجبناء.
هذا أمر مهين للغاية.
ابتسمت أديل بخفّة لردّ كلارا.
كانت جميلة.
“لذا، ارتاحي تمامًا من الآن. ولو من أجل أولئك الذين يقلقون عليكِ بصدق.”
قالت أديل ذلك وهي تغطّيها باللحاف بعناية.
وكأنّها…… هي نفسها من ضمن ‘أولئك الذين يقلقون على كلارا’.
“……آنسة أديل.”
أرادت كلارا أن تسألها إن كانت هي من ضمنهم.
لكنّها عضّت على شفتها فجأة معتبرةً ذلك فكرة غير منطقيّة.
بالطبع، لا بدّ أنّ أديل تقلق على كلارا إلى حدٍّ ما.
فكلارا بالنسبة لأديل…….
مصدر دخلها الثمين.
هذا كلّ ما في الأمر.
والدليل أنّ أديل لا تزال تناديها بالماركيزة.
رغم أنّهما اتّفقتا على أن تناديها كلارا أمام الآخرين.
ربّما رأت أنّ العلاقة ليست حميمة لدرجة مناداتها باسمها المجرّد.
‘أنا أيضًا لا أعتبر نفسي والآنسة أديل مقرّبتين بشكل خاصّ.’
نحن ننادي بعضنا بأخوات فقط لأنّ هناك عقدًا.
ولأنّ علاقتنا يجب أن تبدو مقنعة أمام الآخرين.
‘……’
ومع ذلك، كانت ممتنّة قليلًا لوجودها بجانبها في يوم كهذا.
رغم أنّ أديل ليست مضطرّة للقيام بكلّ هذا.
“……هل كان تمريضي مزعجًا لكِ؟”
سمعتُ أنّ الكبار يتذمّرون من الأطفال الذين يحتاجون الكثير من الرعاية.
نشأت كلارا كـ ‘فتاة عبقريّة’ وكانت تفخر بداخلها بأنّها طفلة لا تحتاج للكثير من العناء.
وفي الحقيقة، كانت المربّية تمدحها على ذلك مرارًا في الماضي.
“نعم؟ هذا مستحيل!”
“لكنني أحتاج رعاية كبيرة حين أمرض.”
عندما قالت ذلك، احتضنت أوري بقوّة.
وكأنّها تستعدّ للألم القادم.
“يسعدني أن تصل يدي للماركيزة ولو في مثل هذه الأوقات.”
“نعم؟”
“على كلّ حال، لا أتمنّى شفاءكِ لأنّ مرضكِ يزعجني. بل لأنّني قلقة فحسب.”
“أنتِ؟ عليّ أنا؟”
جاء الردّ على سؤالها الحذر بسرعة وبساطة تثير الدهشة.
وكأنّه أمر بديهيّ تمامًا.
“نعم، أنا قلقة على كلارا.”
قالت أديل ذلك وهي تمسح برفق على جبهة كلارا المبلّلة بالعرق وشعرها.
“لذا، لا تمرضي، يا ماركيزة.”
“……أجل.”
حين أجابت بذلك، شعرت بدغدغة غريبة في قلبها.
ظلّت كلارا هادئة تحت اللحاف وهي تضمّ يدَيها بقوّة.
طانت تخشى…… متى ستبتعد تلك اليد التي تمسح على شعرها.
* * *
وفي الوقت نفسه، كان دوق وينشستر يمرّ بيوم أربعاء يكاد يصيبه بالمرض هو الآخَر.
لحسن الحظّ، فإنّ مخالب الزكام التي بدأت تغزو العاصمة لم تصل بعد إلى قصر الدوق.
لكنّه كان يعاني من مرضٍ يُسمّى ‘الأمر الملكيّ السخيف’.
وبالنظر إلى أنّه سيتمّ نشر خبر العلاقة العاطفيّة يوم السبت، كان عليه اتّخاذ قرار ما بحلول يوم الجمعة على أقصى تقدير.
لم يتبقَّ سوى يومين.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
الفصول اول بأول بقناة التلغرام موجودة بالتعليق المثبت
التعليقات لهذا الفصل " 40"