الفصل 39
“لقد انفصلتُ عن حبيبتي الرابعة وكنتُ أواعد الخامسة حين كنتُ في مثل سنّك.”
“……لقد سمعتُ عن شهرتكَ الواسعة في هذا المجال.”
“وقد كان ذلك سببًا في أن تصبح أولئك السيّدات جميعًا من قائدات المجتمع الراقي، حتّى إنّني ما زلتُ أتلقّى كلمات الشكر منهنّ بين الحين والآخر.”
“يا صاحب الجلالة، أنا…”
أحنى ماتياس رأسه قليلًا.
“لم أعتبر أحدًا يومًا شخصًا مميزًا. أقصد…… لم يحدث ذلك أبدًا منذ ولدت.”
يقولون إنّ البعض يمرّ بتجربة الحبّ الأوّل في السابعة من عمره.
إلا أنّ ماتياس لم يختبر قطّ ذلك الشعور المجهول الذي يُقال إنّه يأتي كحادثٍ قدريّ.
“أرجو أن تُقدّر أهمية ‘المرّة الأولى’، وتتراجع عن أمركَ هذا.”
في الحقيقة، لم يكن يتوقّع حبًّا أوّل أو ما شابه.
فقد أدرك من خلال خبرة سنوات طويلة أنّ مثل هذه العواطف لا وجود لها في قلبه.
لكنّه لم يجد عذرًا آخَر يسوقه في هذه اللحظة.
لحسن الحظّ، بدا أنّ الملك يفكّر في طلبه بجدّية…….
“لا أريد.”
لم يفعل.
بالطبع، للملك أسبابه، ولن يتراجع بسهولة.
والسبب هو ‘اختيار زوجات الأمراء’.
فبعض الآنسات الراقيات اللواتي وضعهنّ الملك في حسبانه، كنّ يملن بقلوبهنّ نحو ماتياس.
لذا، يخطّط الملك لتحطيم تلك المشاعر التي لا أمل منها.
كان هذا الأمر يهدف لزيادة عدد المرشّحات لمنصب زوجة الأمير.
فكلّما زادت الخيارات، كان ذلك أفضل.
“لكن يا صاحب الجلالة، حتّى لو واعدتُ شخصًا ما، لا أضمن أن تتحقّق النتيجة التي ترغب بها.”
فالأمر يتعلّق بقلوب البشر.
وليس بالضرورة أن تسير الأمور وفق المخطّط دائمًا.
“يعتمد ذلك على مدى إظهاركَ للآخرين بأنّكَ غارقٌ في حبّ الطرف الآخَر.”
هذا يعني أنّه لا يشترط أن يكون الأمر حقيقيّ.
إذًا، المواعدة التي يتحدّث عنها الملك لم تكن علاقةً حقيقية أو صادقة.
بل هي علاقة مُصطنعة لتحقيق غايات الملك.
فإذا كانت الطرف الآخَر امرأةً بارعةً في الحسابات، فستتّخذ من ذلك منصّةً للوصول إلى مركز الصدارة في المجتمع.
تمامًا كما فعلت حبيباتُ الملك قديمًا.
لكن، إذا أخطأ في اختيار الشريكة، فسيتحوّل ماتياس إلى نذلٍ يتلاعب بمشاعر النساء.
“من ذا الذي سيتحمّل مشاعر زائفة كهذه؟”
“أها.”
فرقع الملك أصابعه مُصدرًا صوتًا حادًّا.
“هذا يعني أنّكَ لم تدرك بعدُ كيف تجد المرأة المناسبة. أليس كذلك؟”
“كلا.”
قالها بوضوح: كلا.
“أنا خبيرٌ في هذا الشأن. هناك شرطان.”
“لستُ مهتمًّا بمعرفتهما.”
رغم قوله ذلك، إلا أنّ المحاضرة التي لا يطلبها أحد قد بدأت.
“الأوّل، أن تكون شخصيّةً تمضي قُدُمًا نحو هدفها دون تردّد.”
تبادر إلى ذهنه شخصٌ ما على الفور.
……لكنّه مسحه من مخيلته سريعًا.
“والشرط الثاني.”
تابعت المحاضرة مسيرها.
“امرأةٌ لن تحبّكَ أبدًا.”
“نعم؟”
“لماذا تُعقّد الأمور؟ الأمر بسيط. لو فكّرتَ مليًّا، ستجد أنّكَ قابلتَ واحدةً أو اثنتين من هذا النوع.”
قال الملك بابتسامةٍ تفيض بالمرح: “شخصٌ لا يستطيع إخفاء مشاعر الكره تجاهكَ!”
“مثل هذا الشخص……!”
إنّه موجود…..
ابتسم الملك باهتمام وهو يراقب ردّ فعله.
“لقد تمّ تحديد الطرف الآخَر إذًا.”
“كلا. مستحيل! هي……”
لم يستمع الملك لكلمات إنكاره حتّى النهاية.
“هذا النوع من الشركاء هو الأفضل. لأنّ قلبكَ لن يُسجن أيضًا.”
حسنًا، فمن الطبيعيّ ألا يرغب المرء في التمسّك بشخصٍ يكرهه أو يحاول حبّه قسرًا.
“يمكن لكلا الطرفين إنهاء الأمر بوضوح بعد تحقيق المكاسب فقط.”
لقد كان محقًّا.
علاوةً على ذلك، فإنّ أديل ميريوذر لن تكون مهتمّةً بمنصب الدوقة الثقيل والمملّ.
فإذا عقد معها اتفاقًا، فلن تكون هناك تبعات.
‘لماذا أفكّر في الأمر بإيجابية؟’
في الأصل، لم يكن قد وافق على هذا الأمر التعجيزيّ بعد.
“يوم السبت القادم سيكون موعدًا مناسبًا.”
“نعم؟”
“هو اليوم الذي سنرى فيه في الصحف أوّل خبرٍ عاطفيّ عن دوق وينشستر. ما رأيك؟”
كان السؤال الأخير موجّهًا للخادم الواقف خلفه مباشرةً.
“إنّه توقيتٌ مثاليّ.”
أجاب الخادم بطواعية.
“أليس هذا هو الوقت الذي ستنتهي فيه مأدبة الماركيزة الجديدة؟ يسعدني أن نقدّم للجميع محفّزًا جديدًا.”
“إنّكَ ملكٌ حكيم.”
واصل الخادم التملّق دون أن يلتقط أنفاسه.
بين حديثهما، حاول ماتياس القيام بتمردٍ صغير قائلًا: “اليوم هو الثلاثاء جلالتك…”
طبعًا، لم يلقَ كلامه آذانًا صاغية.
فجأةً ساورته رغبةٌ في البكاء.
“لا تقلق حتّى لو لم تختر الشريكة بحلول السبت.”
ابتسم الملك ابتسامةً تفيض بالرحمة غير الضرورية.
“سأجد لكَ أيّ امرأةٍ تستوفي الشروط.”
“……”
“لذا، في السبت القادم، سيقرأ الجميع عن هويّة حبيبة دوق وينشستر. ألا تتوق لذلك؟”
كان السؤال الأخير موجّهًا للخادم مرّةً أخرى.
“آه، قلبي يخفق بشدّة.”
“في الحقيقة، أنا أيضًا.”
ضحك الملك بصوتٍ عالٍ مع الخادم وهما يمسكان بقلبيهما.
هل حقًّا أصدر هذا الأمر بسبب خطوبة الأمراء؟
ربّما أراد فقط مضايقة ماتياس…….
* * * *
يوم الأربعاء.
كانت أديل عائدةً إلى قصر ميريوذر بعد إنهاء عملها الجزئيّ.
في العادة، كانت تمشي نحو القصر، لكن اليوم أوصلها إيرل بالعربة.
يبدو أنّ لديه مهمّةً سريّةً أخرى.
بينما كانا يجلسان جنبًا إلى جنب في مقعد السائق كانت أديل تسترقه النظر إلى جانب وجهه.
رغم أنّ غطاء الرأس كان يغطّي ملامحه، فلم يظهر منها سوى خطّ فكّه الحادّ والحلية الفضّية الطويلة المتدلّية.
‘يا تُرى بماذا فكّر إيرل حين قرأ تقرير بورتيا؟’
ظلّت أديل تفكّر لعدّة أيام فيما إذا كان من المناسب سؤالُه عن ذلك.
لكنّها اختارت الصمت في النهاية.
“لن أساعدكِ.”
فجأةً، نطق إيرل بكلامٍ غير متوقّع.
“هاه؟”
“قلتُ إنّني لن أساعدكِ.”
“لكنني لم أطلب منكَ المساعدة.”
“يجب عليكِ معرفة ذلك فقط.”
في تلك اللحظة، توقّفت العربة التي كانت تسير أمامهما قليلًا، وترجّلت منها سيّدةٌ متقدّمةٌ في السنّ.
بسبب ذلك، أوقف إيرل العربة تمامًا والتفت نحو أديل.
بنظرةٍ حادّةٍ نوعًا ما.
“أنتِ دائمًا ما تصنعين وجهًا يشبه سمكة الشبوط حين تقعين في مأزق.”
أيّ وجهٍ هذا؟
بينما كانت أديل تلمس وجهها محاولةً تخيّله، انطلقت العربة التي أمامهما مرّةً أخرى.
رفعت السيّدة العجوز التي نزلت من العربة يدها شكرًا لإيرل وأديل.
أومأ الاثنان برأسيهما سريعًا وتابعا طريقهما.
استعادت العربة سرعتها بسرعة.
“لا تقلق يا إيرل.”
حوّلت أديل نظرها إلى الأمام.
من بعيد، ظهرت الأسقف المدبّبة لقلعة الملك.
وتحتها، امتدّت المنازل الفاخرة للنبلاء.
كلّ الأحداث التي وقعت حتّى الآن كانت مرتبطةً بالعائلة المالكة أو النبلاء.
رغم أنّ هذا العالم يبدو قريبًا أمام عينيها، إلا أنّه في الحقيقة عالمٌ آخَر لا يمكن لشخصٍ مثل أديل الانتماء إليه حقًّا طوال حياتها.
علاوةً على ذلك، ذلك العالم…….
كان شديد الخطورة على شخصٍ لا يملك مَن يحميه.
ولهذا السبب لم تستطع إخبار إيرل بشكوكها حول التقرير.
خوفًا من أن يتعرّض لمكروهٍ إذا ما حاول البحث في ذلك الأمر بلا داعٍ.
“لن…… أطلب منكَ شيئًا.”
“……ماذا؟”
“قلتُ إنّني لن أطلب منكَ شيئًا.”
حين تقول ذلك بوضوح، لا بدّ وأنّ إيرل سيفرح باعتبار أنّها لن تزعجه بعد الآن.
لكن، لسببٍ ما، ارتفعت زاوية شفتيه بسخرية.
كان ذلك نفس التعبير غير الراضي الذي يظهر حين توشك على طلب شيء منه.
“لا تقولي إنكِ ستذهبين راكضة إلى ذلك المتباهي الذي يشبه قطعة زينة.”
“……؟”
لماذا يتحدّث عن دوق وينشستر فجأة؟
“الأمر ليس كذلك.”
بينما كانت أديل تتمتم بضيق، وصلا إلى مدخل منطقة المنازل الفاخرة حيث قرّر إيرل إنزالها.
بمجرد توقّف العربة، قفزت أديل والتفتت نحو إيرل.
“شكرًا لأنّكَ أوصلتني.”
“……كان يمكنكِ أن تسألي.”
قالها بوجه يوحي بأنه غير مرتاح.
“نعم؟”
“لا أدري ما الخطب، لكن لا تنبشي في الأمور بلا داعٍ فتُكشف هويتكِ.”
“هل…… هل أنتَ قلقٌ عليّ؟”
سألت أديل وهي مستعدّةٌ تمامًا للتأثّر.
بصرف النظر عن أيّ شيء، كان إيرل شخصًا عزيزًا عليها.
منذ أن كانت في الرابعة عشرة، عمل الاثنان تحت إشراف المدير، وكانا مثل أخٍ وأخت…….
“هل جُننتِ؟”
“……”
جاء الردّ باردًا.
وتحطّم التأثّر الذي كانت تجهّزه له تمامًا.
“لا تفعلي أشياء خطرة، وإذا كنتِ بحاجةٍ لمعلومات، فاشتريها بشكلٍ رسميّ. فعلى أيّ حال، أنتِ تجمعين راتبكِ الأسبوعيّ ولا تنفقينه أبدًا.”
يا إلهي.
لقد كان يطمع في مدّخرات أديل العزيزة التي جمعتها حبّةً حبّة مثل السنجاب……!
“أيّها البخيل!”
صرخت أديل في اتجاه العربة.
لكنّ إيرل بدأ يضحك بخفّة وكأنّه في غاية الاستمتاع.
‘هل هو متأكّدٌ من أنّه يعرف معنى كلمة بخيل؟’
بعد أن ضحك طويلًا، أجاب: “شكرًا على المديح”، ثمّ انطلق بالعربة.
……لم يكن ذلك مديحًا.
على كلّ حال، أدار العربة وعاد من حيث أتى.
يبدو أنّه غيّر مساره فقط لينزل أديل.
كان ذلك يستحقّ الشكر قليلًا.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 39"