نقلت عاطفة الحاكم المطلق ماتياس في لمح البصر إلى مركز المجتمع النبيل.
ولم يترك فرصةً لانتشار الشائعات التي تصفه بالشخص الدنيء الذي أزاح أخاه الأكبر و الوريث الشرعيّ ليستولي على لقب الدوق.
حتّى أوجه قصوره تحوّلت سريعًا إلى ثناء.
فعلى سبيل المثال، تحوّلت جملة ‘يفتقر للخبرة لصغر سنّه’ إلى ‘نسمة منعشة تثير توتّر النبلاء القدماء’.
وتمّ وصف نقص علاقاته بـ ‘شخصيّة قادرة على الانسجام مع الجميع دون تحيّز’.
ومع تزايد شعبيّة ماتياس، تشكّلت قاعدة عريضة من الشباب الذين يظهرون دعمهم للملك اقتداءً به.
ربّما كان الملك يطمع في تحقيق هذا الهدف عندما منح ماتياس كلّ تلك الحظوة.
على أيّ حال، كان الأمر جيدًا لكليهما.
علاوةً على ذلك، كان ماتياس يدعم الملك بصدق، لذا رغب في الحفاظ على هذه العلاقة القويّة من الثقة.
ولكن……
“لقد حدث هذا بسبب تقصيري وعدم خبرتي. أنا أعتذر.”
لقد ارتكب خطأً هذه المرّة.
كان الأمر مجرّد تحقيق في قضيّة تسرّب مجوهرات ملكيّة، لكنّ النتيجة كانت موت الشخص الذي يُفترض أن يكون طرف خيط.
فوق ذلك، لم يحصل على معلومات كافية حول مَن يقف وراء الأمر.
“هذا أمر لا يشبهك حقًّا.”
الملك في السادسة والستّين من عمره هذا العام.
قد يبدو سنًّا مناسبًا للاسترخاء قليلًا، لكنّ الملك واصل ممارسة الضغط على نفسه بشكل مَرَضيّ مدّعيًا أنّ مَن لا يملك السيطرة على جسده لا يمكنه أن يحكم مملكة.
كان يدرّب جسده يوميًّا، ويتناول الكميّة الضروريّة فقط من الطعام.
وسمعتُ أنّه حتّى الآن يستدعي العلماء لتعلّم ودراسة علوم جديدة كي لا يضعف ذكاؤه.
وكان يطالب ورثته بالشيء نفسه بصفتهم الأشخاص الذين سيشغلون مكانه في المستقبل.
“على كلّ حال، أن يقتل شخص غريب دون أيّ منفعة ثمّ ينتحر أيضًا…… إنّه أمر كلاسيكيّ حقًّا، أليس كذلك؟”
كان يتحدّث عن حارس السجن.
فهم ماتياس فورًا المعنى العميق وراء وصف الملك للأمر بـ ‘الكلاسيكيّ’.
كان يشير إلى قصص عصر التأسيس التي لا تختلف عن الأساطير.
هل قيل إنّ هناك مَن يملك قوّة تُسمّى الإدراك؟
بإمكانه التلاعب بأفكار الآخرين، لذا كان يقتل مَن يعترضه دون أن يحرّك ساكنًا.
“إذا كان ما حدث هو حقًّا من فعل صاحب قدرة الإدراك…”
التفت الملك نحو ماتياس.
“فهذا أمر يجب أن يسعدك.”
“نعم؟”
رفع ماتياس الذي كان يحني رأسه حتّى الآن، بصره قليلًا.
كان الملك الواقف أمامه لم يرتّب شعره الأبيض المشعث الذي تدلّى تحت كتفيه.
ليس ذلك فحسب، بل لم يصلح ملابسه التي تبعثرت أثناء النوم.
ومع ذلك، ظلّ وقار مَن عاش نصف قرن كحاكم ثابتًا في مكانه.
اقترب الملك خطوةً بخطوة من ماتياس المندهش.
“إذا وُلد صحاب قوة الإدراك، ألا يُفترض أن يولد في مكان ما من هذا العالم الشخص الذي تتوق إليه أيضًا؟”
الشخص الذي يتوق إليه ماتياس.
خطرت بباله الإجابة فورًا، لكنّه لم ينطق بها.
لأنّه شخص غير موجود.
تحدّث الملك بدلًا عنه بينما ظلّ هو مطبقًا شفتَيْه بقوّة.
“أعني صاحب قدرة الحقيقة.”
“هذا مجرّد أسطورة.”
ربّما هو مجرّد رمز أسطوريّ لإبراز الملكة الأوّلى.
هذا كلّ ما في الأمر.
إذًا لا وجود لقدرة الحقيقة.
كلّ مَن يدّعي امتلاك تلك القوّة ليس إلا محتالًا.
وبناءً عليه، فإنّ قدرة الإدراك لا وجود لها أيضًا.
لكن وُجد بالفعل أشخاص يتسلّلون إلى قلوب الآخرين ويغيّرون إدراكهم.
أعني أولئك الذين يُسمَّون بالمحتالين.
“ستعرف قريبًا. على أيّ حال، ستجده في وقت قريب.”
“أجل.”
“جيّد.”
أومأ الملك برأسه.
بدا أنّ التقرير قد انتهى عند هذا الحدّ، فهمّ ماتياس بالانصراف.
ولكن–
“كيف تجري الأمور في ذلك الموضوع؟”
سُمع سؤالٌ غير محبّب.
“……”
عندما صمت، هزّ الملك كتفيه.
“هذا نادر، ألا تستمع لأمري فورًا.”
“ليس الأمر أنّني…… لا أستمع.”
أجاب ماتياس دون أن يتمكّن من إخفاء شعوره بالضيق.
لم يكن لديه خيار.
“لم يكن أمرًا صعبًا إلى هذا الحدّ. أليس كذلك؟”
سأل الملك الخادم الواقف بجانبه.
وافق الخادم بسرعة قائلًا: “بالتأكيد.”
“ولكن يا صاحب الجلالة.”
اعترض ماتياس على الأمر النادر الذي صدر إليه.
“هل يجب عليّ حقًّا القيام بذلك؟ ألا يوجد مجال لإعادة النظر؟”
“إعادة نظر…… هكذا إذًا.”
هل وصلت يأسه للملك؟
بدا الملك وكأنّه يفكّر وهو يمسح على ذقنه.
تمنّى ماتياس أن يبدي الملك بعض الرحمة.
“كلا، لا يوجد.”
لكن جاء الردّ قاطعًا.
“هذا ليس بالأمر الصعب على شابٍّ في الثامنة عشرة، أليس كذلك؟”
“……”
“عليك أن تحظى بحبيبةٍ لطيفةٍ واحدة فقط.”
هذا صعبٌ…
“هل طلبُ قضاء وقتٍ رومانسيّ و الوقوع في الحبّ يُعدّ طلبًا مبالغًا فيه؟ لقد تراجعتُ خطوةً عن أمرك بالزواج مراعاةً لك بشكل خاصّ.”
هذا مستحيل!
ألستَ الآن مثل كبار العائلة و الأقارب الذي لا أراهم إلا في الأعياد و يسألون متى سأتزوج!؟
ابتلع ماتياس كلمات التمرّد التي كادت أن تنفجر داخل شفتيه.
التعليقات لهذا الفصل " 38"