الفصل 37
“……”
لم يكن يظهر في مجال رؤية أديل سوى قفا دوق وينشستر وهو ينظر باتّجاه مقعد السائق.
لكنّ تعابير وجهه كانت سهلة التخمين.
لا بدّ وأنّه استشاط غضبًا.
حسنًا، لو كنتُ مكان أديل لشعرتُ بالشيء نفسه.
أن يتجوّل خادم العائلة ويتحدّث في أمور شتّى دون إذن سيّده.
وفوق ذلك، يتحدّث مع شخصٍ يُعتبر طفلًا غير شرعي لعائلة أخرى.
“إنّ من واجب الخادم أن يستعدّ مسبقًا من أجل سيّده.”
ولكن، هل كان دانيال لا يرى غضب الدوق بوضوح؟
أم أنّه رآه وتجاهله فحسب؟
واصل حديثه بصوت لا يشوبه إلا المرح: “إذا كنتَ ترغب في مكافأتي، فبدلًا من المال، أفضّل رسالةً مفعمة بمشاعر الامتنان و التقدير—”
-طاخ!
قبل أن يُنهي جملته، أغلق دوق وينشستر النافذة بقوّة.
ثمّ أسند جبهته إلى إطار النافذة وتنهّد بعمق.
اعتقدت أديل أنّ دوق وينشستر سيرسل رسالةً إلى دانيال بالفعل.
إمّا إشعارًا بالتوصية بالاستقالة وفقًا للنماذج التي حدّدتها المملكة.
أو إخطارًا بإنهاء عقد العمل.
“……يا له من أبله.”
رفع الدوق رأسه بعد فترة.
كان وجهه يبدو وكأنّه استيقظ للتوّ من كابوس طويل.
“لقد تحدّث بكلامٍ لا داعي له. أرجوكِ…… انسي الأمر.”
“لكن يا دوق، من الواضح أنّك تلقّيت أمرًا ملكيًّا ما.”
“هل حقًّا قال دانيال الخلاصة فقط؟”
أمسك دوق وينشستر رأسه بكلتا يديه الآن.
بدا وكأنّ صداعًا قد داهمه.
“نعم، سمعتُ الخلاصة فقط. وهي أنّك تحتاج لمساعدتي في تنفيذ أمرٍ من شخصيّةٍ نبيلة.”
سقط رأسه أكثر لأسفل.
ربّما كان وصول العربة -التي دارت جولةً في الجوار- إلى محيط عائلة ميريوذر بمثابة فرحة كبيرة له.
هرع بنفسه خارج العربة وسارع بفتح الباب لها.
رغم ذلك، كانت كلّ حركة من حركاته تتّسم بالأناقة والجمال.
لكنّ الأمر بدا في عيني أديل وكأنّه صرخة استغاثة تقول: ‘أرجوكِ اختفي من أمامي بسرعة!’
لم تستطع أديل قول المزيد وترجّلت من العربة.
* * *
في صباح اليوم التالي مباشرةً، كانت أديل تقرأ الصحيفة.
ورغم تفكيرها في أنّ ذلك مستبعد، إلا أنّها كانت تتساءل عمّا إذا كان قد نُشر شيءٌ بخصوص أحداث فريق التحقيق……
لكن لم يكن هناك شيء.
كانت تأمل أن تجد ولو خبرًا صغيرًا عن شخصٍ مات جراء سقوطه من على الدرج.
لكنّ الصحيفة لم تكن تهتمّ إلا بالعناوين العريضة حول تفكير الأمراء في الخطوبة.
طوت أديل الصحيفة ووضعتها فوق ركبتَيْها بشعورٍ من المرارة.
-طق طق.
سُمع صوت طرقٍ على الباب.
بشكل نادر، كان الطارق هو أولسون.
لم يبدُ وكأنّه جاء برغبته، فتعابير وجهه كانت تشي بضيقٍ شديد.
“لقد اقترحت الماركيزة تناول وجبة الإفطار في غرفة البرعم.”
تناول الإفطار في هذه الغرفة مع كلارا؟
فوجئت أديل، فهذا أمرٌ لم يحدث من قبل.
“بالطبع، لن ترفضي الطلب، أليس كذلك؟”
حثّها أولسون على الإجابة بوجهٍ يملؤه الحسد.
حسنًا، الموقف يتعلّق بـ ‘أيقونة القصر’ التي جاءت بنفسها لتدعوها لتناول الطعام.
ربّما يقوم المؤيّدون لكلارا الآن بصنع دمىً لأديل وطعنها بالإبر من شدّة الغيرة.
“بالتأكيد لن أرفض.”
“ستأتي السيّدة بعد قليل.”
بمجرد انصرافه، بدأت أديل ترتّب الغرفة مع هيلين وتجهّز مكان الطعام.
قالت هيلين، وهي تغيّر ماء زهرية الورد، بصوتٍ متحمّس: “يا ترى ما الذي جاء بالماركيزة لزيارتكِ منذ الصباح؟”
“لـ-لا أدري؟”
أجابت أديل بتظاهرٍ بعدم المعرفة، لكن في الحقيقة كان هناك شيءٌ يشغل بالها.
ربّما كُشف أمر دخولها وخروجها من عربة الدوق بالأمس.
شعرت وكأنّها قد ضُبطت وهي تفعل شيئًا سيّئًا.
‘كيف تعقّدت الأمور هكذا؟’
كانت أديل تخشى أكثر من أيّ شيءٍ آخَر أن تشعر كلارا بالحزن.
فقد شعرت كلارا بخيبة أملٍ كبيرة في المرّة السابقة لأنّ أديل تحرّكت دون استشارتها بشكلٍ صحيح.
“بناءً على حدسي الذي هو فخر جدّتي يا آنسة.”
لينا: ركزوا على كلام هيلين عن الحدس هو تقريبًا نفس كلام دانيال🤣
هل لاحظت هيلين قلق أديل؟
لم تنسَ هيلين اليوم أيضًا أن تفتخر بحدسها.
“أشعرُ أنّه سيكون شيئًا جيدًا!”
أحيانًا كان حدسها يصيب.
لكنّ أديل كانت تتساءل عمّا إذا كان الاحتمال كبيرًا لدرجة اعتباره ‘فخرًا’.
فقد قالت في المرّة السابقة: “سيكون للآنسة أديل حبيبٌ رائعٌ جدًّا!”
على أيّ حال، ماذا سأقول لكلارا إذا سألتني عن أحداث الأمس؟
لم تخطر ببالها أيّ فكرةٍ مقنعة مهما حاولت.
-طق طق.
في النهاية، اضطرّت لاستقبال كلارا دون أيّ استعداد.
سارعت أديل لفتح الباب.
كانت كلارا تقف هناك بتعابير وجهها الهادئة المعتادة.
لفّت شعرها الفضّيّ على الجانبين وثبّتته بشرائط، وكان ذلك المظهر المستدير يمنحها هالةً من الوقار.
خبّأت أديل يدها التي كادت ترتجف خلف ظهرها بسرعة، ثمّ انحنت بخصرها لتؤدّي التحيّة.
“صباح الخير، أيّتها الماركيزة.”
“صباح الخير.”
لم تشعر أديل بأيّ علامات انزعاج في الردّ السريع الذي تلقّته.
يبدو أنّ أمر الأمس لم يُكشف بعد……
“هل تتفضّلين بالدخول؟”
“أجل.”
ربّما لأنّها أصبحت ماركيزةً رسميّة؟
بدأت كلمات الفتاة الصغيرة تفيض بوقارٍ تامّ.
جلسوا متقابلين على الطاولة التي تمّ تجهيزها مسبقًا.
“قبل البدء بالطعام.”
التفتت كلارا نحو الخادمة التي تبعتها للدخول.
“أحضري ذلك الشيء.”
“حاضر، أيّتها الماركيزة.”
ذلك الشيء؟
بينما كانت أديل تنظر بفضول، هزّت كلارا كتفيها وأجابت:”ليس شيئًا عظيمًا، رغم أنّني قلقةٌ قليلًا بشأن قياس محيط الرقبة.”
محيط الرقبة؟
ما هو الشيء الذي قد يحتاج لقياس محيط الرقبة؟
بدأت أديل تستعرض القائمة في ذهنها بهدوء.
“على كلّ حال، آنسة أديل.”
“آه، نعم.”
“سمعتُ أنّكِ قابلتِ الدوق بالأمس؟”
جاء سؤالٌ مباغتٌ تمامًا.
فتحت أديل عينيها على وسعهما.
ولم تتحرّك شفتاها المتجمّدتان.
في تلك اللحظة خطر ببالها.
الشيء الذي يحتاج لقياس محيط الرقبة….
هل اشترت مقصلةً من طرازٍ جديد…..؟
سرت قشعريرةٌ باردة في رقبتها.
“لقد كُتب في الرسالة التي أرسلها الدوق هذا الصباح؛ أنّه صادفكِ في الطريق صدفةً وتبادلتما الحديث.”
“آه، آاه……!”
“……سأسأل هذا السؤال للاحتياط فقط.”
بينما كانت تبدأ بهذا الكلام، نظرت كلارا إلى أديل بتمعّن.
وكأنّها لن تفوّت أدنى تغييرٍ في تعابير وجهها.
“هل قال الدوق أيّ كلامٍ يزعجكِ؟”
كلامٌ يزعجني…… إن كنتُ سأكون صادقة.
لقد سمعتُ بالفعل.
كلامًا يهدف لاستبعادي.
「لذا، توقفي عند هذا الحدّ. لا داعي للاقتراب من الخطر أكثر من ذلك، أليس كذلك؟」
على كلّ حال، لم يكن بإمكانها نقل مثل هذا الحديث لكلارا.
“لا، لم يقل شيئًا من هذا القبيل.”
“حقًّا؟”
أصبحت عيناها الزرقاوين الصافيتين أكثر إلحاحًا.
أومأت أديل برأسها مرتين بسرعة.
“هذا جيّد. خشيتُ أن يكون قد طلب منكِ أن تكوني شريكته في المأدبة القادمة أو……”
صوت كلارا أصبح خافتًا تدريجيًّا، لدرجة أنّ أديل لم تستطع سماع شيءٍ بعد جملة هذا جيّد.
“نعم؟ ماذا قلتِ؟”
“لا، لا شيء. أقصد أنّني شعرتُ بالاطمئنان.”
لا أدري ما الذي جعلها تطمئنّ بالضبط، لكن على أيّ حال، من الجيّد أنّها لم تشترِ مقصلةً جديدة.
في تلك اللحظة دخلت الخادمة وهي تحمل صندوقًا كبيرًا.
راقبت أديل الصندوق بتمعّن.
كان مصنوعًا من ورقٍ أبيض فاخر ومتين، ومزيّنًا بشرائط زرقاء رائعة.
ماذا يمكن أن يكون؟
انتظرت أديل أن تشرح كلارا الأمر.
“……”
لكنّ الصمت طال.
“عذرًا…… ما هذا الصندوق؟”
في النهاية، بادرت أديل بالسؤال.
حينها خفضت كلارا رأسها فجأة، حتّى أنّها تنهّدت.
رؤيتها وهي تجد صعوبةً في التحدّث جعلت أديل تشعر بالقلق مرّةً أخرى.
خشيت أن يكون شيئًا مرعبًا يصعب النطق به.
“ستقام مأدبةٌ هنا قريبًا، أليس كذلك؟”
تحدّثت كلارا أخيرًا بعد فترةٍ من الوقت.
“صحيح. ولهذا السبب أنتِ مشغولةٌ يا ماركيزة.”
“هل تستعدّ الآنسة أديل أيضًا؟”
“أوه…… هل يجب عليّ أن أفعل شيئًا؟”
سألت أديل بحيرة.
ففي الحقيقة، كانت تنوي الوقوف خلف كلارا مثل تميمة حظٍ ثابتة.
“لا، أقصد الملابس وما شابه.”
“لديّ ملابس بالفعل.”
أجابت أديل بابتسامةٍ تملؤها الفخر: “الفستان المليء بالجمال الكلاسيكيّ الذي أعددتِهِ لي في المرّة السابقة.”
بمجرد التفكير في ارتدائه مرّةً أخرى، بدأ قلبها يخفق بسعادة.
لقد كان ثوبًا رائعًا بحقّ.
لكنّ كلارا قطّبت ما بين حاجبيها وكأنّ شيئًا لم يعجبها.
“حسنًا، الحقيقة هي أنّني لم أهتمّ بالأمر.”
“نعم؟”
“آنسة أديل، هل تتذكّرين الفستان الذي ارتديتُهُ في ليلة المهرجان؟”
“بالطبع!”
لا يمكن نسيان كلارا في تلك اللحظة.
لقد كانت تشبه الجنيّات تمامًا.
“لقد تلقّى المصمّم الكثير من الطلبات بعد ذلك.”
“هذا أمرٌ بديهيٌّ جدًّا.”
“لذا…… أرسل المصمّم هديّة شكرٍ، قائلًا إنّه أصبح بإمكانه توظيف المزيد من الناس بفضل ذلك.”
“أليس هذا أمرًا مبهجًا للغاية؟”
بصفتها سيّدة الأرض، ليس هناك ما هو أفضل من تلقّي الامتنان من أهل منطقتها.
“صحيح.”
رغم إيماءتها بالموافقة، كان وجه كلارا ينمّ عن قلقٍ ما.
وبينما كانت أديل تنظر إليها بقلق.
“لذا قال إنّه…قد صنع…… ما يناسب……”
سُمعت كلماتٌ غير واضحة.
“نعم؟”
رغم أسفها، إلا أنّ أديل لم تفهم شيئًا تقريبًا.
رفعت كلارا رأسها أخيرًا.
يبدو أنّها غضبت لأنّ أديل لم تفهم جيّدًا.
كان وجهها المحمرّ يفيض بالغضب.
“لقد قال إنّه صنع فستانًا لترتديه أخت الماركيزة في المأدبة القادمة……!”
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 37"