الفصل 35
قالت بورتيا ذلك دفعةً واحدةً، ثمّ ارتشفَت جرعةً من الويسكي.
وكأنّها تستحضر مشهدًا لا تودّ تذكّره.
كان لدى أديل المزيد لتسأل عنه، لكنّها لم تفعل كي لا تزيد من عذاب بورتيا.
بدلًا من ذلك، أخرجت التقرير الذي سلّمته إيّاها وبدأت تقرؤه.
كانت هناك بضع جمل لافتة للنظر بشكل خاصّ.
[قُتل على يد حارس السجن.]
[آثار طعنات متعدّدة تعود لما بعد الوفاة.]
[أسلوب القتل ينمّ عن حقد دفين.]
[تمّ التحقّق بدقّة من العلاقة بين الحارس الجاني وبرونسون، ولم يتمّ العثور على أيّ صلة خاصّة حتّى الآن.]
[بعد قتل برونسون، أقدم الحارس على الانتحار بنحر عنقه.]
انقبض وجه أديل.
لقد كان الأمر وحشيًّا.
وتفهّمت سبب محاولة فريق التحقيق إخفاء الأمر.
فالجاني قد خرج من صلب فريق التحقيق الذي يُفترض أن يطبق العدالة.
علاوةً على ذلك، بانتحار الجاني، ضاعت فرصة معرفة الدافع.
وضعت أديل الأوراق جانبًا، وأمالت رأسها بتفكير.
“هل حقًّا لم تكن هناك أيّ نقطة وصل بينهما؟”
“حسبما توصّلوا إليه حتّى الآن، لا. وكما رأيتِ، لم تكن هناك نزاعات داخل السجن أيضًا.”
أصلًا، لم يكن رالف يفعل شيئًا سوى الارتجاف خوفًا داخل زنزانته.
وبالطبع، كانت تلك إحدى النقاط الغريبة أيضًا.
‘في الأساس، يميل رالف بقوّة للتفكير في الاتّجاه الذي يخدم مصلحته.’
لقد وصل به الأمر إلى الايمان بانتصاره حتّى اللحظة الأخيرة، مدّعيًا أنّ أديل هي مَن أخفت رسالة الشخصيّة الرفيعة.
وبناءً على منطقِهِ ذاك، كان من المفترض أن يؤمن بأنّه حتّى لو قُبض عليه، فسيُطلق سراحه قريبًا بمساعدة تلك الشخص الرفيع.
لكنّه بمجرّد أن قُبض عليه، بدأ يرتجف خوفًا كمن يواجه الموت وجهًا لوجه.
وكأنّ ‘شخصًا ما’ قد زرع في عقله قسرًا رعبًا من فريق التحقيق.
رعبًا شديدًا لدرجة أنّه عجز حتّى عن الكلام بشكل سويّ.
من بين أصحاب القدرات عبر التاريخ، كان هناك مَن يتدخّل في أفكار الآخرين بهذا الشكل.
وكان اسمه……
“نيفارون الإدراك.”
فجأةً، نطق لسان بورتيا بالاسم الذي كانت تفكّر فيه أديل.
هل كانا يفكّران في الشيء نفسه؟ التفتت أديل نحو بورتيا بوجه مصدوم.
“لا تُصدمي هكذا، لقد قلتُ هذا مجرّد تخمين. ففي النهاية، شخص يملك قوّة الإدراك يمكنه فعل ذلك بسهولة، أليس كذلك؟”
لقد كان الأمر كذلك حقًّا.
أن تجعل شخصًا يكره شخصًا آخر لا يعرفه لدرجة الرغبة في قتله، لم يكن شيئًا صعبًا بالنسبة لقدرة الإدراك.
ولهذا السبب خطر التفكير نفسه لأديل.
قرصت بورتيا وجنة أديل المتجمّدة بخفّة وهي تضحك.
“لا تخافي يا صغيرتي. الجميع يقولون إنّ قدرة الإدراك لن تظهر مجدّدًا.”
منذ أن قضت الملكة الأوّلى، إغنيسرا الحقيقة، على صاحب تلك القدرة، لم يولد أحد يملك تلك القوّة المرعبة المسماة بالإدراك.
لذا، كان أصحاب القدرات يردّدون دائمًا.
أنّ تلك القوّة قد تجلّت في العالم فقط كترتيب من القدر لتنصيب إغنيسرا سليلة العائلة المتواضعة ملكة.
“علاوةً على ذلك، حتّى بدون الإدراك، هناك طرق لا تُعدّ ولا تُحصى لتحريك البشر.”
أمالت بورتيا الكأس نحو شفتيها للحظة ثمّ تابعت.
“ببساطة، يمكن استغلال نقاط الضعف، أو ربّما وُعدت عائلة الحارس بمكافأة ضخمة.”
على أيّ حال، بقيت حقيقة أنّ هناك شخصًا يقف خلف الستار ثابتة.
وهذا الشخص……
هو مَن يرغب في تدمير ميريوذر.
‘يجب أن أحمي كلارا.’
قبل أن تصل تلك الوحشيّة إلى الفتاة الصغيرة.
* * *
عندما ذهبت لتسليم التقرير في المكتب، لم يكن إيرل موجودًا.
يبدو أنّ لديه عملًا ما، فتركت أديل الأوراق على مكتبه وعادت مسرعةً إلى القصر.
‘أوه؟’
كانت عربة دوق وينشستر تقف أمام القصر.
‘هل الأمر يتعلّق برالف؟’
لا، ربّما جاء ببساطة للمساعدة في التحضير للمأدبة.
على أيّ حال، قرّرت الدخول بسرعة.
“آنسة أديل؟”
لكنّ صوتًا ناداها من مقعد السائق في العربة.
عندما التفتت، وجدت دانيال.
“واو، يا لها من صدفة! يبدو أنّ كلام جدّي لم يكن خاطئًا أبدًا!”
قفز من العربة وركض نحو أديل بخطوات واسعة.
“كنتُ أعلم أنّني سأصادفكِ بمجرّد مجيئي إلى هنا! حدسي مخيفٌ حقًّا!”
“آه، أجل.”
بدت أديل في عجلة من أمرها وحاولت المغادرة بسرعة.
“انتظري لحظة، آنسة أديل!”
لكن يبدو أنّ دانيال لا ينوي تركها تذهب.
حتّى أنّه اعترض طريقها بمهارة.
‘ماذا به؟’
وبينما كانت تعقد حاجبيها قليلًا، ضمّ يديه بتوسّل شديد.
“أرجوكِ، أنقذي سيّدي!”
……ماذا؟
* * *
بعد فترة وجيزة صعدت أديل إلى عربة الدوق الواقفة أمام قصر الماركيزة.
رغم شعورها بالتحفّظ تجاه صعود عربة شخص آخر دون إذن، إلّا أنّ دانيال أوضح أنّ هذا ضروريّ لضمان السريّة.
“هذا صحيح حقًّا! أقسم أنّكِ لن تخسري شيئًا!”
كانت هذه جملة تقليديّة للمحتالين.
ورغم أنّ نظراته المتوسّلة لم تتغيّر، إلّا أنّها لم تثق به تمامًا.
لذا حاولت تجاهله والمضيّ قدمًا.
لكن–
“أنتِ الوحيدة التي يمكنها القيام بهذا يا آنسة أديل!”
تلك الكلمات مالت بقلب أديل قليلًا.
وجعلتها تفكّر: ‘حسنًا، لنسمع ما لديه’.
وهكذا، بينما كانت تجلس في العربة وتستمع إلى طلبه…
خيّم ظلٌّ أسود كثيف فوق رأس أديل.
“……؟”
ظنّت أديل أنّ غيومًا داكنة قد تجمّعت، فالتفتت نحو نافذة العربة.
وهناك، رأت وجهًا شديد الترتيب يطلّ عليها لدرجة القشعريرة.
بالطبع، كان دوق وينشستر.
وبملامح مرعبة للغاية.
فزعت أديل.
لكنّ فزعها لم يكن شيئًا مقارنةً بردّ فعل دانيال العنيف.
“آاااااه! سـ… سـ- سيّدي.”
ترجّل دانيال من العربة وهو ينحني اعتذارًا.
ثمّ بدأ يتلوّى بجسده كمن قُبض عليه متلبّسًا بجرم ما.
أصبحت نظرات الدوق المسلّطة عليه أكثر حدّةً.
بالطبع، فمن الطبيعيّ أن يغضب لركوب شخص غريب في عربة الدوق دون إذن.
“دانيال، هل تشرح لي الموقف؟”
“لقـ……لقد كانت الآنسة أديل تمرّ من هنا فتحدّثتُ إليها.”
نطق دانيال بالحقيقة بتلعثم.
“لو رآكم أحد، لانتشرت إشاعةٌ رائعة حقًّا، أليس كذلك؟”
“آه، أوه.”
خفض دانيال رأسه بشدّة.
يبدو أنّه لم يفكّر في هذا الأمر على الإطلاق.
تارِكًا دانيال المذعور خلفه، دخل دوق وينشستر إلى العربة وجلس في مواجهة أديل.
كانت نظراته المباشرة مؤلمةً من شدّة حدّتها.
بدا غاضبًا جدًّا حقًّا.
وجدت أديل نفسها تضمّ يديها بأدب وتواضع.
“الأمر ينطبق عليكِ أيضًا يا آنسة ميريوذر. أليس من الخطر الصعود إلى عربة شخص لا تعرفينه جيّدًا؟”
كان كلامه منطقيًّا تمامًا.
أومأت أديل برأسها.
“سأكون حذرة.”
“جميلٌ أنّكِ وافقتِ بسرعة.”
أخيرًا، ارتخت ملامح وجهه المتصلّبة قليلًا.
وبناءً على الأجواء، كان هذا وقت اعتذار أديل ومغادرة العربة.
لكن أديل أرادت استغلال الفرصة للتأكّد من حقيقة واحدة من الدوق.
“أيّها الدوق، هل جئت اليوم بخصوص……”
السبب الذي جاء من أجله.
أرادت التأكّد مسبقًا من حجم المعلومات التي وصلت إلى كلارا.
ابتسم بمرارة قليلًا ردًّا على سؤال أديل.
“لقد سلّمتُ تقرير التحقيق الخاصّ بالسيد برونسون.”
“آه……”
“إنّه أمر مؤسف حقًّا. وقوع حادث كهذا داخل السجن.”
حادث.
في الأوراق الإداريّة التي أرتها إيّاها بورتيا، وُصِف موته كما يلي.
[أثناء الخروج للمشي الإلزاميّ في الحديقة لصحة السجناء، انزلقت قدمه على الدرج.
اصطدمت رأسه بحافّة الدرج وتوفّي في مكانه.
تمّ إنهاء خدمة الحارس المسؤول.]
“……حادث.”
كرّرت أديل كلمته، فأضاف موضحًا: “نعم، هذا ما أظهرته نتائج التحقيق. يمكنكِ الاطّلاع على التفاصيل في الوثيقة التي سلّمتُها للماركيزة.”
وبقوله هذا، أشار إلى باب العربة الذي كان لا يزال مفتوحًا.
كانت إشارة واضحة بأنّ عليها النزول الآن.
تردّدت أديل للحظة.
لأنّ عيونه عندما قال إنّ رالف تعرّض لحادث عرضيّ.
كانت حمراء.
لكنّها لم تستطع الإشارة إلى ذلك.
فإذا سألها كيف عرفتِ أنّني أكذب، لن تجد ما تقوله.
“إذًا، نلتقي في مأدبة مساء الجمعة–”
قدّم تحيّةً رسميّةً مع ابتسامة مرسومة بدقّة.
كان ينوي إنهاء الحديث.
هنا، لم تستطع أديل كبح توتّرها ونطقت فجأةً.
“……هذا ليس صحيحًا.”
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 35"