كان إيرل في الأصل لا يختلف عن قطع الأثاث التابعة لمكتب الطابق الثاني.
فلقد كان لا يتحرّك تقريبًا عندما يكون في المكتب.
“قبل قليل.”
إيه؟
ولكن، ألم يكن يوبّخها قبل لحظات بأنّها تمسح المكان نفسه ‘منذ فترة’؟
‘هل يمكن لشخص نزل للتوّ أن يقول كلامًا كهذا؟’
يبدو أنّ قول ذلك يتطلّب مراقبة أديل لفترة من الوقت على الأقلّ بعد نزوله.
وبينما كانت أديل تنظر إليه بشكّ، مرّر طرف إصبعه على رفّ قريب.
وعندما علق به قليل من الغبار، عبس وجهه على الفور.
“المكان فوضويٌ حقًّا. هل خطّطتِ لإفساد العمل؟”
“سأفعل ذلك مجدّدًا!”
فركت أديل المكان الذي لمسه بسرعة وبقوّة.
بصراحة، لم يكن هناك الكثير من الغبار حتّى……
“كفى، يبدو أنّ عقلكِ مشغول بمكان آخر، لذا توقّفي. سأقوم بالأمر بنفسي.”
هل يعقل…… أنّه اكتشف الأمر؟
أعني حقيقة أنّ رأس أديل كان مزدحمًا بالأفكار حول رالف.
بالطبع، لم تكن ترغب في قول شيء كهذا لإيرل.
لأنّه بالتأكيد سيقول كلامًا عديم الإحساس عن ‘خطيبها السابق’ وما إلى ذلك.
“بدلًا من ذلك، اذهبي وأحضري تقرير المهمّة الخارجيّة.”
“تقرير؟ مَن الذي لم يأتِ للعمل مجدّدًا؟”
تقرير المهمّة الخارجيّة هو ملخّص لما رآه وسمعه ‘صاحب القدرة’ الذي ذهب للعمل في مكان خاصّ.
ويحصل صاحب القدرة على مكافأة إضافيّة بناءً على قيمة محتوى التقرير.
لذلك، يميل إيرل إلى الإلحاح لتسليم تقارير المهامّ الخارجيّة في أسرع وقت ممكن.
فالمعلومات تفقد قيمتها بمرور الوقت.
وإذا تأخّر تسليم التقرير، تنخفض مبيعات المكتب.
وبالتالي تنخفض المكافأة الإضافيّة لصاحب القدرة أيضًا.
ومن أجل مصلحة الجميع، كان من الأفضل تسليم التقارير بسرعة.
“بورتيا. لقد أُصيبت بمرض الفنّ مجدّدًا.”
“……آه.”
لينا: مرضُ الفنّ هو تعبيرٌ يُستخدم لوصف حالةٍ نفسيّةٍ أو سلوكيّةٍ يُصبح فيها الإنسانُ مهووسًا بالفنّ أو الإبداع إلى درجةٍ تُؤثّر في حياتِه اليوميّة أو صحّتِه.
أومأت أديل برأسها على الفور.
لأنّ هذا العمل لا يمكن لأحد سواها القيام به.
* * *
كان منزل بورتيا يقع في نهاية المنطقة السكنيّة في العاصمة.
وهو مكان بعيد لا يمكن الوصول إليه بالعربة العامّة.
نزلت أديل من العربة بعد أن احتفظت بإيصالات الأجرة بدقّة لتقديمها للمكتب.
كان المبنى الخشبيّ ذو السقف الأزرق الذي تراه أمامها هو منزل بورتيا ومرسمها في آن واحد.
عبرت الحديقة الصغيرة وطرقت باب المنزل، لكن لم يأتها ردّ.
وبما أنّها توقّعت حدوث ذلك، دارت أديل حول الحديقة كعادتها ودخلت من الباب الخلفيّ.
بورتيا، التي لا تعرف الخوف، نادرًا ما كانت تقفل الباب الخلفيّ.
كان الهدوء يخيّم على المنزل.
باستثناء صوت طرقات المطرقة على الإزميل التي تُسمع بين الحين والآخر.
ويبدو أنّها غارقة تمامًا في العمل على قطعة فنّيّة جديدة نظرًا لسرعة الطرقات.
فتحت أديل باب المرسم وهي تحبس أنفاسها.
كانت القاعة ذات السقف العالي مليئةً بالغبار الأبيض الناعم.
وفي وسطها كانت هناك جذع شجرة مخصّص للنحت.
كانت بورتيا تعيد تشكيله بدقّة متناهية.
إنّ وجه الشخص المنهمك في عمله يكون رائعًا.
وبما أنّ أديل كانت تكنّ الإعجاب لبورتيا التي تملك موهبةً خاصّة، قرّرت أن تراقبها لفترة أطول قليلًا.
“يا إلهي.”
ولكن يبدو أنّ تلك النظرات كانت تشكّل عائقًا لها.
بعد فترة وجيزة، شعرت بورتيا بوجود أديل.
وضعت المطرقة والإزميل جانبًا واقتربت.
كانت أديل ممتنّةً لاستقبالها بابتسامة عريضة، لكنّها ارتبكت ولم تعرف أين تضع نظراتها.
ذلك لأنّ…… بورتيا لا ترتدي ملابس كاملة عندما تركّز على أعمالها، بشكل غريب.
وتدّعي أنّ الملابس تعيق حركتها أثناء العمل.
حتّى الآن، كانت تكشف عن بطنها ذات العضلات الواضحة تمامًا.
ربّما لهذا السبب، لم يعد إيرل يزور منزل بورتيا أبدًا.
خاصّةً عندما تكون منشغلةً بأعمالها.
ولهذا السبب كلّف أديل بهذه المهمّة.
لكن أديل كانت تشعر بالارتباك أيضًا.
ألا يشعر أيّ شخص بالارتباك عندما تقترب منه جميلة تفوق معظم الناس طولًا برأس كامل، وهي تستعرض عضلاتها الرائعة؟
علاوةً على ذلك، بورتيا……
“مرحبًا يا صغيرتي.”
كانت تحرص دائمًا على تقبيل خد أديل عندما تلتقيها.
تقول إنّ هذا هو معنى التحيّة في المنطقة التي كانت تعيش فيها، لكنّ أديل لم ترَها أبدًا وهي تحيّي إيرل أو برنابي بهذه الطريقة بشكل غريب.
هذه المرّة أيضًا، طبعت بورتيا قبلةً خفيفةً على خد أديل.
“آه، مرحبًا يا بورتيا. أنا آسفة للمجيء فجأةً وأنتِ تعملين.”
ردّت أديل التحيّة بهدوء وهي تحاول كبح شعورها بالخجل.
“يؤلمني سماعكِ تقولين ذلك. ألا تعلمين؟ أنتِ مميّزة بالنسبة لي.”
عاملت بورتيا أديل، زميلتها وصاحبة القدرة مثلها، بكثير من التقدير.
في الواقع، لم تكن أديل تكره ذلك القلب الدافئ.
“هل تجلسين قليلًا؟ الشاي…… آه، بمناسبة الحديث عن ذلك، لقد أصبحتِ الآن بالغة. مبارك لكِ. هل أقدّم لكِ الويسكي؟”
“لا!”
لوّحت أديل بيديها بسرعة.
لم تكن قد تذوّقت الكحول أبدًا، لذا شعرت ببعض الخوف.
“ما زلتُ في وقت العمل.”
“تسك هذا بسبب إيرل ويندروب البغيض.”
انتقدت إيرل بصوت عذب.
قدّمت بورتيا لأديل، التي كانت تبتسم، كوبًا من الشاي العطريّ بقطع الليمون.
“إنّه لذيذ.”
“لأنّني وضعتُ فيه الكثير من الحبّ.”
غمزت بورتيا بعينها وصبّت الويسكي في كأسها الخاصّ حتّى امتلأ.
صبّته في الكأس الذي لم يحتوي على ثلج ولا ماء.
“لقد جئتِ من أجل التقرير، أليس كذلك؟”
“أجل، لقد طلب منّي إيرل المجيء والعودة بسرعة.”
توجّهت بورتيا نحو المكتب وهي تحمل كأسها بخطوات رشيقة.
“على أيّ حال…… إنّه لا يعجبني.”
“آسفة لأنّني أزعجتكِ أثناء العمل.”
“آه، لم أكن أقصدكِ أنتِ. المشكلة في ويندروب. لماذا يضع عينه دائمًا على صغيرتي؟”
“……هل تتحدّثين حقًّا عن إيرل؟”
إيرل لا يضع عينه على أديل.
رغم أنّه قد ينظر إليها بعين يملؤها السمّ أحيانًا.
“بالطبع أتحدّث عن إيرل ويندروب البغيض والمريب.”
“هذا الكلام صحيح تمامًا، ولكن…”
ارتشفت أديل جرعةً من الشاي وتابعت الشرح.
“إيرل يكرهني. حتّى قبل قليل كان يفتعل المشاكل بحجّة أنّ التنظيف فوضويّ. لم يكن يهتمّ بالغبار أبدًا في الأيّام التي ينظّف فيها الآخرون.”
“يبدو أنّ حبّه من طرف واحد قد وصل لمرحلةٍ مستعصية.”
“في أيّ مرحلة تحديدًا؟”
لم تجب بورتيا على سؤال أديل فورًا.
بدلًا من ذلك، أحضرت ظرفًا وجدته على المكتب ومدّته أمام أديل.
وقالت بنبرة فيها نوع من الاستياء: “في مثل هذه المرحلة.”
“……؟”
نظرت أديل إلى بورتيا بذهول، ثمّ نظرت متأخّرةً إلى الظرف الذي تمدّه.
وقد كُتب عليه:
[تقرير مهمّة.
تنظيف سجن فريق التحقيق].
رمشت أديل بعينَيْها من شدّة المفاجأة.
“أنا من قامت بتنظيف المكان.”
ارتشفت بورتيا جرعةً من الويسكي وتابعت.
“أعني جثّة ذلك الرجل التاجر المزعج.”
“بورتيا هي مَن فعلت ذلك……؟”
سألت أديل وكأنّها لا تصدّق الأمر.
قدرة بورتيا هي ‘الاستنساخ’.
بإمكانها صنع أيّ عدد من النسخ المتطابقة لأيّ غرض تراقبه بدقّة.
وكان نطاق قدرتها واسعًا جدًّا.
فكلّ الأثاث الموجود في هذا المنزل من صنع بورتيا.
ناهيك عن الطعام.
بمجرّد أن تتذوّق لقمة واحدة، لا تكتشف الأسرار المخفيّة فحسب، بل تعرف حتّى مصدر المكوّنات.
وبسبب هذه القدرة الفائقة، لم تكن بورتيا تقوم بـ ‘أيّ عمل’ كان.
بل كانت تقوم بأعمال مثل صنع نسخ متطابقة دقيقة سرًّا، أو تولّي مسؤوليّة طعام النبلاء الرفيعين.
كانت تنجز الأعمال ذات الأجر المرتفع جدًّا دون مبالاة.
“هل طلب إيرل من بورتيا القيام بعمل كهذا؟”
لو كان الأمر كذلك، لكان من المفهوم لماذا تتمادى بورتيا اليوم في قول كلمات سيّئة عن إيرل.
لقد كانت غاضبةً جدًّا من إيرل لدرجة أنّها اتّهمته بحبّ أديل من طرف واحد.
“لا، أنا مَن تطوّعت. في الأصل كان ويندروب الشرير هو مَن سيذهب. خذي، استلمي هذا.”
“آه، أجل…… شكرًا لكِ.”
وضعت أديل الأوراق التي سلّمتها بورتيا فوق ركبتَيْها.
“لا داعي للشكر.”
جلست بورتيا الآن بجانب أديل.
“ولكن لماذا تطوّعتِ للقيام بعمل كان إيرل ينوي القيام به؟ ألا تكرهين مثل هذه الأعمال؟”
أحيانًا تظهر جثث لا يطالب بها أحد في سجن فريق التحقيق، وكانوا يشعرون بضيق شديد من التعامل معها داخليًّا.
حسنًا، لا يوجد شخص يحبّ التعامل مع الجثث.
وبفضل ذلك، تصل اتّصالات لمكتب التوظيف الموثوق تطلب ‘تنظيف جثّة’ بين الحين والآخر.
وعادةً ما كان إيرل هو مَن يتولّى مثل هذه المهامّ.
وكان إيرل يحبّ ذلك العمل كثيرًا، قائلًا إنّ هناك الكثير من المعلومات التي يمكن الحصول عليها أثناء عمليّة التعامل مع الجثّة.
لكن بورتيا لا ينبغي أن تكون كذلك.
“لا أكره ذلك بشكل خاصّ. لكنني شعرتُ أنّني لن أحبّ رؤية ويندروب وهو يتفاخر أمامكِ بعد عودته من هناك.”
“أعتقد أنّ إيرل كان سيفعل ذلك حقًّا.”
“أليس كذلك؟ من المزعج حقًّا أن يتصرّف ذلك الفتى الصغير هكذا معكِ.”
لم يكن إيرل فتىً صغيرًا.
فعلى الأقلّ هو أطول من أديل بشبر تقريبًا.
ولكن بالنسبة للجميلة الطويلة بورتيا، كان بالتأكيد ‘فتىً صغيرًا’.
ضحكت أديل قليلًا لأنّها وجدت إطلاق مثل هذا الوصف المتواضع على إيرل أمرًا ممتعًا.
وعندما ضحكت أديل، ابتسمت بورتيا أيضًا بزهو.
“على أيّ حال، لقد تمّ التعامل مع موت ذلك الرجل كحادث عرضيّ.”
التعليقات لهذا الفصل " 34"