الفصل 32
لقد كانت تلك المعاملة الجافّة التي يتلقّاها لأوّل مرّة في العاصمة الملكيّة مؤثّرةً حقًّا، لدرجة أنّ ابتسامةً ارتسمت على وجهه تلقائيًّا.
“حسنًا، سأضع توقيعي بالموافقة على المحتويات المذكورة أعلاه.”
تظاهر برسم توقيعه فوق المنديل بطرف إصبعه، ثمّ مدّه نحو أديل مرّةً أخرى.
همّت أديل أخيرًا بأخذ المنديل منه، ربّما لكي تتّخذه دليلًا على هذه اللحظة.
ولكن في تلك اللحظة تحديدًا.
“آنسة أديل.”
جاء صوت كلارا من خلف أديل.
التفتت أديل على الفور.
وقد نسيت تمامًا حقيقة أنّها كانت في منتصف أخذ منديله.
مدّت كلارا، التي ظهرت فجأةً، منديلًا مطرّزًا بصورة أرنب وكأنّها تستعرضه.
“استخدمي هذا.”
“……يا إلهي.”
بدت أديل متأثّرةً بلطفها حتّى إنّها ضمّت يديها معًا.
“هيّا، خذيه.”
“آه، حاضر.”
استجابت أديل لإلحاح كلارا و أخدت منديل الأرنب.
بدا مظهرها وكأنّها لن تكون أكثر امتنانًا حتّى لو منحها الملك أرضًا و لقبًا.
كان ذلك نقيض ردّ فعلها الفاتر عندما مدّ ماتياس منديله إليها.
بينما كانت أديل تضغط بالمنديل على وجهها متجنّبةً تطريز الأرنب اللطيف.
سارت كلارا بخطوات واضحة بحذائها ذي المقدّمة المستديرة ووقفت أمام ماتياس.
ثمّ رفعت رأسها بملامح يملؤها الغضب.
“ما الذي حدث؟ لقد أُصيبت وصيّتي.”
“أعتذر بشأن ذلك.”
“دوق، سأقولها لك بوضوح.”
خاطبته كلارا مرّةً أخرى ووضعت يدَيْها الصغيرتين اللتين تشبهان حبّات البطاطس على خصرها.
ثمّ فتحت عينيها اللتين يفيض منهما الذكاء بشكل أكثر حدّةً.
“أديل ميريوذر تعمل لأجلي أنا فقط.”
كان ذلك تحذيرًا بديهيًّا للغاية.
فأيّ نبيل لا بدّ وأن يتملّك حاشيته.
لو أنّ أحدًا تجرّأ واستخدم خادمه دانيال كما يحلو له، لكان قد ركض إليه على الفور وقال الكلام نفسه.
‘لكن رغم منطقيّة هذا الكلام…’
لا أعلم لماذا أشعر بأنّني لا أريد الموافقة عليه؟
فكّر ماتياس في أنّه يرغب في التواصل مع أديل ميريوذر لفترة أطول قليلًا.
‘لأنّها..’
فكر ماتياس منذ لقائه الأوّل بأديل، بأنّ مؤهّلاتها كانت ممتازةً حقًّا.
ولم يكن حكمه خاطئًا.
فمن النادر أن نجد نبيلًا يتسلّل بنفسه إلى أرض العدوّ من أجل تحقيق هدف ما، إنّ قدرتها على التنفيذ كانت ثمينةً بحقّ.
علاوةً على ذلك، ألم تستفزّ الأميرة روزاليند قبل قليل بكفاءة حتّى كادت تجعلها تعترف؟
كان ماتياس غالبًا ما ينفّذ أوامر سرّيّةً من الملك، وأحيانًا كان يحتاج إلى تعاون الآخرين.
كانت أديل ميريوذر الموهبة التي تمتلك العناصر التي يصبو إليها.
ومن الطبيعيّ أن يشعر بالرغبة في الحصول عليها.
أجاب ماتياس وهو يبتسم.
“أودّ أن أقدّم عرضًا، أيّتها الماركيزة.”
لكي تضع شخصًا متفوّقًا بجانبك، كان الأمر الواضح الذي يجب فعله.
هو أن تصبح أنت أيضًا شخصًا مفيدًا للطرف الآخر.
“سأرفض يا دوق.”
لكنّ كلارا لم تستمع حتّى لعرضه.
كلارا التي يعرفها لم تكن شخصيّةً تتّخذ قرارات متسرّعةً كهذه.
كانت تتسمُ بالهدوء والتفكير الاستراتيجيّ.
ألم تكن هذه هي مزايا ماركيزة ميريوذر الجديدة؟
“ألن يتغيّر رأيكِ إذا استمعتِ إلى حديثي؟”
“لن أستمع.”
أجابت كلارا بحزم مرّةً أخرى.
ثمّ أردفت شارحةً على الفور.
“لأنّني أعرف ما الذي ستقوله، فليس من الصعب استنتاج طريقة تفكير رجل بالغ.”
“ولكن—”
“إنّها وصيّتي.”
قبل أن يتمكّن من قول أيّ شيء آخر، تحدّثت كلارا بشكل قاطع.
“ذاك…… عذرًا، هل هناك أيّ مشكلة؟”
سألت أديل بحذر بعد أن أدركت أنّ الأجواء لم تكن طبيعيّةً.
حينها التفتت كلارا نحو أديل وأجابتها وكأنّ الأمر لا يعنيها.
“لقد قال الدوق إنّه ممتنّ لكلّ ما حدث حتّى الآن.”
“أوه……”
“وقد أقسم بأنّه لن يطلب أيّ شيء آخر أبداً أبدًا أبدًا في المستقبل.”
بقولها هذا، نظرت كلارا بحدّة نحو ماتياس.
“إذًا يا دوق، سنعود نحن إلى قاعة المأدبة.”
قالت كلارا ذلك وأمسكت بيد أديل بقوّة و بشكلٍ استعراضيّ.
كان هذا تصرّفًا لإثبات الملكيّة.
بأنّ أديل ميريوذر تنتمي لكلارا فقط.
“حسنًا، فهمت، سنلتقي مجدّدًا عمّا قريب.”
وضع ماتياس إحدى يديه أمام صدره وانحنى بخصره قليلًا.
“كلاكما.”
لم تردّ كلارا حتّى على كلماته الإضافيّة واستدارت فجأةً، وهي لا تزال تمسك بيد أديل بقوّة.
راقب ماتياس هذا المشهد بتمعّن وهو يفكّر.
‘هل هي تكره الأمر إلى هذه الدرجة؟’
لقد تمنّى فقط أن تكون علاقته بأديل علاقة تبادل ثقة ومساعدة.
من أجل مصلحة الطرفين.
والنُبلاء يطلقون على هذه العلاقة اسمًا معيّنًا.
‘صديقٌ مقرّب.’
أن تكون الصديق المقرّب لدوق وينشستر هو مسمّى يمكن استخدامه جيّدًا في أيّ مكان……
أمال رأسه بتعجّب.
“يا دوق.”
في تلك اللحظة.
اقترب تابع ماتياس، الذي كان ينتظر في جانب من الحديقة، بخطوات سريعة.
لقد كان يتحقّق من وضع رالف الذي قُبض عليه مؤخّرًا من قبل فريق التحقيق.
“أعتذر، يبدو أنّ الطرف الآخر قد تحرّك أوّلًا.”
* * *
في اليوم التالي أُقيمت مراسم تسلّم كلارا للمنصب.
حضرت أديل ميريوذر بصفتها وصيّتها.
الآن أصبح ميزان القوّة للاثنتين راسخًا.
لأنّ الملك نفسه اعترف بهما.
في النهاية، وُلدت أصغر ماركيزة في التاريخ، وهو الأمر الذي كان الجميع يشكّ في حدوثه.
كان هناك تقليد ضمنيّ في المملكة يتعلّق بهذا الأمر، وهو أن يقيم من يحصل على لقب جديد مأدبةً.
كان ردّ فعل كلارا تجاه هذا هو: “أليس هذا تبذيرًا للمال؟”
ولم يكن كلامها خاطئًا.
ولكن خلال عمليّة اختتام مراسم التتويج، قال الملك لكلارا ما يلي.
“أتطلّع لمأدبتكِ الأولى الرائعة.”
كان كلامًا من قبيل المجاملة الواضحة، لكن لم يكن بإمكانها الردّ بصدق وقول: “إنّه هدر للمال يا صاحب الجلالة!”
“سأبذل قصارى جهدي لأكون عند حسن ظنّك.”
وهكذا، بعد انتهاء مراسم التسلّم، بدأت كلارا على عجل في التحضير للمأدبة.
المأدبة ستكون في مساء الجمعة القادم.
أي أنّه لم يتبقَّ سوى أسبوع واحد تقريبًا.
لم يكن بإمكانها إقامة الحفل بإهمالٍ لمجرّد أنّه حدث غير مرغوب فيه.
فعلى أيّ حال، ألم تكن هذه هي الفعّاليّة الرسميّة الأولى التي تقيمها بصفتها ماركيزة ميريوذر؟
بغضّ النظر عن إقامتها من عدمه، فإنّ تقييم تلك المأدبة سيؤثّر على العائلة في المستقبل.
لذا، كانت تخطّط لتجهيز مأدبة تجعل الجميع يشعرون بتقاليد العائلة وموثوقيّتها.
و بينما كانت كلارا تؤدّي واجبات ومسؤوليّات الماركيزة.
كانت أديل أيضًا تلتزم بواجبات ‘الأخت بالعقد’ بشكل فعليّ.
وهذا يعني أنّها لم تكن تفعل شيئًا.
في الحقيقة، اعتقدت أديل أنّها ربّما ستكون مشغولةً أو تعاني من صداع بسبب قضيّة الأميرة روزاليند.
لكنّ كلارا استنتجت ما تريد الأميرة روزاليند.
“بما أنّ مكانة الأميرة فارغة كقشرة خاوية، فلا بدّ أنّها أرادت الاستيلاء على منصب الماركيزة.”
كان جرّها لتوماس بكلمات مبطّنة دليلًا على ذلك.
لقد كانت خطّةً ليست سيّئة بما أنّه كان في الأصل من المعارضين لكلارا.
غير أنّ توماس أدرك شيئًا ما أثناء مراقبته لكلارا عن قرب.
وهو أنّ كلارا تفهم واجبات ومسؤوليّات الماركيزة أفضل من أيّ شخص آخر.
القلق الوحيد المتبقّي كان ‘أنّ كلارا لا تزال طفلة’.
ومن بدّد ذلك القلق كانت أديل.
عندما تكون مع أديل، كانت كلارا، التي تبدو دائمًا وكأنّها تكبت شيئًا ما، تظهر كطفلة في العاشرة من عمرها.
كانت الاثنتان تعتمدان على بعضهما البعض بوضوح، وكان هدف تضامنهما واحدًا.
وهو إصلاح عائلة ميريوذر.
في اللحظة التي أدرك فيها توماس تلك الحقيقة، بدأ يدعمهما بشكل طبيعيّ.
فليس من شيم الكبار قمع الأطفال الذين يحاولون فعل شيء ما بكلّ جهدهم.
وهكذا، قام توماس، الذي غيّر رأيه، بإبلاغ كلارا بكلّ التفاصيل في ذلك اليوم الذي حدث فيه الموقف مع روزاليند.
بفضل ذلك، تمكّنت كلارا وأديل من خوض ليلة المهرجان بقلب مرتاح.
“لقد فشلت الأميرة في النهاية، لقد انتهى الأمر.”
“ولكن ماذا عن عقابها؟”
“هذا شأن دوق وينشستر.”
رسمت كلارا خطًّا فاصلًا.
“بما أنّه استخدم حتّى وصيّتي التابعة لي، فلا بدّ أن يحقّق نتيجةً ما.”
بدا ذلك وكأنّها غاضبة، كما بدا وكأنّها تظهر ثقةً مطلقةً.
“على أيّ حال.”
حذّرت كلارا أديل بوجه حادّ.
“لا يجب على الآنسة أديل أن تتورّط مع الدوق، فضلًا عن الأميرة.”
“نعم، بالطبع، فأنا وصيّةٌ تلتزم بعقدها.”
أن تصبح وصيّةً بلا فائدة.
ملأت أديل عينَيها بنيّة واضحة لتنفيذ العقد.
هل لاحظت كلارا ذلك؟
هزّت كلارا رأسها برضا.
“عقد؟ آنسة أديل، ما معنى هذا الكلام؟”
ولكن فجأةً، اخترق الأجواء سؤال أولسون الحادّ.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
التعليقات لهذا الفصل " 32"